
حارس الشقاء والأمل: حنا مينة
في مثل هذا اليوم ٢١ آب / أغسطس ٢٠١٨ رحل الحلّاق الذي خاض معارك الحياة بكل خشونتها وقسوتها الذي وجد نفسه روائياً… وكان عليه أن
اختلفت الروايات حول تاريخ مولد جابر بن حيَّان ومكانه، كما حول تاريخ وفاته وتفاصيل حياته، فهناك روايات ترجع تاريخ ولادته إلى نحو عام ٧٢١م وأخرى إلى عام ٧٣٧م، والأمر نفسه بالنسبة لتاريخ وفاته منها تقول إنه توفي نحو عام ٨١٠ وأخرى ترجع وفاته إلى نحو عام ٨١٣.
هو أبو موسى جابر بن حيَّان بن عبد الله الكوفي، تعود صفة الكوفي إلى طول إقامته في الكوفة وقد أجمعت النصوص عليها. عرف والد جابر أنه كان يشتغل في «العطارة» وكان صيدلياً، وأنه من المناصرين للدعوة للخلفاء العباسيين. يبدو أن لعمل والده أثره على توجهات جابر العلمية واشتغاله في حقولها. عرف عن جابر صلته بالبرامكة، لذلك غادر بغداد إلى الكوفة بعد ما يعرف بـ «نكبة البرامكة».
اشتهر جابر بن حيَّان، بشكل خاص، بعلمه بالكيمياء وكشوفاته من مثل: “زيت الزاج” أي “حامض الكبريتيك” فهو أول من استحضره وكان له فضله على تقدم الكيمياء، واستحضر “حامض النتريك” و”ماء الذهب”، كما أنه أول من أدخل فصل الذهب عن الفضة عبر الحل بالحامض، وتحويل المعادن الرخيصة إلى معادن ثمينة، وطلاء القماش المانع لتسرب الماء، وفكرة الموازين، وتطويره لطرق التبخير والتقطير والتبلور والانصهار وغيرها الكثير؛ وهناك اهتمامات علمية أخرى إلى جانب الكيمياء برز فيها منها: الطب، والرصد، والفلك، والرياضيات، والهندسة، وعلم المعادن، والميكانيك، وعرف عنه أيضاً اشتغاله بالفلسفة وعلم المنطق. كتب ابن خلدون عن جابر بن حيَّان ومكانته في علم الكيمياء: “صُورَةُ هَذا العَمَل الصنَاعي الّذِي يَقلبُ هذه الأَجسَادَ المُسْتَعِدَّةَ إلى صُوْرَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ هُو علمُ الكيميَاءِ وَمَازَالَ النَّاسُ يُؤَلِفُونَ فيها قَديمَاً وَحَديثَاً وَرُبَّما يُعْزَى الكَلَامُ فيها إلى مَنْ ليسَ مِنْ أَهْلِها وإمامُ المُدّونينَ فيها جَابرُ حيَّانَ حتَّى إنَّهُم يَخُصُّونَها بهِ فَيُسِمُّونَها عِلْمَ جَابِرٍ وَلَهُ فيها سَبْعُونَ رِسَالَةً” (ابن خلدون، المقدمة، دار احياء التراث العربي، بيروت، لا.ت، ص. ٥٠٤). وقال عنه أبو بكر الرازي في “سر الأسرار“: “ان جابراً من أعلام العرب العباقرة وأوَّل رائد للكيمياء” وكان يشير إليه بـ “أستاذنا أبو موسى جابر بن حيَّان”. الفيلسوف فرانسيس بيكون (١٥٦١- ١٦٢٦) صاحب كتاب «الأراغون الجديد» ويعني الأداة الجديدة، رائد المنهج التجريبي الذي أرسى فيه قواعد المنهج العلمي الحديث، وانتقد الأفكار البالية التي عفى عليها الزمان كما انتقد «أراغون» أرسطو. بيكون صاحب الدعوة إلى تطهير العقل من أصنامه، وهي: أصنام القبيلة، أصنام الكهف، أصنام المسرح، أصنام السوق. عن جابر كتب بيكون:”إن جابر بن حيان هو أول من علَّم علم الكيمياء للعالم”. وقال عنه مارسيلان بيرتيلو وهو كيميائي فرنسي “لجابر بن حيان في الكيمياء، ما لأرسطو في المنطق”. أما المستشرق الألماني ماكس مايرهوف فقال عن جابر بن حيَّان “يمكن ارجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى جابر بن حيَّان بصورة مباشرة، وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوروبية”.
