العدوان الأميركي على فنزويلا وفرض شريعة الغاب

-+=

لم يكن العدوان الحربي الأميركي على فنزويلا أمراً عارضاً، وهو ليس مجرّد عدوان على دولة، مع أنه بذلك هو خرق فادح لسيادتها واستقلالها وضد شعبها، بل انه عدوان على قوانين ومبادئ الشرعية الدولية. مما جعل معظم دول العالم وليس أميركا اللاتينية فقط، تشعر بأن الإطاحة بقواعد وأسس العلاقات الدولية يشكّل خطراً على كل منها. لذلك عبّرت عن سخطها وإدانتها لهذا العدوان الحربي ولخطف الرئيس مادورو وزوجته من قلب العاصمة كراكاس، وبتصاعُد التظاهرات الشعبية في العالم وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها. ويمكن التأكيد أن هذا العدوان ليس الأول والأخير، وهو ليس مجرد نزوة لشخص. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يجاهر بتهديد إيران وباحتلال وضمّ جزيرة غرينلاند الدنماركية، ويعيّن نفسه رئيساً للجنة السلام في غزة إلخ .. وفي الوقت الذي يكرّر تصريحاته بتفضيل التفاوض مع إيران، نراه يحشد قواته العسكرية الحربية في منطقتنا، ويرفد العدو الصهيوني بأحدث الأسلحة لحمايته والقيام بدوره العدواني.

ومع أن العلاقة بين فنزويلا والولايات المتحدة لم تكن تصادمية، وأن شركة النفط الأميركية “شيفرون” كانت تعمل في فنزويلا وما زالت، لكن الولايات المتحدة ترى بمن لا يتبعها ويخضع لسلطتها ومصالحها، خصماً ومعادياً لها. فمشكلتها الأساسية ترتبط بتقلُّص احتياطها النفطي من جهة، وبأزماتها المتفاقمة، فتلجأ إلى طرق السيطرة ونهب النفط وثروات البلدان والشعوب. وهذا ما جعل الرئيس ترامب يجاهر بنهجه العدواني معبّراً عن طبيعة الرأسمالية باستمرار دوافعها إلى الربح، واعتمادها منطق القوة والحروب بدلاً من قوة الحق والمنطق.

وليس صدفة أن يتسبّب التطوّر المتفاوت بين الدول الرأسمالية نفسها بنشوب حربين عالميتين جرتا في القرن العشرين. وإذا لم تُقدم الدول الرأسمالية الكبرى على حرب عالمية ثالثة ورابعة، فهذا يعود للتوازن الدولي المقترن بدور الاتحاد السوفياتي آنذاك ووزنه وبوجود السلاح النووي في أيدي دول متعددة يطال استخدامه الكرة الأرضية.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن جوهر المخطّط الأميركي الهجومي هو استغلال الخلل في ميزان القوى الدولي للهيمنة على أوسع مدى في العالم، خصوصاً حيث توجد الثروات ويتوفّر الربح، قبل أن يتصاعد دور التعددية القطبية. ويرتكز تنفيذ هذا المخطّط في منطقتنا الشرق أوسطية على دور تقوم به “إسرائيل” إلى جانب الولايات المتحدة وأدواتها.

أما في أميركا اللاتينية فالذي يجري في فنزويلا الآن، هو الحوار والتفاوض بين رئيستها المؤقتة ديلسي رودريغز والحكومة الفنزويلية، وبين الولايات المتحدة، على أساس الحفاظ على الاستقرار الملائم الآن للطرفين مع المطالبة بتحرير الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وإعادتهما إلى فنزويلا. ويدور الحوار للاتفاق على النسبة التي تعود لكل من الطرفين من استخراج النفط والثروات الأخرى. خصوصاً ان المعارضة اليمينية في فنزويلا ضعيفة داخلياً، وإنّ الولايات المتحدة ترى ذلك الآن وتخشى إذا تدخلت عسكرياً على الأرض الفنزويلية من تحوُّل وطن سيمون بوليفار إلى فييتنام أخرى.

لكن لم يعد ممكناً إيصال النفط من فنزويلا إلى كوبا، الذي كان مقابل ما يقوم به حوالي 40 ألف كوبي، معظمهم طواقم طبّية ومعلمين عملوا لإزالة الأميّة التي تحققت في فنزويلا.

والواضح أن الرئيس دونالد ترامب يعود اليوم لاعتماد مبدأ مونرو الذي وضع في عام 1823 لمواجهة وجود الاستعمار الأوروبي في تلك القارة ليس لتحرير شعوبها، بل لفرض سيطرة الولايات المتحدة عليها بدلاً منه. وتبنّي ترامب هذه العقيدة يعني مواجهة وضرب مسيرة الشعوب التحررية وسيادة بلدانها وإعادة القارّة تحت سيطرتها ونهب ثرواتها وعرق شعوبها واعتبارها حديقتها الخلفية.

ويستهدف هذا المخطط الهجومي أولاً كوبا ورمزيتها الثورية، التي نشأت ثورتها من واقع شعبها ضد الظلم الاجتماعي والتبعية لسيطرة واشنطن، وكولومبيا، والمكسيك التي قضمت الولايات المتحدة قبلاً عدداً من ولاياتها وضّمتها إليها.

لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن ثورات الشعوب هي مثل البراكين، تنفجر من داخلها ولا تنتظر مَن يُشعلها.. لذلك فإن عدوانية الرأسمالية المأزومة قد تُطيل بعمرها نوعاً ما لكنها لن تنقذها..

وإنّ تضامن الشعوب ضد الإمبريالية وعدوانيتها وحروبها في العالم هو ضرورة لكل شعب وبلد، لمنع تحويل المجتمع البشري إلى شريعة الغاب وإلى حروب لا تنقطع وتُهدد السلام في العالم.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

مخاطر إحياء مشروع ” تطوير حقول الشمال ” عبر المشاركة بالانتاج النفطي مع الشركات الأجنبية

تتواتر المعلومات عن وجود توجّه لإعادة إحياء ما كان يُسمى في تسعينات القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة بـ “مشروع تطوير حقول الشمال” وأحياناً “مشروع الكويت”،

في مواجهة مشروع «قانون يادان» الهادف لتوسيع تعريف مكافحة السامية ومعاداتها في فرنسا 

بينما أسهم النضال ضد الإبادة الجماعية في فلسطين في بلورة جيل جديد من المناضلين المناهضين للإمبريالية والصهيونية، يسعى أنصار الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض تجريم معاداة

الصمود والمقاومة في مواجهة الإبادة والتهجير

عامان من الصمود الأسطوري، وربع مليون، بين شهيد وجريح ومفقود وَلَدَت حالة وعي شعبي أممي بحقيقة الصراع وجذوره، وتنامت حالة تضامن عابرة للبنى الاجتماعية والسياسية في أقطار القارات الخمس، وتحول الرأي العام لصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه داخل عدد من الدول، كانت تعتبر معاقل نفوذ وسطوة إعلامية صهيونية