“مؤتمر المختفين”

-+=

 صدرت عن منشورات تكوين رواية:”مؤتمر المختفين” للكاتب برناردو كوسينسكي، ترجمة عن اللغة البرتغالية د. محمد مصطفى. تصميم الغلاف يوسف العبد الله.

مقدمة المترجم لرواية “مؤتمر المختفين”:

أشباح الدكتاتورية

يمنح الأدب صوتًا للمقهورين، كما يمنح المختفين قسرياً نوعًا من العدالة المتخيلة. في الأدب قصَّاص قد لا يتيحه الواقع، فدور الأديب هو أن يميط اللثام عن الحقيقة، وأن يُجري تشريحاً للبيانات التي تم تجميعها من خلال بحث معمق، ومن شهادات الشهود، ومن الملفات السرية، أو من خلال الربط بين شذرات من معلومات من هنا ومن هناك. ذلك ما قام به برناردو كوسينسكي في روايته الجديدة “مؤتمر المختفين” التي يعيد من خلالها من اختفوا قسريًّا إبَّان حقبة الدكتاتورية العسكرية في البرازيل إلى واجهة الأحداث. 

كتب كوسينسكي هذه الرواية إبَّان وباء كورونا (كوفيد-19) بين ديسمبر 2019 وديسمبر 2022. تستعيد الرواية صوت قصائد الناشط السياسي ألكس بولاري(1) الذي حكم عليه بالسجن المؤبد عام 1970 لمشاركته في اختطاف السفير الألماني لدى البرازيل، وإن تم العفو عنه بعد ذلك بعشرة أعوام، حيث مضى ليعيش حياة العزلة في غابات الأمازون: “أُصبنا جميعًا بالحيرة ونحن ننتظر انعقاد مؤتمر لمن تشوهت أرواحهم وأجسادهم” (جرد الجراح). تنطلق الرواية بالتقاء اثنين من الرفاق ينتميان إلى منظمة سرية سحقها قمع الدكتاتورية. يجلس الاثنان على مقعد في براسا دا ريبوبليكا (ساحة الجمهورية) التي كانت ذات يوم من أجمل الأماكن في ساو باولو، لكنها تحولت الآن إلى مكان يُرثى له. يجلس الاثنان مقابل كايتانو دي كامبوس، وهي مدرسة حكومية عريقة تحولت الآن إلى مبنى إداري. 

لا يكاد رودريغيز يتعرف على جابا الذي تشوه وجهه بفعل العنف والتعذيب. يتذكر الاثنان تلك الليلة التي “سقطا” فيها أي تم إلقاء القبض فيها عليهما منذ أربعين عامًا: “كانت تلك أفضل سنوات عُمري وأسوأها. كنا صغارًا ومتمردين، سعينا إلى أن نُضفي على الحياة معنى بُطوليًّا. رأينا الثورة هي المصير، كان كل شيء مُمكنًا: هزيمة جيش وتغيير العالم… يا للسذاجة! يا له من وهم! يا له من وهم كبير! ثم تذوقنا طعم الهزيمة، ومع ذلك ظللنا نُقاوم كما لو أننا نستفز ملاك الموت. سألت نفسي للمرة الألف: كيف كان من الممكن أن نصدق ذلك؟” 

دار في خلد جابا أن يجمع الأشباح ويُصدر بيانًا. ظل رودريغيز صامتًا لوهلة ثم صاح: “مؤتمر للمختفين! يا لها من فكرة عظيمة! مؤتمر قومي للمختفين السياسيين! شبح الموتى يطارد الأحياء!”

يدلف السرد هنا إلى الفانوس السحري: كيف يمكن إعلام من ليس لديهم شبكات تواصل اجتماعي؟ لا بد أن يتم إعلامهم وجهًا لوجه، ولذا لا بد من تحديد المكان والزمان. سيتم الانعقاد ليلة الأول من حزيران/يونيو لا في المسرح البلدي البرجوازي، ولكن في كاتدرائية المدينة(2) حيث عقد القداس على روح ألكساندر فانوكي ليمي(3) وفلاديمير هرتزوغ(4).

تطفو على سطح الذاكرة وجوه الرفاق: “مر وقت طويل منذ التقيت رفاقي، فماذا عنك أنت؟” يجيب رودريغيز بأنه اعتاد أن يرى جوناس من فترة إلى أخرى، لكنه لم يعد يراه.

