
إنجلز وعكسه للقضية الهيغيلية:” كل ما هو عقلي متحقق بالفعل، وما هو متحقق بالفعل عقلي “
قراءة إنجلز للقضية الهيغيلية، القائمة على نقده لديالكتيك هيغل، توضح كيف يتم تغييب الواقع وتطوره وجعله يقف على رأسه ليلائم الفكرة
صدر عن منشورات «تكوين» رواية ” السندباد الأعمى أطلس البحر والحرب ” للروائية بثينة العيسى.
فانظر بعقلك إنَّ العين كاذبةٌ
واسمع بقلبكَ إنَّ السَّمعَ خوّانُ
التطَّيلي الأعمى
الفصل صِفر
المارِد خارج القُمقم
في ذلك اليوم، عندما كان جيش الاحتلال يتوغَّل في ضواحي البلاد، معلنًا امتلاكه للبحرِ والأرضِ والسَّماء، للأطالِس والمعاجمِ والتاريخ، وبينما كانت البلاد بأسرها تتحوّل إلى سِجن كبير، فوجئ نزلاء السِّجن المركزيّ، وحدهم، بالحرية.
كانت حرية مباغتة، تُشبه السُّقوط في كابوس، حيثُ قُضبان الزنازين هي الشَّيء الوحيد الثابت في عالمٍ يموجُ ويتأرجح. لم يتخيّل أحدٌ منهم، للحظة، أنه سيكون حرًا في بلدٍ مُحتل، أو يحاول فهمَ ما يعنيه ذلك.
كانت عقول السُّجناء في المجملِ عاجزة عن فهم المفارقات، وتأمّل حكمتها الإلهية، والإعجاب بحسِّ السُّخرية القدريِّ الذي تنزّل عليهم من علٍ. كان أكثرهم محكومًا لأسبابٍ لا علاقة لها بالجرائم السِّياسية، ولم يمتلك أكثرهم ملَكة ربط السَّبب بالنتيجة؛ سرقات، شيكات بلا أرصدة، جرائم شرف، هتك عرض، ومخدّرات. لا يبدو أن أيّهم قد امتلك موهبة رؤية نفسهِ من فوق، والضَّحك عليها.
كان الأمر أشبه بإهدارِ نكتة.
فُتحت بوابات زنازين الانفرادي والعنابر العمومية، وصارَ النزلاء يتدافعون كالمجذوبين والبهاليل. العقلاء منهم، وهم قِلّة، أرادوا التحقّقَ من تفريغ العنابر؛ من أنهم لم ينسوا أحدًا. بعض المرويات غير المحقَّقة تقول بأنّهم نسوا واحدًا، وُجِدَ بعد أسبوع، ميتًا من الجوع، قابضًا على القضبان بأصابع متيبّسة.
الذين حازوا خبرةً في الأعمال الإرهابية، مثل صِناعة المتفجرات واختطاف الطائرات، كانوا الأكثر نفعًا؛ إذ بدأوا من فورهم عملية البحث عن طريقة لتفجير البوابة الخارجية.
لا أحد يعرفُ ما حدث بالضبط. حتى السَّجين الذي تعنينا حكايته هنا، وليكُن اسمُه نوّاف، لا يعرفُ كيف حدث ما حدث.
يقتضي التَّسلسل المنطقي للأحداث الآتي؛ تبدأ أجهزة المذياع في ترديدِ أخبارٍ لا تُصدّق عن سُقوط البلاد تحت الاحتلال، فاحتشادُ الجيش العراقيّ على الحدود لأيام لم يكن مؤشرًا كافيًا، وهو ما يبدو أيضًا مثل نكتة مفخّخة بالمفارقات التي لن يضحك عليها أحد. لكن الاحتلال وقع فعلًا، وصارَ السُّجناء يضربون على القُضبان بالأيدي والأحذية وقدور الطبخ. دوّت في أروقةِ السِّجن صرخاتهم؛ هديرٌ يتصاعد موجةً بعد موجة. آخر من بقي من الحرس، وقبل أن يغادر ويترك السجنَ لمصيرهِ، يسلِّمُ المفاتيح إلى أحد النزلاء ثم يختفي. لا أحد يريد تحمّل مسؤولية إطلاق مجرمين -غاصبين، قتلة، وتجار مخدراتٍ- إلى الشوارع..
