أميركا تدمر مدينة بابل .. أقدم مراكز الحضارة في التاريخ البشري

-+=

هدف التدمير العسكري الأميركي لمدينة بابل عام ٢٠٠٣ إلى استراتيجية محو الذاكرة الثقافية وإضعاف الھویة التاريخية للشعب العراقي.

تُعد مدینة بابل واحدة من أھم المراكز الحضارية في تاريخ البشرية؛ في رمز تشّكل الدولة، القانون، العمارة الملكیة، والفنون الدینیة والدنیویة، إضافة إلى كونھا مھداً للھویة العراقية القديمة.

 منذ غزو العراق عام ٢٠٠٣، دخلت المدینة الأثریة مرحلة الاضطراب الأكبر منذ اكتشافها، حین تحول موقعها إلى قاعدة عسكرية أميركية –  بولندية. مما أدى إلى تدمیر مادي مباشر لطبقات أثرية عمرھا آلاف السنین، لكنه ترافق أيضاً مع تأثير ثقافي– نَفسي أعمق وھو:

محو الذاكرة الجمعية للشعب العراقي وتفكيك علاقته بتراثه، بما یضعف شعوره بالانتماء وقدرته على الدفاع عن أرضه وتاريخه. یستعرض ھذا المقال الجوانب الأثریة والسیاسیة والنفسية التي حدث في بابل، ولا بد من وضعه ضمن إطار سياسات دولية معروفة في تفكيك الھویات وتدمر ركائز المجتمع عبر ضرب رموزه الحضارية.

أولاً: الخلفية التأريخية لموقع بابل:

تعود أھمیة بابل إلى:

١. دولة حمورابي (القرن 18 ق.م) – القانون البابلي، مركز الدولة.

٢- الدولة الكلدانية (القرن6 ق.م) – عصر نبوخذ نصر الثاني، أكثر مراحل بابل ازدهاراً. 

 ٣. الآثار المعمارية الكبرى – بوابة عشتار، شارع الموكب، الزقورة، الأسوار، القصور الجنوبية والشمالية. تمثل ھذه المعالم رموز الھویة العراقية، لأنها تربط العراقیین بتاریخ موثّق وعميق قبل آلاف السنین، ولأنھا الأثر الحي لواحدة من أقدم الدول المركزية في العالم..

ثانياً: بابل بعد ٢٠٠٣ … التحويل العسكري المباشر

بعد الغزو الأميركي للعراق في نيسان عام ٢٠٠٣، بدأت القوات الأميركية والبولندية بالتمركز داخل الموقع الأثري، وحولوه إلى قاعدة عسكرية تُعرف باسم: “معسكر بابل“، ھذا التحويل كان مخالفاً للاتفاقيات الدولية للتراث (اليونسكو ١٩٧٢، لاهاي ١٩٥٤). 

 القاعدة العسكرية بابل 2003

١- حجم القوات 

• أكثر من ٢٠٠٠ جندي داخل المعسكر.

• مدارج، منصات، مساحات تدريب.

٢ – أعمال عسكرية داخل الموقع

 • شق طرق إسفلتية. 

• إنشاء مدرجات مروحيات.

 • بناء سواتر ترابية باستخدام تربة أثرية. 

• إقامة أبراج مراقبة وخنادق دفاعية. 

ھذه الأنشطة مثّلت تدميراً مباشراً لطبقات أثرية لم تدرس سابقاً. (1)

ثالثاً: التدمير الفعلي للطبقات الأثرية 

١- أظهرت تقارير الآثار العراقية وتقرير اليونسكو (2005) أن مرور الدبابات والمجنزرات فوق الأرض الأثرية

 • دمر الطبقات الهشة الممتدة إلى أكثر من  ٦ آلاف سنة. 

• كسر اللبن الأصلي القرامید المزجج. 

• تسبّب باھتزازات أدت إلى تشقق الجدران المرممة.

 ٢-  استخدام تربة بابل في أكياس الرمل 

القوات العسكرية أخذت

٣٠٠٠ م٣ من هذه التربة الأثرية لاستخدامها في التحصينات.

ھذه التربة كانت تحتوي:

فخاراً بالیاً. 

• قطعاً معدنية. 

• لقى صغيرة تمثل أدلة تاريخية مھمة.

فُقِدَ كل ذلك، مما يشكل ضربة لا يمكن إصلاحها علمياً.