يشتمل جدول أعمال المؤتمر على تذكر أولئك المنسيين الذين سقطوا في مواجهة النظام بفعل قانون العفو العام، وبفعل ضغوط العسكريين والمدنيين لمنع التحقيق في جرائم التعذيب. فكر أعضاء المؤتمر حتى في استدعاء أماريلدو(5) الذي اختفى أخيرًا في عملية للشرطة في روسينيا(6) حيث انتهجت الشرطة نفس سيناريو الاختفاء القسري في عهد الدكتاتورية، وذلك دليل دامغ على أنه لم يتبدل الكثير منذ ذلك الحين. ولعل ذلك يرجع إلى سيادة ثقافة الإفلات من العقاب.

في اليوم المحدد لانعقاد المؤتمر، يظهر المتمردون القدامى الواحد تلو الآخر، حيث يُدلي كل منهم بشهادته. تعود الأشباح إلى الحياة، وعندما نقرأ الرواية نتعرف على بعض من هؤلاء الأشباح رغم أن الرواية تحجب ألقابهم عنا؛ ديفيد هو ديفيد كابيسترانو(7)، وكان مُحررًا صحفيًّا وزعيمًا شيوعيًّا اختفى عام 1974. كان أوزفالداو(8) أول من يصل، وكان زعيم حرب عصابات ينتمي إلى الحزب الشيوعي البرازيلي تم اغتياله عام 1974، وظل مُعلقًا بطائرة هيليكوبتر على مرأى من سكان أراغوايا. أما أونفري فهو بينتو(9)، زعيم حركة الطليعة الشعبية الثورية الذي اختفى عام 1974، وجوناس هو فرغيليو غوميش دا سيلفا(10) الذي اختفى عام 1969، وكان ينتمي إلى حركة التحرير الوطني(11).

يروي العديد من هؤلاء سبب انضمامهم إلى الكفاح المسلح: “استغرق الأمر مني بعضًا من الوقت لكي أفهم لماذا انضوى تحت لواء الكفاح المسلح، لا سيما أنه لم يكد يعرف كيف يحمل بندقية. عندما طلبت منه أن يفسر لي معنى الفوضوية، ألقى عليَّ محاضرة عن تمرد العمال في مناجم الفحم وفي مصانع الغزل والنسيج. قال إن الفوضوية ألهبت خيال العمال، إلى درجة أنهم أسسوا مئات الصحف والمجلات ومنظمات العمال حول العالم حتى جاءت اللينينية فيما بعد لتخنق كل ذلك. ذات مرة فسر لي لماذا انضم إلى الكفاح المسلح قائلًا إن أحد شعارات الفوضوية تتمثل في المضي إلى ما هو أبعد من الكلمات، أي إلى الفعل.”

اليوم نشبه كلنا بعضنا بعضًا، فنحن نعيش في نفس الظروف، في نفس المأزق، كل ما حدث هو أننا دلفنا إلى جحيم العدم، نذرع اللامكان، ولعل ذلك المؤتمر يجعلنا شركاء في رحلة جديدة، رحلة تاريخية، فوحدهم الذين عاشوا ما حدث في ريعان شبابهم يمكنهم أن يُدركوا حجم مأساة اليوم، إنها تلك الفاشية التي، فضلًا على تدمير الطبيعة، قد دمرت نسيج المجتمع البرازيلي نفسه.

شملت قائمة المؤتمر الأول للمختفين بسبب آرائهم السياسية رسميًّا 240 شخصًا، فقد دُعيَ إلى المؤتمر من تم التمكن من التحقق من شهادات وفاتهم فقط. كان أقدم المختفين نيغو فوبا(12) وبيدرو فازندييرو(13)، وقد اختفى الاثنان في 7 سبتمبر 1964 في إحدى ثكنات الجيش في جواو بيسوا.(14) إبان تلك الفترة لم يكن هناك مشروع تضطلع به الدولة لإخفاء المعارضين، فقد تبلور ذلك المشروع في السبعينيات فصاعدًا. 

