
هل يعيد “مجلس السلام” عصر المندوب السامي على غزة؟
إن “مجلس السلام” ربما يتحول إلى أداة إضافية في يد الكيان الصهيوني، كون المجلس قد تم تشكيله بقرار الإدارة الأميركية التي تتشارك مع الكيان في حرب الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة.
أجرى كل من تانـيا سينغ و بافِل وارجان ممثلا التقدمية العالمية حواراً مع سيرا باسكوال ماركينا، بروفيسور في جامعة فنزويلا البوليفارية، حول ردّ فنزويلا على الهجوم العسكري الأميركي واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، مستعرضة التعبئة الشعبية الفورية، والدور الاستراتيجي للكومونات الاشتراكية بوصفها خلايا للديمقراطية القاعدية والسيادة الاقتصادية، وكيف يُؤطَّر هذا الصراع ضمن حرب شعبية طويلة ضد الإمبريالية.

التقدمية العالمية: هل بإمكانك وصف ما حدث في كراكاس ليلة اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو؟ ما هو المزاج السائد في البلاد؟ رأينا تعبئات كبرى في مختلف أنحاء فنزويلا حيث خرج الناس إلى الشوارع دفاعاً عن الحكومة. كيف يستعد الناس للدفاع عن الثورة البوليفارية في أعقاب هذا الهجوم؟
سيرا باسكوال ماركينا: كنت على بُعد نحو ثلاثة أميال من أحد المواقع التي تعرّضت للقصف عندما وقع الهجوم، لذلك سمعت الطائرات، ذلك الطنين الشديد للطائرات المسيّرة، ثم الانفجارات التي جعلت النوافذ تهتز.
بالطبع، عرفنا فوراً أن الولايات المتحدة هي التي تهاجمنا؛ فقد كانت تحشد قواتها حول فنزويلا منذ أغسطس، وعلى مدى السنوات الست والعشرين الماضية كانت فنزويلا هدفاً للإمبريالية. عندما علمنا باختطاف الرئيس مادورو، بدأ الناس بالسير بشكل عفوي جداً نحو ميرافلوريس، القصر الرئاسي، دفاعاً عن سيادتنا. في المسيرة، تحدث الجميع بقوة كبيرة، وبالتزام، وباستعداد للتضحية، وهو ما تتطلبه اللحظة.
في الوقت ذاته، وفي ذلك اليوم الأول، وبعد أن شهدوا كل هذا العنف، اختار آخرون البقاء في منازلهم، ولم يُفتح سوى العدد القليل من المتاجر، وبعضها شهد طوابير. لكن الأهم هو أن المدينة بقيت في حالة سلم. كان هناك شعور ملموس بالألفة، وبالكرامة المشتركة، وبالاستعداد الجماعي للنضال بين الناس الذين تجمعوا وتحدثوا خارج ميرافلوريس.
إذا كان عليّ أن أُلخّص مزاج الأغلبية — الشافيين (أنصار تشافيز) — فهو من جهة غضب، غضب كبير! ومن جهة أخرى التزام بمواصلة الثورة البوليفارية. وإذا كنت ملتزماً بالثورة، فإن لديك الاستعداد للقتال من أجلها.
ليس الشعب وحده من تصرّف بوضوح، بل الحكومة أيضاً. فقد ألقت ديلسي رودريغيز، الرئيسة المؤقتة حالياً، خطاباً بعد نحو 12 ساعة من الهجمات، وكانت محاطة بكامل القيادة العسكرية والمدنية. كانت تلك رسالة بصرية قوية عن الوحدة.
في خطابها، قالت شيئاً بات الآن مكتوباً على جدران كراكاس: «لسنا مستعمرة لأحد». كما قالت، على غرار تشافيز ومادورو، إنها تملك الاستعداد لفتح قناة تواصل مع حكومة الولايات المتحدة. وبعد ذلك بوقت قصير، صدرت إعلانات عن احتمال بيع النفط الفنزويلي للولايات المتحدة.
