يتشكل مشهد فلسطيني معقّد في ضوء التطورات الأخيرة، حيث يتداخل فيه الميداني بالسياسي، ويطغى عليه تصور إسرائيلي معلن أو مضمر بأن ميزان القوة يميل لصالحه، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة. هذا التصور ينعكس في السياسات الحكومية، وفي إدارة الصراع على الأرض، وفي الخطاب الموجّه للداخل الإسرائيلي وللمجتمع الدولي.
إعادة تعريف “النصر” وتجميد المرحلة الثانية في غزة
تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى إعادة صياغة أهدافها بعد جولات القتال والهدن المؤقتة. والتي لا ينفصل سياقها عن المرحلة الثانية من خطة ترامب وقرار مجلس الأمن الدولي (2803) والتي تنص على الانسحاب الإسرائيلي شبه الكامل من قطاع غزة ورفع الحصار وفتح المعابر وإدخال المساعدات دون قيود أو شروط. لكن وفقاً للرؤية الأميركية – الإسرائيلية فإن المرحلة الثانية تهدف إلى تنفيذ مخطط التهجير وتصفية القضية الفلسطينية ارتباطاً بأربعة عناوين الأول: فتح معبر رفح، والثاني: اللجنة التنفيذية لإدارة قطاع غزة – لجنة التكنوقراط-، والثالث: خطة كوشنير لإعمار غزة، والرابع: “مجلس السلام” وإعادة تشكيل النظام الدولي. هذه العناوين الأربعة تتقاطع عملياً مع ما يريده نتنياهو من المرحلة الثانية وهو ذاته الذي أراده في المرحلة الأولى بالإضافة إلى إصراره على نزع سلاح المقاومة والمماطلة في الانسحاب من المنطقة الصفراء إلى الخط الأحمر. ومن خلال تصريحات نتنياهو خاصة بعد الموافقة على فتح معبر رفح في (2/2/2026)، نستنتج أنه كان يريد من هذا الإجراء ضمان السيطرة الأمنية على غزة من الجهة الجنوبية، والتحكم بحركة المسافرين ومنح الأولوية للمغادرين وتقليص أعداد العائدين بهدف تهجير الفلسطينيين من القطاع. أما العنوان الثاني فهو يضعنا أمام تساؤلات عديدة تتمحور حول وظيفة لجنة التكنوقراط والمندوب السامي ملادينوف وعلى أية قوانين ستباشر أعمالها هل على القانون الفلسطيني أم على قوانين مختلفة، ومن هي مرجعيتها هل السلطة الفلسطينية أم فصائل المقاومة في غزة، وكيف ستتعامل مع غزة هل كجزء من الكيانية الفلسطينية الموحدة أم ستكون منفصلة عن الضفة الفلسطينية، وهل مسألة الأمن الداخلي في غزة ستكون مسؤولية هذه اللجنة أم من مهام القوة متعددة الجنسيات؟
وبخصوص العنوان الثالث خطة كوشنير لإعمار غزة والتي من أجلها تم تأسيس “مجلس السلام” المزعوم فهي تستهدف نقل سكان القطاع إلى دول مجاورة تحت ذريعة تحويل قطاع غزة إلى وجهة سياحية عالمية باسم “ريفييرا الشرق الأوسط”، وتالياً إعادة هندسة القطاع ضمن سياق استيطاني إحلالي، وهي خطة اقتصادية وعمرانية من حيث الشكل لكنها سياسية أمنية من حيث العمق و يشترط البدء بتنفيذها نزع سلاح المقاومة.
