الاقتصاد المصري بين التنمية وسياسات البنك والصندوق الدوليين

-+=

تتناقض الآراء في تقييم الوضع الاقتصادي الراهن بين مؤسسات التمويل الدولية وبين الخبراء الوطنيين، حيث يمتدحه الأولون وينتقده الأخيرون. يقول ستيفان جيمبرت، المدير الإقليمي للبنك الدولي بمصر واليمن وجيبوتى، في حديثه لجريدة الأهرام بتاريخ 17 نوفمبر الماضي: “مصر قامت بالعديد من الإصلاحات الاقتصادية والمالية الهامة… والإصلاحات كانت أساسية للقضاء على السوق السوداء للعملة وتوحيد سعر الصرف وخفض التضخم”. الحديث هنا يتعلق بـ “ما تحقق من استقرار اقتصادي، وتحسين المؤشرات الكلية”. يتحدث مندوب البنك الدولي عن تقليل عجز الموازنة العامة للدولة (أي التوازن بين إيرادات الحكومة ونفقاتها)، ووضع الدين العام على مسار تنازلي، وتقليل عجز ميزان المدفوعات مع الخارج. ولكن التزام الحكومة المصرية بتلك الرؤية منذ العام 1974، لم يؤدِ إلا إلى تفاقم مشاكل الدولة والمجتمع.

المشكلة الرئيسية للاقتصاد المصري:

نقص الإنتاج


رؤية الاقتصاديين الوطنيين ترى أن جوهر القضية هو الاقتصاد الحقيقي، أي الإنتاج. المشكلة الرئيسية للاقتصاد المصري، وأي اقتصاد في مثل ظروفنا، هي نقص الإنتاج، وعجزه عن الوفاء باحتياجات السكان. لا يعدو عجز الموازنة وعجز ميزان المدفوعات أن يكونا مجرد مظاهر لهذا العجز؛ وأي جهد لحل المشاكل دون حل مشكلة نقص الإنتاج لا بد وأن يؤدي إلى ما أدى إليه من فشل. من شأن زيادة الإنتاج زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي، ولكن مع اتباع سياسات مؤسسات التمويل الدولية، ازدادت الفجوة الغذائية حتى أصبحنا نستورد نحو نصف احتياجاتنا من الحبوب، وأكثر من 90% من احتياجاتنا من زيت الطعام والفول والعدس.

أما في مجال الصناعة، فإن صناعتنا تعتمد على استيراد ما بين 56% و65%، شاملة الآلات ومستلزمات الإنتاج، مما يقود لجعلها صناعة تابعة. سياسة فتح الأسواق أمام السلع الأجنبية. إن جوهر التنمية الشاملة هو في المحل الأول، الإنتاج الصناعي الزراعي. لا يتحدث خبراء البنك الدولي عن التنمية بكلمة واحدة، بل يتحدثون فقط عن “النمو” فيقول جيمبرت: “معدلات النمو في مصر تعرضت لبعض التذبذب في العامين الماضيين، وعادت إلى الارتفاع في الفترة الحالية، مع المضي قُدماً في الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية”. كيف؟ يجيب: “من خلال تمكين القطاع الخاص وتحفيز الاقتصاد وإيجاد الوظائف لاستيعاب أكثر من 1.7 مليون داخل جديد إلى سوق العمل سنوياً”. كيف؟ يجيب خبير البنك الدولي: “خلق الوظائف يعتمد على تمكين القطاع الخاص، وذلك من خلال عدة سياسات، أهمها تحديد دور الدولة في الاقتصاد، بناء اقتصاد تنافسي يتسم بالعدالة والمساواة، إلى جانب تهيئة بيئة الأعمال…. وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية”.

صناعتنا تعتمد على استيراد ما بين 56% و65%، شاملة الآلات ومستلزمات الإنتاج، مما يقود لجعلها صناعة تابعة. سياسة فتح الأسواق أمام السلع الأجنبية

ويفصل فيقول” “تحديد دور الدولة”. أو بالأحرى تحجيم دور الدولة، لأن القطاع الخاص هو محرك التنمية، والذي يتسم بالكفاءة، ويستطيع خلق فرص العمل. عند عقد الاتفاق بين مصر وصندوق النقد الدولي على قرض 2022، أشار تقرير خبراء الصندوق الذي أوصى بقبول الاتفاق أن المبررات تتضمن إصدار وثيقة ملكية الدولة، والالتزام بالمبادئ الموجهة لملكية الدولة التي أصدرتها دول “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- OECD”. تنص تلك المبادئ على تقليص دور الدولة لأقصى حد، مع إصدار، في بداية كل عام، قائمة بالمشاريع التي تم نقلها للقطاع الخاص، والمشاريع المشتركة معه، والمشاريع الباقية في ملكية الدولة وضرورة الإبقاء عليها، ويراجع هذا سنوياً للنظر فيما إذا كانت توجد مبررات للاحتفاظ بأي من تلك المشاريع، وخطة الخصخصة الجديدة.