عندما نتحدث عن صفقات فنزويلا مع الولايات المتحدة، يبدأ بعض من يُسمَّون «يساراً» بالقول ما الذي يجوز أو لا يجوز لفنزويلا أن تفعله. ما قاله لينين، في سياق معاهدة بريست-ليتوفسك عام 1919، للتيارات اليسارية المتطرفة — التي انتهى ببعضها الأمر إلى التعاون مع العدو — ما يزال ذا صلة كبيرة اليوم: إذا وضع أحدهم مسدساً على صدرك وطالبك بمالك، فأنت تعطيه المال. هذا لا يعني التخلي عن المشروع؛ بل هو تنازل تكتيكي. قد تُقدَّم بعض التنازلات، لكن لا ينبغي فهم ذلك على أنه تسليم لسيادتنا. الثورة البوليفارية لن تستسلم.
الأهم هو أنه، خلافاً لما قاله ترامب، فإن الحكومة الفنزويلية هي الحكومة التي اختارها الشعب: حكومة ثورية، حكومة شافيزية. الشخص المسؤول الآن ملتزم بالمشروع نفسه الذي التزم به مادورو وتشافيز. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما رأيتم مئات الآلاف من الناس يتظاهرون في شوارع كراكاس وفي أنحاء البلاد دعماً للرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز والحكومة، وهم يطالبون بعودة الرئيس الدستوري نيكولاس مادورو ونائبة الجمعية الوطنية سيليا فلوريس. شعب فنزويلا مع حكومته، والحكومة مع شعبها.
التقدمية العالمية: تهدف الحرب الهجينة إلى خلق الارتباك، والإحباط، والتفكك. ما هي الممارسات التي طورتها الكومونات للحفاظ على المعنويات الجماعية والوضوح السياسي؟ وماذا يمكن لبقية العالم أن تتعلمه من هذه الممارسات؟
سيرا باسكوال ماركينا: في عام 2006، أعلن تشافيز أن هدف الثورة البوليفارية هو الاشتراكية. بالنسبة لنا، الكومونات هي الطريق نحو هذا الهدف — وهي بحد ذاتها تجربة حية وملموسة في البناء الاشتراكي. خلال أسوأ سنوات الحصار، اضطرت الحكومة إلى التركيز على قضايا وتحديات ملحّة، مثل إعادة فتح قنوات بيع النفط بعد أن تسببت الإجراءات القسرية الأحادية الأميركية بانهيار الإيرادات. ومع ذلك، لم تتوقف الكومونات أبداً عن كونها الأفق الاستراتيجي للثورة البوليفارية. بل على العكس، ففي أصعب الأوقات، بين أعوام 2017 و2018 و2019، بدأت بعض الكومونات بالازدهار بقوة. ومن أبرز التطورات خلال السنوات الأربع الماضية أنه بعد استعادة قدر من الاستقرار الاقتصادي، عادت الحكومة لتتجه بحزم نحو الكومونات، التي أصبحت الآن في قلب الحياة السياسية الفنزويلية.
كومونات فنزويلا ليست حكومات ذاتية استقلالية كما يُتصوَّر أحياناً. نعم، هي أقاليم ديمقراطية مباشرة قائمة على الجمعيات العمومية، حيث يجتمع الناس للتداول واتخاذ قرارات جماعية حول كيفية تلبية احتياجاتهم. لكنها أيضاً الخلايا الأساسية للاشتراكية — والاشتراكية بالنسبة لنا مشروع وطني. الهدف ليس فقط أن يجتمع الناس في جمعيات عمومية لمناقشة مشكلاتهم والعمل يداً بيد مع الحكومة لحلها، بل أيضاً أن تسيطر الكومونات على وسائل الإنتاج. وبهذا، تبدأ علاقات الإنتاج الاجتماعية بالتغير: الفائض الناتج عن الملكية الجماعية يُنظَّم بوعي وبشكل ديمقراطي من قبل المجتمع. وهكذا يُوجَّه الإنتاج نحو الحاجة الاجتماعية بدلاً من التراكم، ما يفتح مساراً حقيقياً للقطيعة مع البنية الاستبدادية والاستغلالية للرأسمال.