٣  – حفر خنادق عسكرية

بعمق يصل إلى٢-٣ أمتار. 

• قُطعت طبقات أثرية غير مدروسة. 

• خلطت الطبقات التاريخية مع مواد حديثة، مما جعلها غير قابلة للتحليل العلمي. 

الدبابات تحطم التماثيل التاريخية

رابعاً: الأضرار في المعالم الرئيسة (٢)

١- بوابة عشتار 

• تصدعات وشقوق. 

• كسور في أجزاء من القرميد المزجج.

• ضغط الأرض أدى لاھتزازات قوية.  

  شارع الموكب  

•  تكسير في الألواح الحجرية. 

• تشوهات في خطوط البلاط. 

• تساقط أجزاء بسبب المعدات الثقيلة.

٣- القصور البابلية 

•  وضع دبابات أبرامز فوق القصور الجنوبية. 

• ضرر في أساسات الجدران. 

• اهتزازات أثرت على اللبن الأصلي.

خامساً: تدمير البنية البيئية والتراث المنظور للمدینة

كانت بابل محاطة ببساتین ونخیل، تمثل جزءاً من ھویتھا البصریة والتأريخية. 

قام الجيش بما يلي:

• اقتلاع عشرات أشجار النخيل. 

• تجريف المساحات الخضراء.

 • تغییر المشهد الذي بقي ثابتاً آلاف السنین.

سادساً: منع الآثاریین العراقیین من التدخل 

منعت القاعدة العسكرية دخول

• خبراء الآثار العراقیین، 

• موظفي وزارة الثقافة، لفترات طويلة. ھذا خلق “منطقة عمياء” تُرتكب فیھا الأضرار دون رقابة.

سابعاً: تقییم علمي – ضرر غیر قابل للإصلاح 

اتفق علماء الآثار على أن:

ما حدث في بابل ليس مجرد ضرر، بل خسارة علمية لأبد الآبدين. إنه مثال عالمي على “التدمير العسكري للمواقع المقدسة” (التدمير الثقافي العسكري).(٣)

ثامناً: بابل ضمن سياق “محو الذاكرة الثقافية”

كل ھذه الأعمال والنشاطات تدخل ضمن إطار استراتيجية محو الذاكرة للشعب العراقي وفقدان روحه التأريخية. 

المحتل الأميركي لم يجد مكانا إلا مدينة بابل التأريخية وآثارها وحضارتھا لإنشاء قاعدة عسكرية

وتدمیرھا بھذه الوحشية.

١- ماھي استراتيجية محو الذاكرة؟ 

هي سیاسة تقوم على:

• ضرب رموز الھویة. 

• تدمير المواقع المؤسسة للوعي التاريخي. 

• خلق انفصال بين الأجيال المتعاقبة وتراثها.

• تفريغ المجتمع من “السردية التاریخیة” التي تمنحھا القوة. (٤)

تستخدم في:

البوسنة. 

• فلسطين المحتلة، 

• كوسوفو،

• وبعض بلدان أفریقیا الوسطى.

٢-   لماذا بابل تحدیداً؟ 

لأن بابل ترمز إلى:

• السیادة (قانون حمورابي).

 • المجد السیاسي (نبوخذ نصر).

 • العمارة العظیمة.

 • ھویة بلاد ما بین النهرین ضرب بابل يعني ضرب العمود الفقري للروح العراقية القديمة.

٢– تأثير ذلك على الوجدان العراقي

أ. ضعف الشعور التاريخي

عندما تُدّمر أقدم مدينة في العراق أمام أعين الناس تتولد رسالة خطيرة:

تاریخكم ليس محمیاً، ولا قیمة له“.

وھذا یضعف:

• الانتماء للدولة، 

• الرغبة في حماية الأرض، 

• الحافز للدفاع عن التراث.

ب. تفكیك الرابط بین الماضي والحاضر

یفقد الجیل الجدید “حكایة البلاد” التي تمنحه ھویة.

والأمة بلا ذاكرة تصبح: 

• أضعف،

    أكثر قابلية للاختراق، 

• وأقل قدرة على المقاومة. 