عندما تصاعَد الضجيج، وكان في أوَّله، كان نواف يحاولُ أن ينام.
غدًا يتمُّ عامه الأوّل في السِّجن. وقد بدت لهُ الذاكرة مثل حقلِ ألغام، وكان كل ما يريدُه هو أن يوقفَ عقله عن قصفهِ بالذكريات. لقد صار يعرفُ، منذ سنةٍ على الأقل، أن للذكريات صوتَ الضُّباحِ وحدّة السّكاكين. ورأى صورًا تبرق بين تلافيف دماغه؛ لجٌّ وظلام. سمع جؤارًا ينبثق من أغواره وانتابته رغبة في الأنين. تاقَ إلى أن تلمسهُ يدٌ ما، في الجانب الأيسر من صدرهِ، حيث الهاوية. ثمَّ قرّرَ أن ينام يومًا كاملًا، وإذا استيقظ.. ستكون تلك الذكرى قد صارت وراءه مرة أخرى، بينه وبينها سنة كاملة.
لكن شيئًا من هذا لم يحدث.
كانت البطانية التي التفَّ بها مشبّعةً برائحة السَّجائر، وخمِّ العرق، والنفثالين. تأفّفَ من السُّجناء الهوج الذين لا يكفُّون عن التَّعارك. هذه على الأرجح مُشاجرة أخرى بسبب وسادة أو بطارية. لكنَّ الضَّجيج تصاعَد؛ والأصوات احتدّت وتدبّبت، ثم تقوّست في نداءاتٍ للحرس، وسمع أصواتًا تردّدُ كلمة «الكويت» ولم يفهم.. ثمّ سُمع ذلك الصوت الذي لا تخطئهُ أذن سجين؛ جلجلةُ فتح بواباتٍ العنابر، ولم يحدث مرّة واحدة، بل في مُتتالية صوتية ملأت جسده بنشوةٍ شبه جنسية، حتى وجدَ نفسه يثبُ من سريره، ليقفَ مع الحشدِ أمام البوابة، وإذا بالبوابة تفتح..
تدافع السجناءُ إلى السَّاحة الخارجية، وأحسَّ نواف بأنّه مجذوبٌ إلى ما لا يدري. جرفه دردورُ الأجسادِ التي سار بينها حافيًا، نعله المطاطية تحت إبطه، شاخصًا بعينيه، ولوهلةٍ أحسَّ بأنَّ الألم الرَّابض على صدرهِ قد اختفى.
عندما داست قدمه ترابَ الخارج، ولمسَ ببشرته هواء الفجر، ورأى السَّماء ليلكية إلا قليلًا، والقمر الأحدب آيلٌ للاختفاء، أحسَّ بلذةٍ تعتريهِ، وعرف بأنه لم يرَ عتمة ولا قمرًا لعام كامل. وكأنه قد حُكم عليهِ بأن يرى الأشياء في سُطوعها الذي لا يُحتمل. وفي حين كان السُّجناء يتراكضون مثل صراصيرٍ أفلتتْ من قنّينة حبّال، تسمَّر مكانه مثل وتدٍ، يبتسم على نحوٍ غامض، وهو يرمقُ أبراج المراقبة الخالية من الحرس، ويرى رتلًا من النزلاء يحملون أسطوانات غازٍ من مطبخ السِّجن إلى البوابة الخارجية.
ثمَّ سمع صرخات، وتردّدت في الفضاء أسماء؛ «إلياس»، «صعب»، «عاشور» و«أبو محمد!». ورأى النزلاء الواقفين عند البوابة يركضون بعيدًا، ثم انبطحوا على الأرض.
تصرّف جسده تلقائيًا، قبل حتى أن يفهم عقله ما هو وشيك الحدوث. تمدَّد على بطنهِ واضعًا كفّيه على رأسه، وسدَّ أذنيه براحتيه، ثمّ دوّى في سماواتِ العالم صوتُ انفجار.