كان أكبر عدد من المختفين ينيف على 50 شخصًا في ريعان الشباب حيث داهمتهم قوات الجيش وهم يتأهبون لشن حرب عصابات في أدغال الأمازون، وتم تصفيتهم جميعًا بعد أسرهم. لم يتسنَ التعرف سوى على جثامين 29 من هؤلاء. كيف للحزب الشيوعي البرازيلي بكل تلك الخبرة في الصراع المسلح أن يشن مثل تلك العملية الانتحارية الكارثية؟ لقد كان الجيش يعلم بتحركات أولئك كلهم، كما أن القادة كانوا على علم بأن الجيش يعلم كل شيء عنهم، لأنه ما إن وصلت طلائع هؤلاء المقاتلين إلى آراغوايا حتى نُشر ذلك على الصفحة الأولى من صحيفة فوليا دي ساو باولو(15). لقد كشف تقرير الصحيفة الذي تم نشره على عددين متتابعين عن أسماء وصور الكثير من هؤلاء. أشار التقرير إلى كل شيء عدا مكان انتشار أفراد حرب العصابات، لكنه كان مُرفقًا بخريطة للبرازيل موضحًا عليها مانو غروسو، وغوايش، وبرنامبوكو.

قرر المجتمعون الدعوة إلى عقد مؤتمر ثانٍ بعد عامين. في نهاية المطاف شرعت الأشباح في الحراك وتزايد أعداد المشاركين وهم يتجهون إلى العاصمة برازيليا. سار المشاركون بتؤدة ليفسحوا المجال لأكبر عدد في المشاركة، وسرعان ما ظهر ثلاثة من الصبية المختفين في بلفورد روكسو(16) وهم يمسكون بعضهم بأيادي بعض، وكان هناك كذلك مجموعة من تسعة من المختفين من برومادينيو(17).

في باحة ساحة الوزارات التأم شمل المختفين من شمال وشمال شرق البرازيل، كما جاء أفراد الكابوكلو(18) من بارا ومن مارانياو، وهم أولئك الذين اغتيلوا على يد المسلحين بأوامر من مُلاك الأراضي والمناجم. لقد تم اغتيال بضعة آلاف من السرتانيجوس(19) في كانودوس(20)، فضلًا عن قادة للفلاحين من الكاباناغم(21) إبَّان الثورة الشعبية.

هكذا نرى أن الموتى لا يصمتون أبدًا، حتى من مات منهم منذ ردح طويل من الزمن. إنهم أشبه بسيبي(22) الذي أبدًا لا يموت. 

تُكرس الأديان نفسها للموتى، ففي مصر يتم التحنيط للعودة إلى نفس الجسد، كما أن شكسبير قد منح صوتًا للملك الميت، والد هاملت، ليصيح صارخًا في وجه الخيانة. يعيد كُتاب السيرة الذاتية إحياء الموتى، كما أن الأدب يمنحهم صوتًا ليتكلموا، أو كما قال جابا: “أُبصر الحاضر، لكن الماضي عالق بداخلي.” 

