إسماعيل فهد إسماعيل … إرث لا يغيب 

-+=

في 25 سبتمبر تحل الذكرى الثامنة لرحيل عراب الروائية إسماعيل فهد إسماعيل ومؤسسها في الكويت. انطلق الأديب الكبير إسماعيل فهد إسماعيل في منتصف الستينيات من القرن الماضي ملحاً على تأسيس تقاليد فنية جديدة للرواية والقصة في الكويت والخليج العربي. ونتيجة لدراسته الأدب والنقد في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت ولعشقه للسينما، أسهمت هذه العوامل جميعها في تشكيل بصمة بنيوية واضحة على أسلوبه الروائي. فالملاحظ أن كتابته السردية لم تكن مجرد حكايات تروى،  فقد كانت لديه قدرة استثنائية على الغوص في النفس البشرية ورصد تحولاتها تحت ضغط الواقع والوجود. كانت الشخصيات “تجسد” بصرياً وحركياً، مما جعل الحوار في رواياته يتسم بالحدة والديناميكية والمشهدية العالية. 

منذ انطلاقته في الستينيات، كان أدبه صدى للحراك السياسي التحرري والقومي الذي شهدته دول الخليج والعالم العربي. فلقد ارتبطت أعماله الأولى بالمد القومي واليساري، وانشغلت بالقضية الفلسطينية وأثر النفط على البنية الاجتماعية الخليجية.

كما أنه وازن بذكاء شديد بين التزامه القومي العربي وبين خصوصية وطنه الكويت فجاءت رواياته جسراً يربط القلق الخليجي المحلي بالأوجاع العربية الكبرى.

تأثر إسماعيل بمسرح “برتولد بريخت” الذي يقوم على كسر الإيهام ودفع المتلقي للتفكير سياسياً وفلسفياً  بدلاً من التعاطف العاطفي الأعمي. فالملاحظ أنه تبني الآليات البريختية للمسرح الملحمي بتقنياته المتنوعة لخدمة الطبقات المقهورة ورفع مستوى الوعي السياسي. 

فعلى سبيل المثال، في روايته السبيليات (2016)، والتي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2017، رواية استثنائية تستند إلى خلفية الحرب العراقية – الإيرانية وتدور حول صمود امرأة دافعت عن أرضها وقريتها. هذه الرواية تعتبر واحدة من أعمق الروايات التي كتبت عن الحروب في الأدب العربي المعاصر، حيث تخلت عن صخب المعارك لتنتصر للحياة والأرض من خلال تجربة إنسانية فريدة. “أم قاسم” مقدماً رؤية سياسية حادة ومناهضة للحرب كفكرة ، فعودة “أم قاسم” في السبيليات يعتبر رمزاً للأرض والصمود، هي عودة تعيد الحياة للقرية المهجورة بسقاية النخيل وسط الحرب العبثية . تظهر الرواية كيف تحول الأنظمة السياسية والعسكرية الأوطان إلى “مناطق عسكرية مغلقة” وتهجر شعوبها باسم المعارك والحدود. من خلال إصرار العجوز ” أم قاسم ” على العودة وتأثيرها على الجنود من الطرفين، يمرر إسماعيل رسالة سياسية عميقة مفادها أن الحدود ما هي إلا صناعة سياسية واهية تزول أمام غريزة الحياة والارتباط الفطري بالأرض.

يعد إسماعيل فهد إسماعيل من أوائل الروائيين الخليجيين الذين اقتحموا الملفات المسكوت عنها سياسياً واجتماعياً. في رواية “في حضرة العنقاء والخل الوفي” تطرق إسماعيل لأزمة “البدون” والمواطنة، من خلال شخصية “المنسي” ليثبت بأن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في انتمائه للوطن لا بأوراقه الرسمية.

الرواية تدعو إلى انصاف المهمشين وخاصة من فئة “البدون”، وتفيد بأن الإنسان يُقيم بأفعاله لا بأوراقه الرسمية، ورمزية الخل الوفي هو الصديق المخلص، الرواية تطرح تساؤلاً عن معنى الهوية و”المواطنة” هل المواطنة ورقة رسمية أم ممارسة ووفاء. 

