هل يعيد “مجلس السلام” عصر المندوب السامي على غزة؟

-+=

يتعرض الشعب الفلسطيني، وخصوصاً في قطاع غزة، إلى جولة جديدة من حرب الابادة الجماعية والتطهير العرقي بهدف فرض معادلات لم تتمكن قوات الاحتلال الصهيوني من إنجازها والوصول إليها. وقد جاء ما يسمى بـ”مجلس السلام”، ليكمل المهمة الصهيونية في تهجير أهل قطاع غزة وإقامة مشروع ترامب العقاري عليه والسيطرة على ثروات بحره التي تُنبئ بوجود حقول الغاز الضخمة، ولقطع الطريق على مشروع “الحزام والطريق” الصيني، وتوجيه ضربة قاصمة إلى مصر بشق “قناة بن غوريون” البديلة عن قناة السويس والأكثر كفاءة منها ما يجعلها تلتهم أكثر من نصف عائدات القناة المصرية.

يرتكز تأسيس “مجلس السلام” على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الذي صوت عليه المجلس في 18 نوفمبر 2025 بأغلبية 13 عضواً مقابل امتناع كل من روسيا والصين عليه. ويختص قرار مجلس الأمن، الذي تقدمت به الولايات المتحدة، تحديداً بقطاع غزة، لكن الرئيس ترامب وسّع من صلاحياته ليشمل كل النزاعات في العالم. كما ينص القرار 2803 على أن المدة القصوى للمجلس هي ديسمبر 2027، وأن مرجعية “مجلس السلام” هي مجلس الأمن بحيث يقدم الأول تقارير نصف سنوية على الأقل. يقر قرار مجلس الأمن “بإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، تأييداً لخطة ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء النزاع. القرار يشمل وقف إطلاق النار، إعادة إعمار غزة، إدارة انتقالية دولية، ونزع سلاح شامل”، لكن الكيان تنصل من أغلب عناصر الاتفاق بدعم أميركي صارخ.

مجلس بديل بـ “فيتو” لشخص واحد

كشفت ديباجة “ميثاق مجلس السلام” عن طبيعة وماهية هذا الميثاق الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم 22 يناير 2026، على هامش منتدى دافوس الاقتصادي، وكأنه بديل عن مجلس الأمن الدولي الذي يتمتع خمسة من أعضائه بحق النقض (الفيتو)، بينما يتمتع شخص واحد فقط هو الرئيس ترامب بهذا الحق في “مجلس السلام”. جاءت الفقرة الثانية من الديباجة لتُبيّن التناقض الصارخ بين ما تضمنته وبين العديد من نصوص مواد الميثاق. تنص الفقرة الثانية على “ان السلام الدائم يترسخ عندما يتم تمكين الشعوب من تولي زمام مستقبلها وتحمل مسؤوليته”، بينما يخلو مجلس السلام من الفلسطينيين المعنيين بشؤون بلدهم، حيث يتم تنفيذ القرارات الأممية على أرضهم. كما أن الديباجة وفصول الميثاق جميعها لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى غزة، التي صدر القرار الأممي بشأنها وحيث الابادة التي ترتكب فيها.

ولأن مؤسسات ومنظمات الأمم المتحدة، بما فيها مجلس الأمن، مستهدفة أيضاً من تشكيل هذا المجلس، كما هي مناطق النزاع فقد كانت (أول آية كفر) في الميثاق الذي بدأ بالطعن في الأمم المتحدة، فجاءت أول فقرة من الديباجة لتضرب في عصب المنظمة الدولية، فنصت على “أن السلام الدائم يتطلب حكمة عملية، وحلولاً منطقية، وشجاعة للتخلي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مراراً وتكراراً”، في إشارة إلى عجز الأمم المتحدة عن حل النزاعات والصراعات التي تعصف بالعالم.

يتكون ميثاق “مجلس السلام” من مجموعة مواد موزعة على 13 فصلاً. وقد فُصِلَت النصوص على مقاس ترامب، الذي منح نفسه صلاحيات امبراطورية مطلقة في مفاصل الميثاق. فالفصل الثاني ينص في المادة (2.1) على: “تقتصر العضوية في مجلس السلام على الدول التي يدعوها الرئيس للمشاركة، وتبدأ عند إخطار الدولة بموافقتها على الالتزام بهذا الميثاق”، بينما تفيد الفقرة (ج) من نفس الفصل بـ” تكون مدة عضوية كل دولة عضو ثلاث سنوات كحد أقصى من تاريخ نفاذ هذا الميثاق، قابلة للتجديد من قبل الرئيس. ولا تسري مدة العضوية البالغة ثلاث سنوات على الدول الأعضاء التي تُساهم بأكثر من مليار دولار أميركي نقداً في مجلس السلام خلال السنة الأولى من نفاذ الميثاق”.