عندما رفع رأسه، مرة ثانية، كانت البوابة قد فُتحت، وكان السُّجناء قد بدؤوا الرَّكض في الشوارع، وكان نواف يبتسم، وكأنه الوحيد الذي فهم النكتة..
الفصل الأوّل
قلبُ حورية البَحر
(١)
حتى ذلك النهار، كان كلُّ شيءٍ في مكانه؛ البَشر على اليابسة، السَّمك في البَحر أو في المقلاةِ. لم ينقلِب العالم رأسًا على عقب، ولم تبدأ مناير في الاختفاء.
كان البَحر الذي تحوّل من الأزرق إلى الزئبقي يشبه مرآة مترامية، والسَّماء مرآة، وبين المرآتين المتقابلتين، كان الوجود متاهة.. لكن لم يخطر لأيٍ منهم أنه كان تائهًا. إلا أنهم على وشكِ اكتشافِ ذلك. أما الآن، فالشَّمس تغرُب في رويّة، وقد لطّخت السَّماء بالأرجوانيّ والنُّحاسي والبصليّ، وهو ما جعل رحيلها دراميًا بالنسبة لمن هو عائد في الغد. إذ لم يخطر ببال مناير أنَّ تلك ستكون شمسًا أخرى.
كانت قدماها تغوصُان في الرّمل الدافئ، وهي عائدة إلى الشاليه، والبحر من ورائها. أمضت السَّاعات الأخيرة تبحث عن القواقع والأصداف، القنافذ السوداء وأسماك الزوري، نجمات البحر والقباقِب والحلازين. كان جلدها قد تحمَّصَ وتقشّر، وقلبها يرقصُ من جمال الدُّنيا.
بعد ثلاثين سنة من ذلك اليوم، ستكتشفُ أن تلك كانت مناير أخرى. لكنَّ الأمور لما تتفاقم بعد بالنسبة لها، وهي راضية جدًا، بالمايوه الذي ترتديهِ منذ سبع ساعاتٍ، وجردلٍ بلاستيكيّ مليء بالكائنات العجيبة. توقّفت أمام الدُّشّ الصدئ، في المكان الذي ينتهي فيه الرَّمل ويبدأ منه البلاط؛ مربعات بيضاء معشَّقة بحصى بنّية ورماديّة، تمتدُّ أمام الشاليه. كان الحوشُ يتوسّط المسافة بين كوخيْن توأمين، أحدهما لأبيها والثاني لعمّها. جُدران من الجصّ. سقفٌ من الصَّفيح. شتلات من الدفلى والريحان وأزهار الحمّيض. تعرفُ مناير بأن هناك تفاصيل أخرى تخصُّ المكان؛ الرَّمل الذي تسلّل في شقوق البلاط، رائحة الدهن الذي يبقبقُ في المقلاة، وفلول النَّمل تحمل نُتفًا من الطحالب المتيبّسة. في الليالي، كانت تسمع عواء الكلاب السائبة، والجداجد، وأحيانًا؛ الموسيقا.
غسلت قدميها على عجلٍ بالماء الذي خرجَ من الصنبورِ متقطعًا، مثل نوباتِ عطاسٍ. وهمّت بالدخول عندما سمعت زوجة عمّها، وليكن اسمها هُدى، تناديها: «على وين يا بنيّة؟» أشارت لها بالعودة إلى الدّش، فهي لم تنظف نفسها كما يجب. دعكت شعرها بالشامبو ولفّت جسدها بالمنشفة، خبطت مؤخرتها برفق وهي تدفعها داخل الشاليه. ستتذكر مناير بعد سنوات أن هدى اقترحت أن تضمّخ رأسها بالحناء غدًا قبل نزولها إلى البحر. لكنّ المرء يتحرّر من وعودهِ بعد الطوفان.