ج. صدمة نفسية جماعية

يصف علماء الأنثروبولوجيا ھذا النوع من التدمير بأنه:

” صدمة فقدان التراث” صدمة تُصیب المجتمع بأكمله، والھیمنة عبر السیطرة على السردية. فالدول القوية تُدرك أن السیطرة على التاريخ ھي شكل من أشكال السيطرة السیاسیة. تدمیر بابل اعتُبر لدى باحثین عرب وغربیین خطوة ضمن: إعادة تشكيل وعي العراقيين بعد الاحتلال بإضعاف “ذاكرة العظمة الحضارية” التي كانت تشكل مصدر قوة وطنية.

تاسعاً: بابل كميدان لإضعاف الھویة الوطنية 

يمكن تلخيص نتائج التدمير في ثلاثة مستويات:

١- المستوى المادي 

• خسارة آثار غير قابلة للتعويض. 

• تلوث الموقع. 

• انھیار أجزاء من البنى.

٢- المستوى الرمزي 

• تدمیر رمز العراق الأول. 

• ضرب صورة الدولة العريقة.

• خلق انقطاع بين الماضي العريق والحاضر المأزوم.

٣-  المستوى النفسي والسياسي 

• تعزيز الشعور بالھزیمة. 

• تھشیم الفخر التاریخي. 

• جعل الھویة ھشة وقابلة لإعادة التشكيل. 

والنتیجة: شعب أقل ارتباطاً بأرضه وتراثه، وأكثر عرضة للتشتت والانقسام.

تدمير الآثار التاريخية

الخلاصة

الاحتلال الأميركي لم يكتفِ بتدمير مادي لواحدة من أقدم مدن العالم، بل ساهم أيضاً في تنفيذ أعمق شكل من أشكال الحرب “الثقافية”:(5)

محو الذاكرة الحضارية التي تمنح العراقیین شعورهم بالقيمة المشتركة والهوية والقدرة على الدفاع عن وطنهم.

ما حدث في بابل بعد عام ٢٠٠٣ لیس مجرد أذى أثري؛ إنه محاولة لتفكيك “الروح العراقية” عبر ضرب عمودها التاريخي الأقدم.

علينا كقوى وطنية وتقدمية كشف هذه المخططات الخبيثة ومجابهتها والعمل على الحفاظ على الروح الوطنية والدفاع عن كل شبر من الوطن …..  

المراجع:

  1. تقرير يوضح كيف استخدمت مدينة بابل كقاعدة عسكرية

https://redce.tv/news

Unesco -repport-on-babylon-us-occupation 

٢ –  UNESCO- تقرير عن الأضرار التي تسبب فيها الوجود العسكري الأمريكي في بابل 

https//www.abc.net.au/

news/10-07-2009/Babylon-damaged-during-us-occupation- unesco /1348442

٣- تقرير عن تحديات آثار بابل وكيف تواجه الزمن والحداثة 

https//aawsat.com/home/

٤- ھیئة الآثار والتراث العراقية، “تقرير بابل 2004–2005”. 

UNESDOC-UNESCO Digital 

https://unesdoc.org

 ٥-       خسائر التراث الثقافي والتاريخي للعراق من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام  

https://mid.ru/ru/foreign_policy/istoricheskie_materialy/1861865/?l

Author

  • د. نضال الشرتوني

    دكتور مهندس طاقة، أستاذ جامعي من لبنان لديه العديد من الدراسات والأبحاث في اختصاصه وفي المجال الاقتصادي العام.

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

جريمة دفن الآثار.. محو ذاكرة بيروت

تدمير وطمس آثار بيروت ومحو ذاكرة شعبها وتهجيره وتحويل هذه القلعة الأثرية إلى شركة خاصة تعتبر جريمة العصر. هذا ما يسميه باحثو التراث والآثار بـ “الهندسة السياسية للذاكرة”.

المنتدى الإعلامي الدولي في موسكو:” الحقيقة ضد الفاشية الجديدة “

القوة الاقتصادية والسياسية المتنامية لدول الجنوب العالمي تجعل الفضاء الإعلامي العالمي متعدد الأوجه بشكل متزايد. لقد ولّى عهد الدول الغربية التي كانت قادرة على تضليل الرأي العام العالمي دون عقاب

محو ذاكرة الشعوب مخطط أميركي لإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي

مواجهة محاولات القوى الأجنبية لإضعاف الهوية الوطنية تتطلب تكامل جميع الأدوات الوطنية، بدءاً من التوعية والتعليم، مروراً بالحفاظ على الثقافة والاستقلال الاقتصادي، وصولاً إلى صيانة القرار السياسي