في كومونَتي، «إل بانال»، الواقعة في حيّ عمالي في كراكاس، لدينا مصنع لتجهيز اللحوم، وورشة خياطة، ومصنع صابون، إلى جانب مشاريع أصغر أخرى. الفائض الناتج عن كل ذلك يعود إلى الكومونة، والكومونة تقرر جماعياً، في جمعية عمومية، ماذا تفعل به: يذهب جزء منه إلى «الجامعة التعددية» (بلوريفيرسيداد)، وهي المبادرة التعليمية للكومونة، وقد يذهب جزء آخر لدفع أجور ممرضة الكومونة أو لصيانة سيارة الإسعاف، إلخ… هذه ديمقراطية جوهرية على نطاق صغير. ومن هنا، يجب أن يتوسع هذا «الأيض الكوموني» إلى المستوى الوطني، فيما نسميه «الكونفدرالية الكومونية» ويسميه آخرون «الدولة الكومونية».
هذا التوجّه من قبل الحكومة الثورية نحو الكومونات بالغ الأهمية لفهم الدعم الشعبي الهائل الذي تتلقاه الحكومة الثورية. الشعب ليس غريباً عن المشروع المطروح «من الأعلى»؛ بل هو في قلبه. الناس لا يشعرون بأنهم مجرد متفرجين. نحن ذوات فاعلة في التغيير. لا نشعر بأننا ضحايا؛ نحن الفاعلون، بل حتى الأبطال، في عملية ثورية ذات أفق اشتراكي، والحكومة تتحدث وتتصرف بما ينسجم مع الدعوة الجماعية للشعب.
ولإعطاء مثال ملموس على هذا التزامن بين الحكومة والشعب: خلال العامين الماضيين، شجعت الحكومة مشاورات شعبية على مستوى البلاد — وهي شكل ديمقراطي جذري لإدارة الموارد، حيث تقرر الكومونات نفسها كيفية تخصيص الأموال العامة، ثم تنفذ المشاريع من خلال الإدارة المباشرة للأموال والعمل الجماعي. لقد أطلقت هذه العملية ما لا يمكننا إلا أن نسميه موجة جديدة من التكوّن الكوموني.
اليوم، يوجد نحو 4500 كومونة في فنزويلا. صحيح أن بعضها أصبح تجارب اشتراكية استثنائية، ومنارات مضيئة فعلاً، لكن من الصحيح أيضاً أن كثيراً منها كان خاملاً أو في بداياته قبل المشاورات. غير أن المشاورات الوطنية — التي أطلقها الرئيس نيكولاس مادورو ومن المقرر أن تستمر تحت قيادة ديلسي رودريغيز — أيقظت الكومونات النائمة، وحولتها إلى أدوات حية للسلطة الجماعية.
لماذا يقف الناس إلى جانب الحكومة رغم اليقين باستمرار العدوان الأميركي؟ لأن هذا ليس مشروعاً مفروضاً: إنه عملية جماعية وديمقراطية. الناس يقاتلون من أجل ما يخصهم.
الرأسمالية المعاصرة تُفتّت الحياة الاجتماعية. ومن أعظم إنجازات الثورة البوليفارية أنها بدأت بإعادة نسج ما تم تفتيته: الناس في الكومونات لم يعودوا يرون أنفسهم كأفراد معزولين، بل كذوات فاعلة في مشروع وطني للتحرر الجماعي. ولمزيد من القراءة، أنصح بما كتبه كريس غيلبرت في مجلة «مونثلي ريفيو» عن الكومونات الفنزويلية كجزء من مشروع تحرر وطني مناهض للإمبريالية.
في الكومونة، مجرد إمكانية المشاركة — وجود جمعيات عمومية يجتمع فيها مئات الأشخاص ليقرروا ماذا يفعلون — يعيد بناء ما مزقته الرأسمالية والإمبريالية. يمكن بالفعل رؤية الخطوات الأولى لإعادة تنظيم المجتمع، سياسياً واقتصادياً، في بعض الكومونات. وهذا ما يجعل العملية البوليفارية أكثر صلابة في مواجهة الابتزاز الذي تحاول الإمبريالية الأميركية فرضه.