وفي الفقرة (ج) من المادة (3.1) تتأكد الصلاحيات المطلقة للرئيس، حيث تنص على: “يعقد مجلس السلام اجتماعات تصويتية مرة واحدة على الأقل سنويًا، وفي أوقات وأماكن إضافية يراها الرئيس مناسبة. ويضع المجلس التنفيذي جدول أعمال هذه الاجتماعات، مع مراعاة إخطار الدول الأعضاء وتعليقاتها وموافقة الرئيس”، فيما تنص الفقرة (ه) على: “تُتخذ القرارات بأغلبية أصوات الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة، مع مراعاة موافقة الرئيس، الذي يجوز له أيضاً التصويت بصفته رئيساً في حال تعادل الأصوات”. وتؤكد الفقرة (ز) حصرية الصلاحيات، فتنص على: “يجوز للدول الأعضاء اختيار تمثيلها بمسؤول رفيع المستوى بديل في جميع الاجتماعات، شريطة موافقة الرئيس”. وتأتي المادة (3.2) من الفصل الثالث لتحسم مسألة التسمية والصلاحيات المطلقة للرئيس: “(أ) يتولى دونالد ج. ترامب منصب الرئيس الأول لمجلس السلام، كما يتولى منصب الممثل الأول للولايات المتحدة الأميركية”، (ب) يتمتع الرئيس بسلطة حصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات التابعة حسبما تقتضيه الحاجة أو ما يناسبها لتحقيق مهمة مجلس السلام”.

هكذا تتالى حصرية الصلاحيات لدى ترامب في المواد والفصول الأخرى من الميثاق، منها حصر صلاحية تجديد عضوية المجلس التنفيذي وعزل الأعضاء في يد الرئيس “وفقاً لتقديره”، وأن القرارات التي يتخذها المجلس التنفيذي الذي يأتي في المرتبة الثانية تحت “مجلس السلام”، بأغلبية أصوات أعضائه الحاضرين والمصوتين، بمن فيهم الرئيس التنفيذي، مع حق الرئيس (ترامب) في نقضها في أي وقت لاحق. كما يكون الرئيس “هو المرجع النهائي فيما يتعلق بمعنى هذا الميثاق وتفسيره وتطبيقه”، وفق الفصل السابع. أما حل مجلس السلام فهو مرهون “بالوقت الذي يراه الرئيس ضرورياً أو مناسباً”، حسب المادة (10.2) من الفصل العاشر، بينما تشير المادة (11.1) الى أن نفاذ هذا الميثاق بمجرد “موافقة ثلاث دول على الالتزام به”. ويختم الفصل الثاني عشر الصلاحيات المطلقة للرئيس بالنص على أنه “لا يجوز إبداء أي تحفظات على هذا الميثاق”!!.

يكمن سبب عدم انضمام أغلب الدول لهذا المجلس من المخاوف والتوجس بأنه جاء ليزيح مجلس الأمن ويحتل مكانه ويحرم الدول الكبرى من حق النقض (الفيتو) الذي اكتسبته، كغنيمة، بعد اسدال الستار على الحرب العالمية الثانية في 1945. كما أنه جاء بعد اكتشاف نية الرئيس الأميركي تقويض المنظمات الدولية، حيث قررت إدارته الانسحاب من 60 منظمة دولية وأممية، فضلاً عن أنه، أي الرئيس ترامب، مارس عملية التفاف واضحة على القرار 2803 المتعلق بالوضع في قطاع غزة الفلسطيني ليشكل مجلساً يتدخل في كل النزاعات حول العالم، ما يعني إعلاء موقع ومرتبة الولايات المتحدة الأميركية على باقي الدول، انطلاقاً من عقيدة “مونرو”، التي أطلقها الرئيس الأميركي الأسبق جيمس مونرو (1817-1823) والتي تقوم باختصار على السيطرة والاطباق على أميركا اللاتينية التي تُعتَبَر فناءً خلفياً للولايات المتحدة.

إن أغلب الدول التي انضمت لمجلس السلام، هي دول هامشية، وشعوبها محرومة من تأشيرات الهجرة للولايات المتحدة الأميركية، حيث يعتبرها وزير الخارجية ماركو روبيو “يشكلون عبئاً على الأميركيين”. ففي اليوم الذي أعلن فيه ترامب عن الميثاق (22 يناير الماضي) كان الأعضاء الذين أعلنوا موافقتهم قد بلغ عددهم 20 دولة، منها 12 دولة محرومة شعوبها من تأشيرة الهجرة لأميركا كونها “عالة”، ودخول الدول الثمان الأخرى جاء لأسباب متعددة منها التمويل السخي والتحالف المطلوب أميركياً.