أحيطت شخصية جابر بن حيَّان بقدر كبير من الشكوك، بما فيها كما مر معنا تاريخ ولادته ووفاته، وصلت إلى حدِّ التشكيك بواقعية شخصيته ونسبة مؤلفاته إليه، انتقد حسين مروه التشكيك بشخصية جابر ونسبة مؤلفات إليه من قبل بعض القدماء والمحدثين، ورد عليها في بحثه بعنوان: “المنهج العلمي عند: جابر بن حيان، امام العلوم الطبيعية” المنشور في كتابه “تراثنَا.. كيف نعرفه” الصادر من مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت. رد يمتد من الصفحة ٢٣٣ – ٢٣٩. وفي الوقت نفسه درس في بحثه جوانب رئيسة من نتاج جابر بن حيَّان مبرزاً منهجيته العلمية ورأيه في نظرية المعرفة والوجود الموضوعي للطبيعة… إلخ
جابر بن حيَّان ومنهاجه العلمي:
في إطار الإضاءة على نتاج شخصيات من تراثنا العربي تلقي منصة «تقدُّم» الضوء، بشكل مكثف، على جانب من نتاج جابر بن حيَّان وهو طبيعة منهجه العلمي وإيمانه بالعلم الذي بحثه حسين مروه لما ينطوي عليه بحثه من تحديد لأهمية نتاج جابر بن حيَّان العلمي ومفهومه لمسائل رئيسة في العلم والمعرفة والفلسفة.
تعكس نصوص جابر بن حيَّان ايمانه بالعلم والوجود الموضوعي الخارجي للأشياء، وايمانه بالعقل. عبَّر جابر بن حيَّان عن ذلك خلال كلامه حول علم الكيمياء الوارد في كتابه “اخراج ما في القول إلى فعل“. في هذا الحقل أبرز حسين مروه التساؤل التالي: “كيف يُظن العجز بالعلم دون الوصول الى الطبيعة وأسرارها؟ ألم يكن في مستطاع العلم ان يجاوز الطبيعة الى ما وراءها؟.. فهل يعجز عن استخراج كوامن الطبيعة ما قد ثبتت قدرته على استخراج السر مما هو مستور وراء حجُبها؟” (مروه حسين، تراثنا… كيف نعرفه، مرجع سابق، ص. 246). يحلل حسين مروه نص – تساؤل جابر بن حيَّان بإبرازه ان مضمونه يُظهر ايمان جابر بالعلم والعقل الإنساني في استنباط قواعد العلم للكشف عن أسرار الكون، يكمل حسين مروه إظهار ثقة جابر بالعلم وإمكانيته لاكتشاف أسرار الطبيعة ومنهجيته بتحليله للنص التالي من نصوص جابر بن حيَّان التي يقول فيها:”ان اسرار الطبيعة قد تمتنع على الناس لاحد سببين، فاما ان يكون ذلك لشدة خفائها وعسر الكشف عنها، واما ان يكون للطافة تلك الاسرار بحيث يتعذر الامساك بها. وسواء كان هذا الامر هو هذا او ذاك، كان في وسع الباحث العلمي ان يتلمس طريقاً الى تحقيق بغيته فلا صعوبة الموضوع ولا لطافته ودقته مما يجوز ان تحوِّل العلماء عن السير في شوط البحث الى غايته” (المرجع نفسه، ص. 246. نص جابر بن حيَّان مأخوذ من بول ستراوس “مختار رسائل جابر بن حيان تلخيص زكي نجيب محمود في “جابر بن حيان”). يؤكد حسين مروه في قراءته لنص جابر بن حيَّان أن “في هذا التقرير ما نرى من وضوح في التفكير العلمي السديد، ومن النظر الى قضايا الكون الطبيعية دون اللجوء الى الأحكام الميتافيزيقيَّة المطلقة عند اصطدامه بشعور العجز في اول الطريق، او في بعض اشواطه البعيدة عن الغاية” (المرجع نفسه. ص. ص 246- 247).
“نظرية المعرفة”
نص جابر بن حيَّان المنهجي يقود الى طرح سؤال حول رأيه في مصدر المعرفة، وهو سؤال محوري في تحليل حسين مروه لرأي جابر حول مصدر المعرفة الذي رأى انه على أساسه يتحدد منهجه العلمي فهو “المقياس الفاصل بين منهج ومنهج، او بين من يؤمن بالعقل الإنساني وبالوجود الموضوعي للكون والطبيعة وبين من لا يؤمن” (المرجع نفسه، ص. 247)، بمعنى هل المعرفة العلمية فطرية أم مكتسبة؟ عاد حسين مروه إلى نصوص لجابر بن حيَّان يجيب فيها على السؤال عن مصدر المعرفة وقوله بالوجود الموضوعي للكون، “اذا رجعنا الى النصوص نجد جابراً يقول في رسالة ”التجميع“(مختارات كراوس، ص. 377): ”ان النفس لا تكون عالمة أولاً بالضرورة، أي انها لا تولد مزودة بالعلم، بل هي قادرة فاعلة جاهدة“ (ص.378): وهذا كلام صريح بان العلم عنده ليس قائماً في النفس بفطريتها، بل هو استعداد وقدرة على اكتساب العلم من الخارج”(المرجع نفسه، ص. 248)، إنه رأي مرتبط بمنهج جابر العلمي التجريبي، وبالتالي المعرفة ليست فطرية، بل مكتسبة بالعقل والتجربة.