التقدمية العالمية: رغم أن ذلك ليس غير مسبوق، فإن طبيعة هذا الهجوم الأخير كانت ربما فريدة من حيث سرعة تنفيذه. كيف يمكن خوض حرب شعبية ضد عدو يريد تجنب المواجهة المباشرة، مكتفياً بعمليات سرية مدروسة بعناية أو بوكلاء مجرمين؟
سيرا باسكوال ماركينا: أولاً، يجب أن نكون واضحين بشأن ما حدث في الساعات الأولى من الثالث من يناير الماضي: الهجوم الأميركي واختطاف رئيسنا كانا نصراً تكتيكياً للإمبريالية، والذي يبدو، دون مفاجأة، أنه جرى تنسيقه مع الموساد.
إن تفوقهم التكنولوجي لتنفيذ عملية كهذه لا يمكن إنكاره. لكن هناك جزءاً من القصة غالباً ما لا يُروى: الشعب قاوم. قُتل أكثر من 100 شخص في الهجوم — كان معظمهم من أفراد قواتنا المسلحة الذين ثبتوا في مواقعهم دفاعاً عن الرئيس إلى جانب أمميين كوبيين. كما قُتل مدنيون فنزويليون. إن دماءهم تشهد على حقيقة لا يمكن محوها: لم تكن هذه عملية «جراحية»، بل عملاً حربياً إمبريالياً ضد شعب ذي سيادة.
غير أن النصر التكتيكي للإمبريالية لن يتحول إلى نصر استراتيجي. فشعب فنزويلا يحافظ على حكومته التشافيزية، ومشروعنا طويل الأمد المتمثل في الكومونات ما يزال حياً وبقوة.
لقد كان شعب فنزويلا ينظّم نفسه لحرب شعبية منذ وقت طويل. عسكرياً، نحن الآن في مرحلة المقاومة: فالثورة البوليفارية تتعرض للهجوم منذ 26 عاماً، وخلال العقد الأخير تحملت البلاد حرباً اقتصادية شاملة. لقد شل نظام العقوبات هذا الاقتصاد، وقلّص عائدات النفط بشكل حاد، وقطع واردات أساسية من الغذاء والدواء والمدخلات الزراعية وقطع غيار الآلات، مساهماً بذلك في عشرات الآلاف من الوفيات التي كان يمكن تفاديها، عبر الحد من الوصول إلى الضروريات الأساسية والعلاجات المنقذة للحياة.
خلال أصعب السنوات، وفي مواجهة حملة عقاب غير عادية واستثنائية شنتها الولايات المتحدة ضد شعب فنزويلا، ورغم تراجع الوصول إلى الأدوية والغذاء، واصل الشعب — ولا سيما في الكومونات — الوقوف إلى جانب حكومته. باختصار، هذا الهجوم الأخير ليس بداية الحرب الشعبية؛ إنه مجرد تصعيد لها. لقد كانت المقاومة، والتنظيم، والتضامن — إلى جانب إعداد شعب مسلح (في الحالة الفنزويلية، الميليشيا التي يبلغ عددها ثمانية ملايين) — دائماً في صميم الحرب الشعبية هنا، كما كان الحال في فيتنام أو الجزائر. الهجوم الأخير لم يؤدِّ إلا إلى تعزيز العزم على القتال، وتعميق الإرادة الجماعية للدفاع عن الثورة، والتي تتجلى بأوضح صورها في الكومونات.
الكومونات بطبيعتها تشكيلات مناهضة للرأسمالية. فهي لا تستوعب البرجوازية، بل هي فضاءات موجهة نحو تجاوز العلاقات الاجتماعية الرأسمالية. وبهذا، تصوغ وحدة طبقية حول أفق وطني جماعي. إن هذا التركيز المزدوج — على التحرر الوطني والتحول الطبقي — هو بالضبط ما يجعل الكومونات أدوات شديدة الصلابة والقوة في الثورة البوليفارية.
التقدمية العالمية: في أعقاب الهجوم مباشرة، ارتفعت التقييمات السوقية لأسهم كبار منتجي النفط الأميركيين بشكل حاد. ماذا تريد واشنطن من حربها الهجينة ضد فنزويلا؟ هل الأمر مجرد نفط — أم العملية البوليفارية الأوسع؟ ما التهديد الذي يشكله نجاح الثورة البوليفارية على الولايات المتحدة؟
سيرا باسكوال ماركينا: لنقل أولاً ما يعرفه الجميع لكنه يحتاج أن يُقال على أي حال: سوق الأسهم هو سوق للنسور. ومن الواضح أنها تزدهر في زمن الحرب.
