
في مواجهة مشروع «قانون يادان» الهادف لتوسيع تعريف مكافحة السامية ومعاداتها في فرنسا
بينما أسهم النضال ضد الإبادة الجماعية في فلسطين في بلورة جيل جديد من المناضلين المناهضين للإمبريالية والصهيونية، يسعى أنصار الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض تجريم معاداة
شكّل العدوان الذي شنّه “الكيان الإسرائيلي” في الخامس من حزيران (يونيو) 1982 محطة أساسية في الصراع العربي – الصهيوني؛ ذلك أن هذا العدوان، الذي أعد له قبل حوالي العام بموافقة الولايات المتحدة الأميركية وبالتعاون معها ومع حلف الناتو، كان يتجه باتجاهات ثلاث: أولها القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية (ومعها على آمال الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه وبناء دولته الوطنية)، وثانيها السيطرة على لبنان عبر تنصيب رئيس للجمهورية يعترف بالكيان الصهيوني ويقيم معه أفضل العلاقات، وثالثها الضغط على الدولة السورية لكي توقع، هي الأخرى، على صك الاعتراف بالكيان وعلى نسيان الجولان المحتل الذي، بعرف الحركة الصهيونية وضمن الخرائط التي قدمتها إلى مؤتمر باريس (1919)، يشكّل، مع قسم كبير من لبنان، جزءاً أساسياً من “دولة اليهود في العالم”.(1)
في تلك الفترة، وبالتحديد منذ أوائل العام 1982، كانت كل الأخبار التي ترد لنا تباعاً، من مصادر دولية مختلفة، تتجه باتجاه واحد: هناك تحضيرات جدّية لعملية “إسرائيلية” واسعة تنطلق من الشريط اللبناني المحتل في العام 1978 لتصل إلى بيروت… وقد ترافقت هذه الأخبار مع تصعيد غير مسبوق لغارات العدو على العاصمة وبعض مناطق الساحل، الأمر الذي حدا بالحزب الشيوعي اللبناني إلى إعلان التعبئة العامة والتحضير للمواجهة عبر العمل على تنظيم حركة مقاومة جديدة تستند إلى دور الحزب السابق في منطقة الجنوب، والمستمر، منذ العام 1969، وإلى التعاون مع بعض القوى التقدمية اللبنانية وفصائل المقاومة الفلسطينية.(2)

حصار بيروت وتنظيم الدفاع والصمود
أذكر أننا كنا، في تلك الفترة، نحاول أن نتصور متى وأين وكيف سيبدأ العدوان الجديد، وذلك بهدف وضع أفضل الخطط لمنع الصهاينة من تدنيس أرض بيروت أو لدحرهم منها بأقصى سرعة ممكنة.

وعندما أعلن عن انعقاد القمة التي تضم الدول الرأسمالية الكبرى، في الرابع من حزيران / يونيو، في فرساي الفرنسية(3)، أيقنا أن الصهاينة سيستفيدون من هذه القمة للتحرك باتجاه تنفيذ مخططتهم العدواني. وهذا ما كان، إذ استفاد بيغن وشارون من محاولة اغتيال سفير الكيان في بريطانيا شلومو أرجوف لشن غارات قاتلة على منطقة المدينة الرياضية في بيروت في الرابع من حزيران ثم ليتبعاها في السادس من حزيران بالهجوم المنتظر الذي ترافق مع إنزال لقوات كثيفة من الكوماندوس على ضفاف نهر الأولي شمال صيدا.
وبينما كان قسم من القوات المعتدية يحتل مدن وقرى الجنوب، ويقتل ويأسر ويقيم أكبر معتقل في مدينة أنصار – معتقل يذكّر بتلك التي أقامها النازيون في أكثر من بلد أوروبي – كان القسم الآخر من القوات يتوسع باتجاه البقاع الغربي ومن ثم منطقة الجبل ومن بعدها بيروت التي بدأ حصارها في الرابع عشر من شهر حزيران واستمر حتى 15 أيلول/ سبتمبر…
كان الحصار شديداً وقاتلاً. حصار من البر والبحر، وقصف لا يهدأ لا ليل ولا نهار، خاصة من البوارج والطائرات. كل ذلك بإشراف اللبناني الأصل الأميركي الهوية فيليب حبيب الذي أمر بإقفال كل إمكانية لإدخال المواد الغذائية إلى بيروت المحاصرة ولم يتوانَ عن قطع مياه الشفة عن أهلها، بحيث ينتفضوا ضد القوى الفلسطينية والتقدمية.
غير أن حسابات ممثلي الامبريالية والصهيونية لم تعط النتيجة السريعة المرجوة. فقد استطعنا تنظيم الصمود بالكامل، إذ أمّنا الخبز اليومي ومعه المياه من الآبار الأرتوازية؛ كما أوصلنا يومياً مادة المازوت إلى مراكز الهاتف لإبقاء الاتصالات مفتوحة مع العالم الخارجي، وعملنا، إلى جانب توزيع جريدة “النداء”، على إصدار تعميم سياسي يومي كان يصل إلى كل منظمات الحزب، فيضع الرفيقات والرفاق المتواجدين على محاور العاصمة وفي كل المناطق اللبنانية والخارج في آخر التطورات والمستجدات. وكان مركز الصمود أشبه بخلية نحل يؤمه يومياً العشرات ليتوزعوا على المهام الملقاة على عاتقهم، متنقلين بين القذائف التي قلما توقفت… (4)
“يا أهالي بيروت… لا تطلقوا النار”
(ج م و ل) والرد الحاسم