ومن المسائل المتعلقة بمنهجية جابر بن حيّان العملية رأيه بطبيعة اللغة والوجود الموضوعي المستقل عن العقل وعن أسماء الأشياء فهو من القائلين بأنها “بأحرفها وكلماتها وجملها، تشف عن طبائع الأشياء، فدراسة الاسم هي – في الوقت نفسه- دراسة للمسمى.. وحين تعترضه مشكلة تعدد اللغات في المجتمعات البشرية، دون ان يغفل عن هذه المشكلة، بل يتقاصها بتفصيل يدل ايضاً على منهجيته العلمية، ينتهي الى حل المشكلة بأحد أمرين، وليس يهمنا معرفة الحل بقدر ما يهمنا رأيه في هذا الصدد بأن حقائق الأشياء ثابتة لا تتعدد بتعدد اللغات (كتاب ″الحاصل″ مختارات كراوس، تلخيص زكي نجيب – ص ١٣٨). فالقول بأن حقائق الأشياء ثابتة لا تتعدد بتعدد اللغات، هو القول- صراحة لا ضمناً- بوجود الأشياء وجوداً موضوعياً مستقلاً عن العقل وعن أسماء هذه الأشياء” (مروه حسين، تراثنا.. كيف نعرفه، المرجع نفسه، ص. ٢٥١).
في قراءته التحليلية لمصدر المعرفة عند جابر بن حيَّان توقف حسين مروه عند ما قد يبدو كتناقض وقع فيه جابر عند قوله إن المعرفة تأخذ بتلقن المعرفة وهو مناقض لقوله بمصدر المعرفة، هذا التناقض حلله حسين مروه بتحديده أنه “يتراءى لنا انه يمكن اخراجه من التناقض بحمل كلامه بصدد الوحي على انه يقصد بالمعرفة هناك معرفة الأحكام الشرعية، وحمل كلامه بصدد التجربة على انه يقصد هنا معرفة العلوم الطبيعية، أي خواص الأشياء والأحياء من تصنيفه العلوم في ”كتاب الحدود“ (مختارات كراوس)، فهو يقسم العلوم عامة إلى قسمين: علم الدين، وعلم الدنيا. وحين يعرِّف علم الدين في ذاته يقول: هو الأفعال المأمور باتيانها للصلاح فيها بعد الموت.. وحين يعرف علم الدنيا في ذاته، يقول هو جميع ما في عالم الكون من الحوادث، الضارة والنافعة، بأي وجه كان ذلك فيها..
هذا التمييز لعلم الدين عن علم الدنيا، يكفي- الى حد ما- في دفع التناقض عنه من حيث رأيه بمصدر المعرفة، لأن الذي يعنينا – بالأقل- ان نعرف منه ان العلم بطبائع الأشياء والأحياء ليس ذاتياً تلقائياً بل اكتساباً من الخارج، أي انه يعترف بالوجود الخارجي الموضوعي للكون، وان معرفة هذا الوجود تأتي من خارج الذات، لا من داخل الذات” (المرجع نفسه، ص. ص 249-250).
وفق هذه المنهجية درس حسين مروه جوانب رئيسة من نتاج جابر بن حيَّان انطلاقاً من نصوصه: الوجود الموضوعي المستقل للطبيعة والكون، وحدة الحركة الكونية وفلسفة الكيمياء عنده، وطريقته في البحث وما تحمله من منهج استقرائي استنباطي.
يتضح من خلال بعض المحاور الرئيسة التي عرضناها، بشكل مكثف، من بحث حسين مروه لجوانب من نتاج جابر بن حيان أهمية المنهجية العلمية في قراءة تراثنا للكشف عن جوانب محجوبة فيه ممَّا يسهم في إبراز حيوية التراث والنتاج العلمي للعديد من الشخصيات التراثية ومكانتهم في تطور العلم.

في مثل هذا اليوم ٢١ آب / أغسطس ٢٠١٨ رحل الحلّاق الذي خاض معارك الحياة بكل خشونتها وقسوتها الذي وجد نفسه روائياً… وكان عليه أن

“لغير فلسطين لن أنحني” (علي فودة، “عواء الذئب”) ولد الشاعر والكاتب والصحفي الفلسطيني علي فودة عام ١٩٤٦ في قرية قِنِّير قضاء حيفا، وبفعل النكبة هاجر

أن ما نفذته ثورة 1789 كان مهماً، إنما لا يشكّل التغيير المطلوب إنجازه. هذا التغيير الذي كاد أن ينجز، بعد ثمانين عاماً، في كومونة باريس التي شكّلت التجربة الاشتراكية الأولى والنموذج الأول لديكتاتورية البروليتاريا، والتي لم تتوانَ “حكومة فرساي” البرجوازية الفرنسية، من أجل إسقاطها، من التحالف مع العدو البروسي المحتل، ففتتحت له أبواب باريس، بعد أن تنازلت له عن مقاطعتي الألزاس واللورين.

غسان كنفاني الشهيد من صنف أصحاب الذات المتعددة ليس بوسعهم أن يموتوا؛ فهم لا يرحلون عنا بل يرحلون إلينا، يسكنون وعينا وذاكرتنا، ويتكاثرون في المعرفة