أما بالعودة إلى فنزويلا والحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد شعبها، فأعتقد أنه لا يمكن فصل اهتمام الولايات المتحدة بنفط البلاد عن نيتها الإمبريالية الصريحة في تدمير مشروعنا الثوري. هناك من يقول إن الأمر «مجرد نفط». وآخرون يرون أن واشنطن أطلقت حملة عقاب جماعي لردع دول أخرى عن السير في اتجاه فنزويلا، ولتحطيم القوة الأخلاقية للثورة البوليفارية. هذه الأهداف تندمج تحت مظلة واحدة هي محاولة الاعتداء على سيادة فنزويلا. فنزويلا دولة ذات سيادة تمتلك موارد طبيعية هائلة، وتسعى الإمبريالية إلى إخضاعها لأهدافها الجيوسياسية والاقتصادية.
الثورة البوليفارية تتعرض للهجوم لأن شعب فنزويلا حدّد مشروعاً سيادياً بأفق اشتراكي، ولأن الدولة الفنزويلية تسيطر على احتياطيات النفط في البلاد. لا يمكن فصل الأمرين.
ثورة اشتراكية للتحرر الوطني، ونفط تحت أرضها؟ هذه مشكلة حقيقية بالنسبة للولايات المتحدة!
لو لم تكن فنزويلا تمتلك موارد نفطية، لكانت ستظل هدفاً للإمبريالية الأميركية، ولكن ليس بهذه الشدة. في وقت هجوم الثالث من يناير، كانت القوات الأميركية تمتلك عشرات السفن الحربية مع عشرات الآلاف من الجنود قرب المياه الفنزويلية. وشاركت في الغارة نفسها أكثر من 150 طائرة أميركية، وكان الهجوم منسقاً بين 20 قاعدة أميركية مختلفة في نصف الكرة الغربي. لقد استغرق التخطيط للعملية أشهراً، وشمل حتى بناء نموذج بالحجم الكامل لمجمع إقامة الرئيس للتدرب على الهجوم.
الهدف؟ أمة مصممة على أن تكون ذات سيادة واشتراكية، وتقع فوق أكبر احتياطيات نفطية في العالم. في هذه الحالة، السيادة والنفط وجهان لعملة واحدة.
التقدمية العالمية: كيف تنظرين إلى الرد الدولي على الهجوم؟ لقد أدانت دول كثيرة أفعال الولايات المتحدة، لكنها أغفلت أيضاً الدعوة إلى إطلاق سراح الرئيس مادورو أو تأييد حكومته. في سياق هذا العدوان الصريح، ماذا يكشف هذا «التضامن الجزئي» — الذي يرفض الوسيلة الأميركية دون أن يرفض بالضرورة هدفها — عن استعداد الدول للتعامل مع نظام عالمي ما زال خاضعاً لهيمنة الإمبريالية الأميركية؟
سيرا باسكوال ماركينا: بينما أصدرت بعض الحكومات إدانات خجولة أو «خفيفة» للهجوم، فإن الواقع هو أن معظم سكان العالم يعيشون في بلدان أدانت، بشكل أو بآخر، هذا الانتهاك الصارخ للقانون الدولي. لقد ذهب الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إلى حد الاتصال بديلسي رودريغيز مباشرة ودعوتها إلى بوغوتا — وهو تصرف يعادل الاعتراف بها كرئيسة مؤقتة. وقد حذا العديد من رؤساء الدول الآخرون حذوه بطرق مختلفة. هذا أمر مهم وإيجابي.
ما يثير القلق الشديد، مع ذلك، هو الصمت الفعلي للأمم المتحدة. لم يصدر أي قرار، ولن يصدر. في هذه اللحظة، تبدو الأمم المتحدة بشكل أقل كضامن للقانون الدولي، وأكثر كمؤسسة جرى شلّها عملياً.