وفيما يتعلق بالعنوان الرابع “مجلس السلام” وإعادة تشكيل النظام الدولي من بوابة مستقبل ومصير المؤسسات الدولية فهو يشكل تطوراً بالغ الخطورة على القضية الفلسطينية لأنها تنقلها من كونها قضية تحرر وحق تقرير مصير محكومة بقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة إلى ملف نفوذ يدار ضمن تفاهمات القوى الكبرى، وإعادة صياغتها كمسألة إنسانية – اقتصادية (مساعدات ومعونات، برامج ومشاريع، خطط تهدئة) لا كقضية سياسية. وفي هذا الإطار تفرّغ المرجعيات القانونية الدولية ( القرار 194 ، 242، 338، حق العودة، عدم شرعية الاستيطان) من مضمونها التنفيذي وتتحول إلى أرشيف سياسي بلا قوة إلزام، فالمجلس المزعوم بوصفه هيكلاً فوق أممي يسمح بإعادة تعريف “السلام” لا باعتباره إنهاء للاحتلال بل باعتباره إدارة دائمة للصراع بما يضمن أمن “إسرائيل” واندماجها الإقليمي مقابل ضبط الفلسطينيين اقتصادياً وأمنياً.
والحديث عن تنصل أو تأجيل للمرحلة الثانية من ترتيبات ما بعد الحرب يعكس صراعاً داخلياً بين تيارين أحدهما يدفع نحو استكمال الأهداف العسكرية إلى أقصى مدى. والآخر يفضّل إدارة الصراع ضمن ترتيبات أمنية طويلة الأمد دون الانخراط في استحقاقات سياسية كبرى.
ضمن تصور “المنتصر”، ترى حكومة العدو أن أي انتقال إلى مرحلة سياسية يجب أن يمر عبر شروط أمنية صارمة، تشمل إعادة تشكيل الواقع الأمني في غزة وضمان تفكيك القدرات العسكرية للفصائل. لكن هذا التصور يصطدم بواقع إنساني كارثي وضغوط دولية متزايدة، وبسؤال جوهري حول الجهة التي ستتولى إدارة القطاع فعلياً.
الضفة الغربية – تثبيت الوقائع بالقوة
تشهد الضفة تصعيداً مركباً يتجلى في ثلاثة مسارات متوازية، الأول يتمحور حول قرارات مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان وإعادة الهيكلة الإدارية، حيث تمضي حكومة الإحتلال في خطوات إدارية وقانونية تهدف إلى توسيع السيطرة على الأراضي، سواء عبر إعلانها “أراضي دولة”، أو المصادقة على مخططات استيطانية جديدة، أو شرعنة بؤر استيطانية قائمة. وذلك بإعادة تفعيل آليات الاستملاك الحكومية، وفرض تطبيق القانون الإسرائيلي، ونقل صلاحيات إدارية في الخليل وبيت لحم إلى دوائر مدنية إسرائيلية. وذلك بنشر سجلات الأراضي في الضفة ورفع القيود عن بيع الأراضي لغير الفلسطينيين، وإلغاء قيود تعود إلى فترة الإدارة الأردنية كانت تحظر نقل الأراضي إلى غير الفلسطينيين.
حزمة الإجراءات التي أقرها المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي يوم (13/2/2026)، ليست إعلاناً رسمياً لعملية الضم لكنها بمثابة توسيع نطاق سلطة “إسرائيل” في الضفة الغربية بشكل ممنهج بما يعيد تعريف العناوين الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والقانونية التي كانت من المفترض أن يقوم عليها مفهوم الدولة الفلسطينية المستقبلية. والإبقاء على خاصية أن الضفة الفلسطينية ليست مضمومة رسمياً بل يتم التعامل معها بمنطق عسكري ما يعني أن القرارات لا تحتاج إلى تصويت في الكنيست، ويترك تنفيذها بأوامر عسكرية ميدانية وفقاً للكفاءة وبعيداً عن الاصطدام مع التشريعات والقوانين.
هذه الإجراءات لا تُقدَّم إسرائيلياً كخطوات توسعية فحسب، بل كجزء من “ترتيب أمني دائم” يهدف إلى التمهيد للسيادة الكاملة- بحسب الرواية الرسمية – وذلك بحجة منع تكرار سيناريوهات أمنية مشابهة لغزة في عمق الضفة.