واقع ما حدث هو أن مصر تعرضت لأزمة اقتصادية شديدة، فتقدمت بطلب لصندوق النقد أول مارس عام 2022، من أجل قرض جديد. اشترط الصندوق شروطاً بالخصخصة الواسعة لأملاك الدولة. رأى رئيس الجمهورية فيما يبدو، أنه قد يكون محرجا طرح مثل تلك الخصخصة، في وقت كان الواقع السياسي ملبداً، في ظل ضيق المجال العام، ووجود معتقلين سياسيين من جميع أحزاب المعارضة، وهذا يمكن أن يصب الزيت على نار الاحتقان الشعبي والسياسي. لهذا بادر الرئيس بعقد إفطار رمضاني واسع في 26 إبريل، دعا فيه جميع زعماء المعارضة. طرح الرئيس في خطابه بعد الإفطار فتح صفحة جديدة في العلاقة بالمعارضة، عنوانها “الاختلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية”. وطرح معها الرغبة في تشجيع الاستثمار الخاص، بفتح الباب أمام خصخصة أصول قطاع عام للبيع بقيمة أربعين مليار دولار خلال أربعة أعوام! دعا الرئيس لحوار وطني، وطلب من رئيس الوزراء إصدار وثيقة حول ملكية الدولة للحوار.

أصدر أبرز تحالف للمعارضة المصرية، “الحركة المدنية الديمقراطية” التي تضم 12 حزباً ليبرالياً وناصرياً واشتراكياً، ردها، في شهر مايو، على دعوة الحوار بالقبول بضوابط، على رأسها فتح المجال العام، وإطلاق سراح المسجونين السياسيين من أعضائها وغيرهم. أصدر رئيس الوزراء وثيقة ملكية الدولة خلال نفس الشهر، وتضمن قيام الحكومة بخصخصة كل شركاتها في 79 مجالاً، وخصخصة أكثر من 50% من الشركات في 40 مجالاً آخر، وخصخصة الباقي بنسبة أقل من 50%! عندما تأخر بدء الحوار، تم إصدار وثيقة ملكية الدولة 15 ديسمبر 2022، وفي اليوم التالي، 16 ديسمبر، صدر تقرير خبراء الصندوق، بالموافقة على القرض. كان أول قرض ينص صراحة على عبارة: “تصفية ممتلكات الدولة”! مصداقاً لهذا بدأت الخصخصة بالبيع والمشاركة في الشركات القابضة التي تمتلك كل منها شركات متعددة، وتم إعادة هيكلة الشركة القابضة للصناعات المعدنية، والقابضة للغزل والنسيج، والسياحة والفنادق، والتأمين.

اشتملت الإجراءات على تخفيض قيمة الجنيه مقابل الدولار بين مارس 2022 ومارس 2024، إلى نحو ثلث قيمته، فأصبح الدولار يساوي 48 جنيهاً بعد أقل من 16 جنيهاً! بالطبع أدى هذا إلى زيادة عبء الديون الخارجية، كما أدى إلى بيع أصول الدولة بأقل الأثمان

اشتملت الإجراءات على تخفيض قيمة الجنيه مقابل الدولار بين مارس 2022 ومارس 2024، إلى نحو ثلث قيمته، فأصبح الدولار يساوي 48 جنيهاً بعد أقل من 16 جنيهاً! بالطبع أدى هذا إلى زيادة عبء الديون الخارجية، كما أدى إلى بيع أصول الدولة بأقل الأثمان، حيث تقيم أصولها عادة بالقيمة الدفترية أيام بنائها، بينما كان أيام بنائها يقيم الدولار بأقل من جنيه مصري واحد! ونلاحظ أن مصطلح القطاع الخاص ركيزة التنمية، أن مؤسسات التمويل الدولية ترفض أي تمييز بين القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وبالطبع فالأجنبي هو الأكثر ثراء وقدرة على شراء أصول القطاع الحكومي الضخمة، وهو الذي يمتلك العملة الصعبة المطلوبة لسداد أعباء الديون!