أما على جانبنا — جانب الطبقة العاملة في العالم — فهناك بالفعل حركة عالمية بدأت أولاً بالتعبئة ضد الإبادة الجماعية الصهيونية المدعومة غربياً في غزة. كانت فلسطين جرس إنذار لملايين الناس، وأجبرت كثيرين في الشمال العالمي على مواجهة حقائق العنف الاستعماري والإمبريالي. والآن، بات الهجوم على فنزويلا بمثابة جرس إنذار ثانٍ، يوسّع أفق أولئك الذين عارضوا الإبادة لكنهم رأوها كجريمة معزولة أو شذوذ.
إن الهياكل والشبكات نفسها التي دفعت الناس إلى الشوارع ضد الإبادة، تتحرك الآن من أجل فنزويلا وضد الإمبريالية الأميركية عالمياً. ما حدث في فنزويلا يعرّي ما تبدو عليه الإمبريالية حقاً في مرحلتها الراهنة من الانحدار: استخدام العنف الصريح لتحقيق أهدافها عندما ترفض الحكومات والشعوب الخضوع لإملاءاتها.
علينا أن نفهم هذه اللحظة كجزء من حركة عالمية آخذة في التشكل للطبقة العاملة ضد الإمبريالية. وفي الوقت نفسه، تعيد الولايات المتحدة إلى داخلها — إلى قلبها الإمبريالي — أشكال العنف ذاتها التي فرضتها طويلاً على الجنوب العالمي، مع تحول نظامها السياسي الداخلي إلى طابع فاشي علني.
لذلك نرى مؤشرات متعددة على أن الطبقة العاملة في العديد من البلدان، بما فيها بلدان الشمال العالمي، بدأت تدرك أن الإمبريالية هي العدو المشترك، وأنها تفهم الآن ضرورة النضال المشترك ضد هذا العدو. فالناس في الولايات المتحدة الذين يقاومون وكالة الهجرة والجمارك (ICE)، التي هي في الواقع غيستابو اليوم، بدأوا يواجهون العنف في الداخل — ذلك العنف الذي عانينا منه نحن في الجنوب العالمي لعقود طويلة.
ومع فهمنا الجماعي لماهية الإمبريالية حقاً — عبر فلسطين، وعبر عودة أساليبها القديمة إلى الداخل، والآن عبر الهجوم على فنزويلا — بدأت شروط تجاوزها تتشكل. هنا في فنزويلا، يمنحنا هذا الأمل.
التقدمية العالمية: طوال تاريخها، انتهكت الولايات المتحدة سيادة دول أخرى وتجاهلتها مراراً وتكراراً دون عواقب تُذكر. في ضوء ذلك، أليست الأزمة الجوهرية ليست فقط أزمة قانون دولي، بل أزمة تطبيق غير متكافئ له، حيث يُحكم النظام الدولي في النهاية بعلاقات قوة عارية؟
سيرا باسكوال ماركينا: بالفعل. قبل وقت غير بعيد، عانت ليبيا — كمثال واحد فقط — تجاهلاً صارخاً للقانون الدولي على يد ما يسمى بالمجتمع الدولي الذي يدير حالياً الأمم المتحدة، إن لم يكن أسوأ.
لا يوجد أي لغز هنا: لقد أظهرت الإمبريالية الأميركية قدرتها على التخريب لأكثر من قرن، أما الفضاءات المتعددة الأطراف الجديدة التي علّق بعضنا عليها آمالاً قبل بضع سنوات فقط — وتحديداً «بريكس» — فقد فشلت حتى الآن في إصدار رد في مواجهة هذا الهجوم.
لكنني أعرف هذا: شعب فنزويلا ليس وحيداً كما كان شعب ليبيا قبل خمسة عشر عاماً. بدأت قطع كثيرة بالاصطفاف بما قد يجمع العمال في الجنوب العالمي والشمال العالمي معاً، لأن نوايا العدو لم تعد خفية — لقد كُشفت بالكامل منذ بدء الإبادة ضد الشعب الفلسطيني. وعندما تتوحد الطبقات العاملة في الأطراف وفي المركز الإمبريالي في نضال مشترك، عندها فقط يمكننا القول إن الشمس بدأت تشرق فوق الأفق.