في هذا السياق، تتعزز قناعة لدى أطراف في الحكومة بأن اللحظة الإقليمية والدولية تتيح فرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً، مستندة إلى انشغال العالم بأزمات كبرى أخرى، وإلى محدودية ردود الفعل العربية الرسمية. حيث وصف وزير المالية الصهيوني سموتريتش اللحظة بأنها “دفن لفكرة الدولة الفلسطينية”، معتبراً إياها يوماً تاريخياً لمستوطنات “يهودا والسامرة”. أما المسار الثاني يتعلق بتصاعد هجمات المستوطنين ضد القرى الفلسطينية، بما يشمل الاعتداء على الممتلكات والأراضي الزراعية والطرق. وغالباً ما تُقرأ هذه الهجمات فلسطينياً ودولياً باعتبارها جزءاً من سياسة “ضغط مجتمعي” تهدف إلى دفع السكان نحو النزوح التدريجي من مناطق مصنفة (ج)، أو إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين.
ويجري التعامل مع هذه الأحداث بخطابين متوازيين في داخل الكيان: خطاب رسمي يدين “أعمال العنف الفردية”، وخطاب سياسي داخلي يرى في المستوطنين “خط دفاع أول” عن المشروع الاستيطاني، ما يحدّ من أي مساءلة حقيقية أو ردع فعلي. ويؤكد المسار الثالث على تواصل حملات الاعتقال في مدن ومخيمات الضفة، تحت عنوان “إحباط البنية التحتية للإرهاب”. لكن من زاوية فلسطينية، تُعد هذه الحملات جزءًا من إدارة أمنية يومية تهدف إلى تفكيك أي قدرة تنظيمية أو شعبية على المواجهة. كما أن ارتفاع أعداد المعتقلين يعمّق الاحتقان الشعبي، ويزيد الضغط على السلطة الفلسطينية التي تجد نفسها بين التزاماتها الأمنية والتآكل المتزايد في شرعيتها الداخلية.
نستنتج من حيثيات المشهد الفلسطيني أن الساحات ليست منفصلة عن بعض من حيث إيقاع الأحداث، فالضفة متشابكة مع فضاء غزة، والمؤشرات الاستراتيجية في ساحة يسمع صداها في الساحة الأخرى. لغة القتل والتدمير والتهجير واحدة في كلتا الساحتين فلم تتوقف حرب الإبادة الإجرامية منذ سنتين في غزة والتي أسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني مدني وسط دمار واسع ومعاناة مأساوية بالنزوح والتشرد، وبموازاة ذلك قتلت “إسرائيل” أكثر من ألف فلسطيني في الضفة وأصابت أكثر من عشرة آلاف بجروح مختلفة واعتقلت نحو عشرين ألفاً وهجرت 33 تجمعاً سكنياً وأبعدت عشرات الآلاف من 3 مخيمات للاجئين نور شمس وجنين وطولكرم. وسط تزايد أعداد المستوطنين ليبلغ نحو 730 ألف مستوطن.
وتقول خلاصة المشهد بأن ثمة واقعا مزدوجا يتشكل في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث هنالك مسار تثبيت وقائع ميدانية في الضفة عبر الاستيطان والمصادرات والاعتقالات، ضمن تصور أمني- سياسي يعتبر أن ميزان القوى يسمح بفرض معادلة جديدة. ومحاولة ما بعد الحرب في إدارة قطاع غزة وفق شروط المنتصر، مع تجنب التزامات سياسية قد تعيد طرح مسار تفاوضي شامل. لكن هذا التصور الإسرائيلي بـ”الانتصار” يظل هشاً أمام حقائق ديموغرافية وسياسية وإنسانية عميقة. فاستمرار غياب أفق سياسي، وتآكل شرعية الأطراف المحلية، وتصاعد الغضب الشعبي، كلها عوامل قد تعيد إنتاج دورة جديدة من التوتر، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة تتراوح بين تثبيت الأمر الواقع لفترة طويلة أو انفجار جديد يعيد خلط الأوراق.