المرأة في أدب إسماعيل فهد إسماعيل تعد محوراً أساسياً لتحريك الحدث ومقاومة القهر الاجتماعي والسياسي . يظهر هذا بوضوح عند المقارنة بين “أم قاسم” في رواية “السيبليات” والشخصيات النسائية في رواية ” في حضرة العنقاء والخل الوفي“. 

مثل “شيخة” و “منيرة”، تتحول النساء في الروايتين من مجرد شخوص عادية إلى رموز وطنية وإنسانية كبرى.

لم تقتصر عوالمه على البيئة المحلية فحسب، بل امتدت لتلامس الأوجاع العربية المشتركة والقضية الفلسطينية بوعي إنساني رفيع. لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة له حدثاً سياسياً عابراً إنما كانت التزاماً أدبياً وفنياً رافقه طوال حياته. فأفرد للقضية الفلسطينية روايات عدة منها:

(1983) النيل يجري شمالا ً– البدايات رواية .

(1984) النيل يجري شمالاً – النواطير رواية .

النيل الطعم والرائحة رواية (1989).

الشياح رواية (1975).

على عهدة حنظلة رواية (2017).

ملف الحادثة 67 (1975)

أما رواية  “كانت السماء زرقاء” (1970)  فقد كانت روايته الأولى والملهمة والتي دشن بها فن الرواية  في الخليج وحظيت بإشادة من الشاعر صلاح عبدالصبور ورغبت الفنانة الراحلة سيدة الشاشة فاتن حمامة في تجسيدها رواية سينمائية، ولكن لم يكتب لها ذلك لرفض الرقابة لها. هذه الرواية تطلق صرخة وجودية مؤكدة بأن الإنسان لا يمكنه الانفصال عن قضايا محيطه والهروب منها منفرداً. الرواية أثبتت مفارقة مهمة تبين أن الإنسان العربي مهما نظر الى السماء الزرقاء محاولاً التخلص من واقعه يبقى مشدوداً للأسلاك الشائكة في الأرض.

أما السباعية “إحداثيات زمن العزلة” 1996 فإنها تعتبر أكبر مرجع توثيقي لما جرى في فترة الغزو العراقي للكويت. وكان لهذه الرواية أثر على الكتاب الشباب الذين كتبوا لاحقاً عن تلك الفترة.

لم يكن إسماعيل فهد إسماعيل مجرد روائي معزول عن قضايا مجتمعه، بل كان”الأب الروحي” والمحتضن الأول للمواهب الشابة في الخليج. فتح بيته وقلبه للأجيال الجديدة، وأسس لمناخات ثقافية دعمت التجريب والتجديد، وتأثر به جيل كامل أصبح يقود المشهد الروائي الخليجي المعاصر.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

الاغتراب النيوليبرالي يلتهم هويتنا الاحتجاجية

إن تفكيك سيكولوجية الخضوع يتطلب أولاً استعادة الوعي بالبنى الهيكلية التي تصنع شقاءنا المشترك، وإعادة بناء الهوية الاجتماعية الجمعية القائمة على التضامن الميداني والثقة المتبادلة.

“مؤتمر المختفين”

 صدرت عن منشورات تكوين رواية:”مؤتمر المختفين” للكاتب برناردو كوسينسكي، ترجمة عن اللغة البرتغالية د. محمد مصطفى. تصميم الغلاف يوسف العبد الله. مقدمة المترجم لرواية “مؤتمر

وهم النقد: المسيري بين الحداثة والماركسية

اتسمت الحركة الثقافية المصرية ببعض حالات الردة الأيديولوجية في منتصف السبعينيات، مع الانفتاح الساداتي والاستعانة بالتيارات الإسلامية لمواجهة اليسار والناصريين. وقد تحول بعضهم من الفكر

مولعٌ بزياد

صدر عن منشورات تكوين ودار “الرافدين” كتاب: “ مولعٌ بزياد” للمؤلف علي عبدالأمير عجام. المقدمة لماذا “مولعٌ بزياد”؟ وما الفكرة والمحتوى؟ في أيام تفتح تجربتي