التقدمية العالمية: ما الذي يمكن للحركات والنقابات والأحزاب السياسية حول العالم أن تفعله الآن للوقوف إلى جانب الشعب الفنزويلي والثورة البوليفارية في مواجهة هذا التصعيد؟
سيرا باسكوال ماركينا: أعتقد أنه من المهم في هذه الأيام أن ينزل الناس إلى الشوارع، ولكن من المهم أيضاً أن يحاولوا فعلاً فهم ما يجري هنا، وأن يواجهوا الإعلام السائد الذي يسيء تمثيل الواقع تماماً. إنهم يقولون إن الناس يحتفلون بالهجوم، وبينما قد يكون بضع مئات قد تجمعوا للاحتفال في ميامي، فإن مئات الآلاف يخرجون يومياً إلى شوارع كراكاس لرفض الاختطاف ودعم الحكومة الثورية.
يقولون إننا نعيش في حالة فوضى مطلقة، بينما نحن في الواقع نعيش في بلد يسوده السلام.
علينا أن نواجه سردية الإعلام الشركاتي corporate media، الذي يخدم مصالح قلة ضئيلة ويعيد إنتاج الأكاذيب بشكل واضح من أجل تصنيع القبول بالحرب والتغطية على العنف الإمبريالي. هذه الأكاذيب هي جزء من حرب متعددة الأشكال تُشنّ ضد شعب فنزويلا وضد مشروعنا السيادي. وربما تكون هذه هي المهمة الأهم على الإطلاق: كسر هيمنة الرواية السائدة. هذا ليس بالأمر السهل — ولن ننجح في القيام به بمفردنا — ولهذا السبب بالذات هو أمر بالغ الأهمية.
للحصول على معلومات موثوقة، هناك مسار بسيط نسبياً كان زميلي كريس غيلبرت وأنا نؤكد عليه باستمرار: الاستماع إلى قيادة الحكومة الثورية — إلى ديلسي رودريغيز، وديوسدادو كابيّو، وفلاديمير بادرينو لوبيس. هؤلاء يحظون بالدعم الكامل من الشعب، والرسالة التي ينقلونها واضحة.
وأخيراً، أود أن أحثّ كل من يرغب في الدفاع عن العملية البوليفارية على التعرّف بعمق إلى الأفق الاستراتيجي للثورة، إلى مشروع مناهض للإمبريالية، اشتراكي، وكوموني بعمق. إن الدفاع عن سيادة فنزويلا ضروري بلا شك في هذه اللحظة. لكن سيادة فنزويلا متشابكة عضوياً مع المشروع الكوموني القائم على ديمقراطية جوهرية وملموسة. في عالم تزداد ظلمته بالحروب والتضليل الإعلامي، لا يشكّل البناء الكوموني مجرد مشروع سياسي فحسب، بل هو مصدر حيّ للأمل.
لذلك، هذا ما أقوله للناس:
اخرجوا إلى الشوارع للاحتجاج على الهجوم الإمبريالي على فنزويلا، ابحثوا عن الحقيقة عبر الاستماع إلى قيادة الثورة البوليفارية، تحدّوا الرواية السائدة، وتعلّموا من — واستلهموا — القوة الحيّة للحركة الكومونية.

إن “مجلس السلام” ربما يتحول إلى أداة إضافية في يد الكيان الصهيوني، كون المجلس قد تم تشكيله بقرار الإدارة الأميركية التي تتشارك مع الكيان في حرب الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة.

تضامن الشعوب ضد الإمبريالية وعدوانيتها وحروبها في العالم هو ضرورة لكل شعب وبلد، لمنع تحويل المجتمع البشري إلى شريعة الغاب

تتواتر المعلومات عن وجود توجّه لإعادة إحياء ما كان يُسمى في تسعينات القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة بـ “مشروع تطوير حقول الشمال” وأحياناً “مشروع الكويت”،

بينما أسهم النضال ضد الإبادة الجماعية في فلسطين في بلورة جيل جديد من المناضلين المناهضين للإمبريالية والصهيونية، يسعى أنصار الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض تجريم معاداة