تؤدي سياسات المؤسسات الدولية إلى تزايد نسبة الفقر في مصر، حيث زادت من 16% عام 2000 حتى 40% على الأقل وفق تقديرات الخبراء الموثقة الآن

هذه هي تنمية البنك وصندوق النقد الدوليين، فتح الأسواق، دعم القطاع الخاص المحلي ومساواته بالأجنبي، تصفية أصول الدولة، التي لم تقتصر على القطاعات الإنتاجية، وامتدت للقطاع الخدمي، فتم تأجير المستشفيات الحكومية بعقود بثلاثين عاماً، بل وامتدت لمرافق استراتيجية، فتم دمج 11 مطاراً في شركة قابضة وطرحها للخصخصة بالبيع أو التأجير لعقود متعددة، كما تم دمج العديد من الموانئ أيضاً. ولكن بيع الأصول يحل مشكلة وقتية بسداد الديون، ويفاقم المشكلة على المدى البعيد، ليس فقط لخسارة الدولة عائد القطاعات المباعة، ولكن أيضاً لزيادة الأعباء على ميزان المدفوعات، لأن كل الأصول المملوكة للأجانب من حقهم تحويل كل أرباحهم للخارج بالدولار!
بدلاً من التنمية الإنتاجية التي عمادها الزراعة الصناعة وتسهم فيها الدولة على الأقل بالمشاريع الاستراتيجية التي لا يُقبل عليها القطاع الخاص، والتنمية البشرية التي عمادها التعليم والصحة، يتضاءل الإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي، رغم أنف الدستور الذي ينص على ألا يقل الإنفاق عليهم سنوياً عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي تزيد تدريجياً حتى تصل إلى النسبة العالمية (ضعف تلك القيمة)، وفي آخر موازنة حكومية للعام المالي 2025- 2026، يبلغ الإنفاق عليهم جميعاً 2.7%، أي نحو ربع الحد الأدنى أو سُبع الحد الأقصى. وبدلاً من التنمية، تؤدي سياسات المؤسسات الدولية إلى تزايد نسبة الفقر في مصر، حيث زادت من 16% عام 2000 حتى 40% على الأقل وفق تقديرات الخبراء الموثقة الآن!

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

في مواجهة مشروع «قانون يادان» الهادف لتوسيع تعريف مكافحة السامية ومعاداتها في فرنسا 

بينما أسهم النضال ضد الإبادة الجماعية في فلسطين في بلورة جيل جديد من المناضلين المناهضين للإمبريالية والصهيونية، يسعى أنصار الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض تجريم معاداة

الصمود والمقاومة في مواجهة الإبادة والتهجير

عامان من الصمود الأسطوري، وربع مليون، بين شهيد وجريح ومفقود وَلَدَت حالة وعي شعبي أممي بحقيقة الصراع وجذوره، وتنامت حالة تضامن عابرة للبنى الاجتماعية والسياسية في أقطار القارات الخمس، وتحول الرأي العام لصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه داخل عدد من الدول، كانت تعتبر معاقل نفوذ وسطوة إعلامية صهيونية

بعد 41 عاماً .. عود على بدء : إتفاق 17 أيار/ مايو بحلة جديدة

نعود اليوم إلى دق ناقوس الخطر الذي يهدد بزوال العالم العربي، بدءاً من فلسطين ولبنان، وتالياً سوريا. أما الحل، فيكمن في التحرك السريع لتجميع القوى التي ترفض التطبيع في إطار حركة تحرر عربية جديدة تعلن عن مكوناتها وبرنامجها للحل الجذري وتضع الآليات المرحلية لتنفيذه

التحديات التي تواجهها الدولة المصرية مع بداية عام 2026

اتسعت الفجوة الطبقية بين القلة التي تتحكم في السلطة ورأس المال، وبين ملايين الشعب المصري الذي ازداد فقراً، وبدأت الديون في ازدياد مستمر لأننا لا ننتج إلا قليلاً، ولأنه تم صرف القروض على البنية التحتية وبناء مدن جديدة لا يسكنها أحد إلا نسبة ضئيلة، دون الالتفات إلى أهمية التنمية الإنتاجية وأهمية تنمية الموارد البشرية