الهوامش

  1. ألكس بولاري دي إلفيرغا (1951) أمضى سنوات طوال سجينًا سياسيًّا، إبَّان الحكم العسكري في البرازيل. هو حاليًّا أب روحي لمجتمع المابيا في الأمازون.
  2. كاتدرائية المدينة أو متروبوليتان كاتدرال وتعرف كذلك باسم سي كاتدرال هي كاتدرائية الروم الكاثوليك الأشهر في ساو باولو.
  3. ألكساندر فانوكي ليمي (1950-1973) كان طالبًا يدرس في السنة الرابعة بجامعة ساو باولو عندما ألقي القبض عليه وقتله في 17 مارس 1973.
  4. فلاديمير هرتزوغ (1937-1975) صحفي برازيلي وأستاذ جامعي، كان عضوًا بالحزب الشيوعي البرازيلي تم تعذيبه وقتله على يد الدكتاتورية العسكرية في البرازيل. 
  5. أماريلدو دياس دي سوزا (1965-2013) هو عامل بناء من ريو دي جانيرو، اختفى منذ 14 يوليو 2013 بعد أن احتجزته الشرطة أمام باب منزله في فافيلا روسينيا. أصبح اختفاؤه رمزًا لإساءة استخدام السلطة. 
  6. روسينيا هي أكبر فافيلا في البرازيل تقع في المنطقة الجنوبية من ريو دي جانيرو. 
  7. ديفيد كابيسترانو (1913-1974) سياسي وقائد حرب عصابات كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي البرازيلي وانضوى تحت لواء مقاومة الدكتاتورية العسكرية. اختفى وهو في طريقه إلى ساو باولو.
  8. أوزفالداو أو أوزفالدو أورلاندو داكوستا (1938-1974) كان أحد أبرز قادة حرب العصابات في شمال البرازيل في السبعينيات من القرن الماضي، قُتل على يد عميل للجيش وتُرك جثمانه في الغابات.
  9. أنوفري بينتو (1937-1974) كان ناشطًا في حرب العصابات. ألقيَ القبض عليه عام 1969، قُتل بعد كمين مسلح.
  10. فرغيليو غوميش دا سيلفا (1933-1969) كان عاملًا انتمى إلى حرب العصابات إبان الصراع المسلح ضد الدكتاتورية. قاد عملية اختطاف السفير الأمريكي في البرازيل عام 1969.
  11. حركة التحرير الوطني هي مجموعة حرب عصابات ماركسية-لينينية قاومت الدكتاتورية العسكرية في البرازيل. تأسست الجبهة على يد كارلوس ماريجيلا عام 1967 بعد انشقاق حدث في الحزب الشيوعي البرازيلي. 
  12. نيغو فوبا واسمه الحقيقي جواو ألفريدو دياس (1932-1964) كان فلاحًا وانضم إلى الحزب الشيوعي البرازيلي. اختفى دون أن يعثر على جثمانه.
  13. بيدرو فازندييرو هو بيدرو إناسيو دي أراأوجو (1909-1964) كان ناشطًا في الحزب الشيوعي أعقاب الانقلاب العسكري عام 1964.
  14. جواو بيسوا هو ميناء يقع في شمال شرق البرازيل. والميناء هو عاصمة ولاية بارايبا. يصل عدد سكانه إلى حوالي مليون نسمة (تعداد 2020). 
  15. فوليا دي ساو باولو صحيفة برازيلية شهيرة تأسست عام 1921 على يد مجموعة من الصحفيين بقيادة أوليفال كوستا وبيدرو كونيا. يتجاوز توزيعها اليومي ربع مليون نسخة.
  16. بلفورد روكسو هي مدينة تتبع ولاية ريو دي جانيرو، يتجاوز سكانها نصف مليون نسمة (تعداد 2020).
  17. برومادينيو هي بلدة تتبع ولاية ميناش غيرايش عدد سكانها حوالي 40,000 نسمة (تعداد 2020).
  18. إلكابوكلو كلمة برتغالية تشير إلى شخص ينتمي إلى عرق مختلط عادة نتيجة تزاوج بين الأوروبيين والسكان الأصليين.
  19. إلسرتانيجوس مصطلح يشير إلى سكان الأرياف غير الحضرية التي لا تطل على الساحل البرازيلي.
  20. حرب كانودوس (1895-1898) هي حرب دارت رحاها بين الجمهورية البرازيلية الأولى وسكان منطقة كانودوس في ولاية باهيا.
  21. إلكاباناغم هم سكان الأرياف غير الحضرية.
  22. سيبي تياراجو (حولي 1723-1756) مقاتل برازيلي ينتمي إلى عرقية الغواراني. يعد قديسًا وشهيدًا في الثقافة الشعبية البرازيلية.

Author

  • منشورات تكوين

    دار نشر تأسست عام 2017، مقرها الكويت والعراق، متخصصة في نشر الكتب الأدبية والفكرية تأليفاً وترجمة.

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

الاغتراب النيوليبرالي يلتهم هويتنا الاحتجاجية

إن تفكيك سيكولوجية الخضوع يتطلب أولاً استعادة الوعي بالبنى الهيكلية التي تصنع شقاءنا المشترك، وإعادة بناء الهوية الاجتماعية الجمعية القائمة على التضامن الميداني والثقة المتبادلة.

إسماعيل فهد إسماعيل … إرث لا يغيب 

لم يكن إسماعيل فهد إسماعيل مجرد روائي معزول عن قضايا مجتمعه، بل كان”الأب الروحي” والمحتضن الأول للمواهب الشابة في الخليج. فتح بيته وقلبه للأجيال الجديدة، وأسس لمناخات ثقافية دعمت التجريب والتجديد، وتأثر به جيل كامل أصبح يقود المشهد الروائي الخليجي المعاصر.

وهم النقد: المسيري بين الحداثة والماركسية

اتسمت الحركة الثقافية المصرية ببعض حالات الردة الأيديولوجية في منتصف السبعينيات، مع الانفتاح الساداتي والاستعانة بالتيارات الإسلامية لمواجهة اليسار والناصريين. وقد تحول بعضهم من الفكر

مولعٌ بزياد

صدر عن منشورات تكوين ودار “الرافدين” كتاب: “ مولعٌ بزياد” للمؤلف علي عبدالأمير عجام. المقدمة لماذا “مولعٌ بزياد”؟ وما الفكرة والمحتوى؟ في أيام تفتح تجربتي