الاغتراب النيوليبرالي يلتهم هويتنا الاحتجاجية

-+=

تبدو المفارقة الكبرى في مجتمعاتنا المعاصرة كامنة في هذه الفجوة الهائلة بين اتساع رقعة الحرمان المادي والاجتماعي، وبين تراجع السلوك الاحتجاجي المنظم لصالح حالات الاستلاب والانكفاء الذاتي. نواجه يومياً أسئلة مقلقة حول السبب الذي يجعل القهر والظلم البنيوي عاجزين – في كثير من الأحيان – عن توليد حراك جماعي غاضب، وكيف ينجح النظام السائد في تحويل طاقة الرفض المشتركة إلى شلل نفسي معزول يغذي عيادات العلاج النفسي ورفوف كتب المساعدة الذاتية؟

للإجابة عن هذه المعضلة السيكو-سياسية، لا بد من تفكيك أحد أعمق الدفاعات المعرفية في النفس البشرية وهو ما نطلق عليه “الاعتقاد بعدالة العالم”. إن العقل البشري يميل بطبيعته إلى البحث عن توازن إدراكي فحين يعجز الفرد عن مواجهة الظلم الهيكلي المحيط به وتغييره، يلجأ لا شعورياً إلى تزييف الواقع وإقناع نفسه بأن العالم عادل في جوهره، وأن الشقاء والفقر الذي يعاني منه هو نتاج لتقصيره الذاتي أو كسل همته. هنا تحديداً تتدخل الأيديولوجيا النيوليبرالية لتعيد تدوير هذا الدفاع النفسي فتحول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العامة إلى مأساة سيكولوجية شخصية. يباع الخلاص تحت هذه المظلة بوصفه مشروعاً فردياً معزولاً يحقق عبر تعديل التفكير الفردي والتصالح مع شروط الاستغلال، بدلاً من النضال من أجل تغيير الشروط المادية الحاضنة لهذا الاستغلال. إن آليات السيطرة السيكولوجية الحديثة تعمل على كسر الحلقة الرابطة بين الحرمان النسبي وسلوك الاحتجاج الجماعي. فالحرمان بمعناه النفسي، لا يولد التمرد تلقائياً إلا إذا ترافق مع تشكل “هوية اجتماعية جمعية” متماسكة تشعر الأفراد المغبونين بأنهم جبهة واحدة تواجه مصيراً مشتركاً. ما تفعله الرأسمالية المتأخرة هو تفتيت هذه الهوية الجمعية وتفكيك الثقة الاجتماعية إذ تحول الفاعلين الاجتماعيين إلى جزر معزولة من الذوات المتنافسة في سوق البقاء المعيشي اليومي. وحين يغيب هذا الرابط التضامني الذي يربط “الأنا” بالـ “نحن”، يتحول شعور الحرمان النسبي من قوة دافعة للتغيير والعدالة إلى طاقة تدميرية داخلية تذكي الاغتراب السيكولوجي، والاكتئاب، والامتثال القهري لشروط القهر.

 يتكامل هذا التدجين السلوكي مع استراتيجيات نزع الطابع السياسي والاجتماعي عن المعاناة الإنسانية. إن تحويل الشقاء الجمعي والاحتراق الوظيفي إلى “اضطرابات شخصية” تُعالج دوائياً أو عبر الانكفاء على تقنيات الاسترخاء الفردي هو جوهر الترويض السيكولوجي النيوليبرالي. يجرد الفرد المغترب من كرامته الجمعية ومن حقه في الغضب المشروع، ليصبح غارقاً في عملية محاسبة وجلد ذاتي مستمرة لعدم قدرته على التكيف مع واقع هو في أصله غير صالح للعيش الإنساني السليم. إن الشفاء الحقيقي من هذا الاغتراب المستفحل واستعادة الفاعلية التاريخية لمجتمعاتنا لا يمران عبر بوابات “الخلاص الفردي الوهامي”. إن تفكيك سيكولوجية الخضوع يتطلب أولاً استعادة الوعي بالبنى الهيكلية التي تصنع شقاءنا المشترك، وإعادة بناء الهوية الاجتماعية الجمعية القائمة على التضامن الميداني والثقة المتبادلة. إن الغضب في وجه الظلم ليس خللاً نفسياً يتطلب العلاج، بل هو المؤشر السيكولوجي الأصدق على سلامة الضمير الإنساني وجذر سيكولوجية الاحتجاج الواعي التي ترفض هدر الكرامة وتسعى لصياغة غدٍ تسوده العدالة الاجتماعية الحقيقية.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

“مؤتمر المختفين”

 صدرت عن منشورات تكوين رواية:”مؤتمر المختفين” للكاتب برناردو كوسينسكي، ترجمة عن اللغة البرتغالية د. محمد مصطفى. تصميم الغلاف يوسف العبد الله. مقدمة المترجم لرواية “مؤتمر

إسماعيل فهد إسماعيل … إرث لا يغيب 

لم يكن إسماعيل فهد إسماعيل مجرد روائي معزول عن قضايا مجتمعه، بل كان”الأب الروحي” والمحتضن الأول للمواهب الشابة في الخليج. فتح بيته وقلبه للأجيال الجديدة، وأسس لمناخات ثقافية دعمت التجريب والتجديد، وتأثر به جيل كامل أصبح يقود المشهد الروائي الخليجي المعاصر.

وهم النقد: المسيري بين الحداثة والماركسية

اتسمت الحركة الثقافية المصرية ببعض حالات الردة الأيديولوجية في منتصف السبعينيات، مع الانفتاح الساداتي والاستعانة بالتيارات الإسلامية لمواجهة اليسار والناصريين. وقد تحول بعضهم من الفكر

مولعٌ بزياد

صدر عن منشورات تكوين ودار “الرافدين” كتاب: “ مولعٌ بزياد” للمؤلف علي عبدالأمير عجام. المقدمة لماذا “مولعٌ بزياد”؟ وما الفكرة والمحتوى؟ في أيام تفتح تجربتي