على أرضية غرفة الجلوس، صفّت مناير القواقع والأصداف، القنفذ الأسود ونجمتي البحر ويد القبقب الحمراء. كان هناك أيضًا دفتر مذكراتها المعطّر، قلم رصاص وممحاة تفوح منها رائحة العلكة. ومثل الغاصة والنواخذة والطواويش القدماء، انكبَّت تفحصُ القواقع وتدوّن في دفترها حصيلة صيدها. كانت تعرفُ أسماء القواقع كلها؛ «نابُ الفيل» أو «البطّوش»، «العُوعو»، «خلالة البحر»، و«زبوط النقعة». وتتفحص كنوزها وفق معايير صارمة. نعومة الملمس وفرادة اللون. أحيانًا تلحس سطوحها وتتلمَّظ بباقي الملح، وتشعرها هذه الحركة بأنها محترفة. لكن الشيء الذي تثمّنه أكثر من غيره هو الهديرُ العجيب الآتي من أعماق «ناب الفيل». سوف تتخيّل مناير دائمًا أنَّه سماعة هاتف، وأن البحر على الطرف الآخر، يهمسُ لها بأسراره؛ ألو مناير؟ أنا البحر وأنا لا نهائي، في بطني حيتان وغواصات وسلاحِف، وفي أعماقي تقبعُ الشُّعب المرجانية والسُّفن الغارقة والجثث، إذا نظرت إليّ سترين لونين؛ الفيروزي والنيلي. في الخطّ الفاصل بينهما تعيش حوريات البحر، والحورية هي التي تهربُ من بيتِها بسبب الحُب، وهي حسناء بلا صوت. ألو مناير، هل تسمعينني؟ هناك سمكة نافقة على الشاطئ، أعيديها إليَّ رجاء. ألو مناير، يمكنك الاحتفاظ بيدِ القبقب التي عثرتِ عليها اليوم، إنه سعيد لأنها معكِ. ألو، مناير.. السندباد البحري يمخرُ الآن عُباب المحيط الهندي ويغني «بلادكم حلوة، حلوة، بس الوطن ماله مثيل»، ألو، مناير.. ما طعم الإسمنت؟
كانت مناير ترسم عندما ظهرَ ابن عمها، وليكن اسمه فوّاز، وانتزع منها دفتر مذكراتها المعطّر، فصار هناك خطٌ أحمر يمتدُّ من منتصفِ الصَّفحة حتى آخرها. ومثل أي مشاجرةٍ نموذجية بين بُنيةٍ في السابعة وفتى في الرابعة عشرة من العمر، رفع فواز الدفتر عاليًا لتبدأ الطفلة في القفز مثل زنبرك. وانتهى بها الأمر إلى التَّصعيد المعتاد: «ترى والله أفتّن عليك!». كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي تستطيعه تقريبًا، أن تعوّل على قدرتها على خلق فضيحة، آملة أن تكون مقوِّمات الفضيحة مكتملة في أذهان الكبار؛ قُضاة العالم. إنهم يتصرّفون غالبًا وكأن مشاكلها بلا أهمية. وأحيانًا يقولون بأن الفِتنة أشدُّ من القتل. والحقيقة أن كل شيءٍ يفعلونه ينمُّ عن بساطة القتل. لكن دعونا لا نستبق الأحداث..
حتى تلك اللحظة، كان فواز يخبط الدفتر على رأسِ الصغيرة ثم يرفعه ويقول هيّا، اقفزي أعلى. تريدين دفترك؟ يرفعه ويبتسم؛ خذيه. وأحسّت مناير بأنها قليلة؛ قليلة وضئيلة، مثل «زبوط النقعة». حاولتْ أن تتسلّق جذعه، لكنه دغدغ إبطها فسقطت وارتطمَ رأسها بركبتيهِ، وقبل أن تنفجر بالبكاء ألقى بالدفتر من يدِه.
كان عمّها قد شرح لها مرَّة ما يعنيه لقبها ذاك؛ «زبوط النقعة».