استمر الحصار ثلاثة أشهر، كما أسلفنا، غير أنه لم ينل من عزيمتنا. بل على العكس… كنا نزداد اندفاعاً مع الأيام، رغم السيارات المفخخة التي فجّرها العملاء في أكثر من منطقة. وكنا نتسلى في بعض الليالي بمتابعة بطولة كأس العالم لكرة القدم من خلال بعض الأجهزة التي تعمل “على البطارية”. وكنا بالطبع نعد العدّة للمواجهة الحتمية التي مهدت لها شركة “أوجيه لبنان” بإزالة بعض من السواتر الترابية التي كان المقاتلون قد أقاموها من منطقة البربير نزولاً إلى الأسواق التجارية ووصولاً إلى المنطقة القريبة من المرفأ. بل إننا لم نتوقف عن عقد اجتماعات اللجنة المركزية “بمن هو موجود من الرفاق” داخل الحصار، ومنها بالتحديد الاجتماع، الذي انعقد يوم العاشر من أيلول ليقر رسمياً بيان إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (ج م و ل).(5)

بدأ تحرك القوات الصهيونية، فجر السادس عشر من أيلول/ سبتمبر، على عدة جبهات، باتجاه المخيمات الفلسطينية والداخل البيروتي. وكان شارون مع ضباطه يشرفون على سير على العمليات ويوجهون منفذي مجازر صبرا وشاتيلا. كانوا يظنون أنهم ربحوا الحرب، خاصة بعد أن عملت القوات المتعددة الجنسيات (والمؤلفة من فرنسيين وأميركيين وإيطاليين) على نقل قيادة وكوادر منظمة التحرير من بيروت إلى تونس. غير أنهم فوجئوا بشراسة المقاومة وعملياتها النوعية التي توزعت في كل الأحياء البيروتية، موقعة عشرات القتلى والجرحى في صفوف العدو المحتل الذي اضطر صاغراً، وبعد أيام قلائل، إلى الهروب من “الجحيم”. فخرج يجر أذيال الخيبة وجنوده يصرخون في مكبرات الصوت : “يا أهالي بيروت… لا تطلقوا النار، فنحن منسحبون”.

مجموعات ج م و ل وغيرها لم تتوقف، بل لحقت بالعدو إلى كل مكان، في البقاع والجبل والجنوب… واستمرت حتى التحرير الكامل في 25 أيار (مايو) من العام 2000.
وفي ظل ما يجري من تجدد العدوان، وإن تغيرت وجوه المعتدين، فإن الشعب اللبناني، الذي طالما رفض الذل والعدوان، يتمسك أكثر من أي وقت مضى بحقه في مقاومة العدوان والاحتلال. لأن المقاومة الوطنية هي الحل الوحيد للحفاظ على تراب الوطن وكرامة الشعب.
نائب الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني والمنسقة السابقة للقاء اليساري العربي.

بينما أسهم النضال ضد الإبادة الجماعية في فلسطين في بلورة جيل جديد من المناضلين المناهضين للإمبريالية والصهيونية، يسعى أنصار الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض تجريم معاداة

عامان من الصمود الأسطوري، وربع مليون، بين شهيد وجريح ومفقود وَلَدَت حالة وعي شعبي أممي بحقيقة الصراع وجذوره، وتنامت حالة تضامن عابرة للبنى الاجتماعية والسياسية في أقطار القارات الخمس، وتحول الرأي العام لصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه داخل عدد من الدول، كانت تعتبر معاقل نفوذ وسطوة إعلامية صهيونية

نعود اليوم إلى دق ناقوس الخطر الذي يهدد بزوال العالم العربي، بدءاً من فلسطين ولبنان، وتالياً سوريا. أما الحل، فيكمن في التحرك السريع لتجميع القوى التي ترفض التطبيع في إطار حركة تحرر عربية جديدة تعلن عن مكوناتها وبرنامجها للحل الجذري وتضع الآليات المرحلية لتنفيذه

اتسعت الفجوة الطبقية بين القلة التي تتحكم في السلطة ورأس المال، وبين ملايين الشعب المصري الذي ازداد فقراً، وبدأت الديون في ازدياد مستمر لأننا لا ننتج إلا قليلاً، ولأنه تم صرف القروض على البنية التحتية وبناء مدن جديدة لا يسكنها أحد إلا نسبة ضئيلة، دون الالتفات إلى أهمية التنمية الإنتاجية وأهمية تنمية الموارد البشرية