مصير قطاع غزة

مع أن ميثاق “مجلس السلام” لم يذكر فلسطين وغزة التي صدر بشأنها قرار لمجلس الأمن، فإن المجلس التنفيذي الذي شكله ترامب يضم مليارديرات وكبار المسؤولين الأميركيين بالإضافة إلى آخرين، سوف يضطلع بدور الحكومة في غزة، ويشرف على أدائه البلغاري نيكولاي ملادينوف، وهو سياسي ودبلوماسي سابق، وذلك بعد أن رشحه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ونصبه ترامب مديراً تنفيذياً لـ “مجلس السلام” في غزة. ويمكن اعتبار ملادينوف مندوباً سامياً على قطاع غزة الذي سوف يكون تحت الانتداب وتحقيق ما عجز جيش الاحتلال عن تحقيقه، ذلك أن الكيان لم يلتزم بتنفيذ متطلبات المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار خصوصاً لجهة فتح المعابر من الجانبين والسماح بدخول المساعدات الإنسانية والمقررة بـ 600 شاحنة يومياً، وهو الأمر الذي لم يتم.   

كما عين ترامب المجلس التنفيذي المنبثق عن “مجلس السلام”، ويتكون من: ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي والمحرض الأهم على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وستيف ويتكوف، وهو محامي وملياردير ويشتغل في قطاع العقارات، وجاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب الذي لا يزال عوده طرياً في السياسة والدبلوماسية رغم أنه زج به مبكراً في اتون السياسة الخارجية الأميركية منذ الدورة الأولى لولاية ترامب، ومارك رووان وهو ملياردير وصديق لترامب، وروبرت غابرييل، ويعتبر من المحرضين على اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 بعد هزيمة ترامب في الانتخابات الرئاسية، وأجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، وتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، و المعروف بدوره المضلل في المنطقة، وخصوصاً في العراق. 

ومن تحت المجلس التنفيذي تأتي لجنة إدارة غزة والمُشكّلة من الفلسطينيين التكنوقراط غير المنتمين لأي من الفصائل الفلسطينية ويرأسها علي شعث. وهي بمثابة “حكم محلي” تنفذ ما يصدر عن المجلس التنفيذي من قرارات وتوجيهات، وتقدم الخدمات البلدية المحلية، بينما تم تعيين الجنرال في القيادة الوسطى الأميركية، جاسبر جيفرز، لقيادة “قوة الاستقرار في قطاع غزة”، التي من مهامها نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في القطاع، وربما تتمدد مهامها إلى الضفة الغربية.

ليس هناك فلسطيني واحد في مجلس السلام، ولا في مجلسه التنفيذي، ولا يقرر الفلسطينيون مصير قطاعهم، وحتى مسألة فتح المعابر، فإن الكيان الصهيوني يسعى لفرض شروط تعجيزية لإعادة فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، وتشمل الشروط: إنشاء نقطة تفتيش صهيونية إضافية بعد النقطة الفلسطينية داخل المعبر، مما يمنح الكيان سيطرة أمنية غير مباشرة على المعبر. كما تشمل الشروط منع دخول الفلسطينيين الذين ولدوا خارج القطاع أثناء حرب الابادة أو حتى قبلها، مع رفض قاطع لأن يتجاوز عدد الداخلين عدد الخارجين من غزة، بهدف ضمان “صافي خروج” للسكان.

نخلص إلى القول إن “مجلس السلام” ربما يتحول إلى أداة إضافية في يد الكيان الصهيوني، كون المجلس قد تم تشكيله بقرار الإدارة الأميركية التي تتشارك مع الكيان في حرب الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة. والسؤال الكبير: أين دور العرب ونظامهم الرسمي لوقف الإبادة والعدوان؟!

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

مخاطر إحياء مشروع ” تطوير حقول الشمال ” عبر المشاركة بالانتاج النفطي مع الشركات الأجنبية

تتواتر المعلومات عن وجود توجّه لإعادة إحياء ما كان يُسمى في تسعينات القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة بـ “مشروع تطوير حقول الشمال” وأحياناً “مشروع الكويت”،

في مواجهة مشروع «قانون يادان» الهادف لتوسيع تعريف مكافحة السامية ومعاداتها في فرنسا 

بينما أسهم النضال ضد الإبادة الجماعية في فلسطين في بلورة جيل جديد من المناضلين المناهضين للإمبريالية والصهيونية، يسعى أنصار الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض تجريم معاداة

الصمود والمقاومة في مواجهة الإبادة والتهجير

عامان من الصمود الأسطوري، وربع مليون، بين شهيد وجريح ومفقود وَلَدَت حالة وعي شعبي أممي بحقيقة الصراع وجذوره، وتنامت حالة تضامن عابرة للبنى الاجتماعية والسياسية في أقطار القارات الخمس، وتحول الرأي العام لصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه داخل عدد من الدول، كانت تعتبر معاقل نفوذ وسطوة إعلامية صهيونية