قبل أيامٍ كانا عائديْن من البحر ومعهما دزينة من القواقع الصغيرة؛ بنفسجية وبصلية وبيضاء، ذات قرون وبحزوز على سطحها وفي أعماقها حيوانٌ بكلّابتين. «هذا الزبّوط». ولم تسأل إن كان الزَّبوط يشمل القوقعة، أم أنه الشيء المضحك في داخلها. قال عمُّها وهو يقبض على أحد القواقع، ثمّ ألقاهُ في نُقعة ماء: «وهذي النّقعة». وفهمت الأمر تمامًا؛ إنها الصِّفةُ التي يطلقها الكبار على الصغار ليضحكوا عليهم لأنهم صغار.
ذهبت مناير إلى المطبخ لتشكو فواز إلى أمها. قالت أشياء من قبيل؛ اصنعي لي أخًا، أو أكثر من واحد، وإذا لم تعطِني أخًا، فاشتري لي قطّة! الأمرُ الذي بدا تصعيدًا مبالغًا فيه، بعد دراسة الحيثيات. وتصرفت الأم وكأنَّ كلامًا كبيرًا لم يُقل، عن الإنجاب والإخوة والقطط. اكتفت برفع غطاء القدرِ ولحست طرف ملعقة مغموسة في صلصة الطماطم وهمهمت بأن «الدَّقوس» ماسخ ثم ذرَّت عليه رشة ملح. وأضافت، وكأنها تذكرت فجأة، أن على مناير أن تدهن جسدها بالزيت لأنها آخذة في التقشّر مثل بطاطا مسلوقة.
انسحبت مناير من المطبخ بهدوء، وخرجت تبحث عن أبيها.
(٢)
ثمّة ما لا يفهمه نوّاف.
أمرٌ كان يحدث أمامه طيلة حياتِه، لم يخطر له أنه يضمرُ في أعماقه معنى.
عندما كان عامر يدوزنُ أوتار العود، وطلال يُقلّب الجَمر في الشيشة، ظل نواف يرمقُ البحر المنحسر بعينين شاخصتين. وحين جاءت ابنته تدسُّ نفسها بينه وبين أخيه، تسأله لماذا لا يجلب لها أخًا أو يشتري لها قطة، وفي حين أغربَ كلٌ من عامر وطلال في القهقهة، لم يضحك نواف، ولا حتى ابتسم. ربما وضع يده على رأسها للحظة، وربما فعل ذلك كي يدفعها بعيدًا.
منذ تلك اللحظة، على الأرجح، صار الأب عاجزًا عن النَّظر إلى ابنته. سوف تعرفُ مناير، عندما تكبر، أنَّ الطّفل يُصبح لا مرئيًا عندما يكفُّ أبواه عن النَّظر إليه. لكن هذه أفكار سوف تساورها بعد ثلاثين سنة، أما في تلك اللَّحظة، فقد كانت شبه مرئية، ولو شاءت أن ترسم نفسها، لجعلت جسدها نصف شفاف، يمكن أن تُرى الأشياء من خلالها.
صمتت مناير، واكتفت بأن تندسَّ، بجسدها نصف المرئيِّ نصفِ الشَّفاف، بين أبيها وعمّها، لأنها تحبُّ صوت بقبقة الماء، وتحبُّ جَرْسَ العودِ وحنينه وصوت عامِر إذا غنى، والبحر إذا جزَر، وهبوط الليلِ الوئيد، ولأن لساعدِ أبيها ملمسًا طيّبًا، ولجلده رائحة تخصُّها.
ولأن العالم لم ينقلب على عقِب.
ليس بعد.
كانوا جُلوسًا في الحوش، أمامهم الرَّمل وقد تقهقرَ البحر في جوفِ الليل، لا يأتيهم إلا همسه. الظلمة بهيمة والكواكبُ تصطفُّ على نحو ينذر بكارثة. وعندَ السَّقف القرميدي للشاليه العتيق الذي ورثه الأخَوان من أبيهما، وورثه أبوهما من جدّه، وحصل عليه جده من الحكومة بموجب «حق انتفاع».. كانت العُثث ترفرف، والضَّوء الذي يرتعش في زجاجات النيون يجتذب حشرات الليل، وكان في وسع نواف أن يرى السُّوس في الخشب، والصَّدأ في الأعمدة، والصّدع بينه وبين زوجِه.
يطلُّ الشَّاليه على البحر من أمامه، وعلى الخورِ «الأعمى» من خلفه، قائمًا على لسانٍ من اليابسةِ بين بحرين، أحدهما غائر العُمق داكن الزرقة، دَرْدوره شرس وتيّاراته غير مأمونة، والثاني شاسع وأبديّ، فيروزي وفضّي، يلعبُ لعبة المدِّ والجزر.
ليس مسموحًا لمناير بأن تسبحَ في الخورِ لأن تياراته شديدة، لكنها تستطيع أن تبقى على «الإسكلة» القريبة، تلقي بنتفٍ من الخبز البائت لتجتمع حوله أسماك الزُّوري ثم تصطادها بالشبكة. كانت تحبُّ هذه اللعبة. أن تصطاد عشرات الأسماك الفضّية الصَّغيرة، تضعها في جردل، ثم تحملها إلى البحر الأمامي؛ الأكبر، معتقدة بأنها تُسدي إلى تلك الأسماك خدمة، بأخذها إلى بحرٍ أفضل.
كانوا جالسين على مساند «السَّدو»؛ وسائد مغلفة بنسيجٍ مخطّط بالأحمر والأسود والأبيض، تملؤه الفجوات بسبب تساقط جمرِ الشيشة. مناير تحرك سبّابتها على الخطِّ الأبيضِ، تنصتُ إلى عزفِ عامر، الباب يفتحُ ويخرج فواز ممسكًا بحربةٍ ومصباح يدوي، ذاهبًا للقُمبار. يناديها فواز؛ «مناير تعالي نصيد قُباقب!» لكنها تختبئُ وراء أبيها.
طلال يسأل ولده:
فواز، ليش مزعِّل بنت عمك؟
لوّح فواز بحربته غير مكترث؛ «هي اللي دلّوعة يُبه!» وهزَّ كتفيه، ثم أولى الجماعة ظهره سائرًا نحو الماء. وأمِلَت مناير أن يسألها والدها إن كان للأمر علاقة برغبتها في أخٍ أو قطة. لكن إقامة علاقة بين الأمرين، شيء لم يخطر بباله، ليس لأن الرابط بينهما غير معقول، بل لأنه كان داخل رأسه، وكان في رأسه غبشٌ كثيف.
في تلك السَّاعة، كان نواف يعيد شريط ذاكرته لظهيرة اليوم. مرَّة تلو الأخرى، مثل مُفتّش مباحث يعيد ترتيب الوقائع مفتّشًا عن أدلة. فيما انخرط كلٌ من عامر وطلال في مناقشة صنوف القضايا؛ منذ تطوّرات انسحاب الجيش الأحمر من أفغانستان، مرورًا بمآلات الانقضاض على الطلبة الصّينيين قبل شهرين في ساحة تيانانمن، وانتهاءً بالحصيلة اليومية لضحايا انتفاضة الحجارة الفلسطينية التي لم تتوقف منذ ديسمبر 1987. أطلق عامر شتائم نابية، ناسيًا وجود مناير، وقال أشياء عن أمهات القادة والسَّاسة والمجتمع الدولي: «هذي مو انتفاضة حماس، هذي انتفاضة كل الفلسطينيين، وبلاش تكسُّب، مو وقته»، وتذكَّر وهو يناقش كل قضايا الكون أنهما عاجزان عن مناقشة الشأن المحلّي بأريحية، متخيّلًا رجال المباحث المنتشرين في الدواوين وبين الطلبة ونقابات العُمّال. مراقبة الصحف، الدستور المعطّل، وأشياء من هذا القبيل.
أما بالنسبة لنواف، فقد جلس صامتًا، شاخصًا بعينيه، يفكر في زوجته، في حبها للروايات وخوفِها من البحر. كانت تجلس على الرمل تحت مظلةٍ قماشية، تقبض على كاميرا الفيديو عندما يكون مزاجها رائقًا، وتغنّي «السامريات» التي تحبُّها. نادية صوتها رخيم، عميقٌ ومشروخ ببحّةٍ محببة. والحقُّ أن كلّ ما فيها يعجبهُ، شعرها الأسود القصير، سرّتها الناتئة، غمازتيها الغائرتين وأمشاط قدميها. كان يحبُّ، على نحو الخُصوص، انتشار الشّاماتِ على ظهرها. أسفل ذراعها اليمنى توجدُ دائرة مصبوغة بالبنيّ الباهت، تمتلئ بحبات خالٍ صغيرة؛ مثل مجرّة توشك أن تولد. كان يقبّلها هناك عندما يشتهيها. كان يمكن لنادية أن تكون نجمة سينمائية، إذا اختلفت السياقات، وأحسَّ داخل عقله بأنه مخرج أفلامٍ يوجّه طاقم التَّصوير إلى شفتيها تحديدًا، حيث ذلك التقوُّس الطَّفيف الذي بالكاد يُرى، أشعرهُ على الدَّوام بأنها حزينة، وأنه لا يكفيها.
ثم اختلس نظرة إلى عامِر..
وكأنه يراهُ للمرة الأولى. أعاد تشغيل الشَّريط داخل رأسه، ورأى نادية جالسة على المنشفة أمام البحر، تصوِّتُ على مناير لتدهن جسدها بواقي الشَّمس. الطفلة توغَّلت في البحر حتى لامسَ الماء ذقنها. ولأنها تريد البرهنة على شيءٍ ما لابن عمّها، رفضت أن ترتدي العوّامة، وسبحت مثل ضفدعةٍ حمراء، حتى بلغتهُ وتعلّقت برقبته.
ومثل كلِّ مرة، كانت نادية تموتُ من الخوف، رغم أنه لا داعي للقلق، فالطفلة لن تغرق بوجوده، وطلال، وهدى، و..
عامر أيضًا قادم.
يراه في شريط ذاكرته خارجًا من الشاليه، يقترب، يقعي أمامها، يقول لها أمرًا وتقولُ له أمرًا، ثم ينهض مهرولًا جهة البحر. يريد نوّاف، دون أن يفهم لماذا، أن يعرف الأشياء التي قالاها لبعضهما.
كان ينظر إلى عينيّ زوجته، دون أن يستطيع أن يراها.
نهض عامر وزمجر «القرش قادم!»..
مناير تكعكع. تخلت عن تشبّثها بكتفيه وراحت تبلبطُ.
على مبعدةِ خطوتين، كانت هدى تنظرُ إلى نادية الوحيدة على الرَّمل. ورغم أنها معتادة على رؤيتها في ذلك المكان، ورغم أن العائلة كلها تعرفُ بأنَّ نادية هي امرأة الضِّفافِ، إلا أنها هذه المرة سألته: «شفيها نادية اليوم؟»، الأمر الذي ضاعف شكوكه.
سأل:
شفيها؟
مادري..
ولا هو يدري.
بدت نائية على نحوٍ خاص، تتسرَّب من بين أصابعهِ كخيوط الرمل. لا يستطيع أن يراها ولا حتى داخل رأسه، لا يدري ما الذي يجعلها تأرقُ، وتتهرّب من المضاجعة، وتبدو أنفاسها وكأنها تُنتزع من العالم انتزاعًا.
تعالت ضحكات مناير وهي ترى عامر يقترب، يسبح بيدٍ واحدة ويثبّت الأخرى أمام رأسه، مثل زعنفة قرش. عاد نواف ينظر إلى امرأته الوحيدة على الشاطئ. بينهما أرضٌ وبحر. يريدُ رؤية ملامحها عن قرب، لكن الشَّمس شديدة السطوع، والرّمل أبيض، وسطح البحر يبرقُ بتكسّرات الضوء، وهو لا يستطيع رؤية شيء..
دار نشر تأسست عام 2017، مقرها الكويت والعراق، متخصصة في نشر الكتب الأدبية والفكرية تأليفاً وترجمة.

قراءة إنجلز للقضية الهيغيلية، القائمة على نقده لديالكتيك هيغل، توضح كيف يتم تغييب الواقع وتطوره وجعله يقف على رأسه ليلائم الفكرة



