
مقارنة بين نتائج قمتي بكين وواشنطن
في ظل الترقب للانتخابات النصفية الأميركية، وسعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز أوراقها الخارجية قبيل الاستحقاقات السياسية اللاحقة، وفي خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما
ثاني أزمة ضخمة في عمر الرأسمالية الحديثة هي أزمة الكساد الكبير (١)، بين عامي ١٩٢٩ و ١٩٣٣، حيث انتهت في تواريخ مختلفة في مختلف البلدان، ولم يتم العلاج الكامل للأزمة إلا بالحرب العالمية الثانية. النظرية الاقتصادية الرأسمالية السائدة وقتها هي حرية السوق ورفض تدخل الدولة، إيماناً بقدرة (اليد الخفية للسوق) على خلق التوازن بين العرض والطلب؛ واشتمل هذا على الإعلاء من “نظرية العرض والطلب” باعتباره المحدد لقيمة السلعة، فإذا زاد عرض السلع في مجال ما، تنافس المنتجون في تخفيض أسعارها، مما يؤدي إلى خروج بعض المنتجين من سوق إنتاجها فيعود توازن العرض والطلب. وفي الحالة العكسية، عند نقص العرض، يرتفع سعر السلعة، فيدفع المنتجين لزيادة إنتاجها حتى ينخفض سعرها، ويعود توازن العرض والطلب بآلية السوق. لهذا يجب أن تدع الدولة الأمور له دون تدخل.
جاء الكساد الكبير لكي يُسقط نظرية العرض والطلب كمحددين لقيمة السلعة، لأنها فقط تجعل سعر السلعة يتذبذب حول سعر معين؛ لهذا سميت بنظرية الرأسمالية المبتذلة! لقد دخلت البلاد الرأسمالية في أزمة شديدة، شهدت انهياراً في البورصات، وإفلاسات ضخمة لشركات وبنوك. صاحب ذلك تقلص الإنتاج بشدة، وزيادة هائلة في البطالة. هناك سمة خاصة لتلك الأزمة، تفرق بينها وبين كل أزمات العصور السابقة على الرأسمالية. كانت الأزمات السابقة تتمثل أساساً في نقص إنتاج، ارتباطاً بشروط طبيعية مثل حلول الجفاف، أو الفيضانات الشديدة، أو الحروب. أما أزمة ١٩٢٩، فتنجم عن زيادة الإنتاج، ولكن مع الكساد وضعف التسويق، فتتراكم السلع في المخازن كنتيجة لتقلص القدرة الشرائية في السوق. وعند امتلاء المخازن ينخفض الإنتاج، فتغلق خطوط إنتاج أو شركات كاملة، ويتم تسريح العمالة، أو حتى إعلان الإفلاس. تناقض حاد: إذ يجوع الناس من كثرة ما أنتجوه!!
يعود سبب تلك الأزمة إلى سمة جوهرية في الرأسمالية: ففي عملية الإنتاج الرأسمالي ينفق المستثمر الصناعي على شراء الأرض والآلات ومستلزمات الإنتاج، ويدفع أجور العمال، ويتبقى له الربح أو فائض القيمة كما هو معروف. بالطبع فإن عملية إعادة الإنتاج تتطلب أولاً تحقق السلعة، أي بيعها في السوق واستعادة ثمنها، للبدء في دورة إنتاج جديدة. ولكن إذا كان إجمالي النقود المتداولة في المجتمع (ونغض النظر مؤقتاً عن التصدير والسوق الخارجي) الآتية من الأجور هي أقل من إجمالي قيمة السلع بمقدار ربح الرأسمالي أو فائض القيمة، إذ إن استهلاك ملاك المصانع الأغنياء محدود بطبعه؛ تكون النتيجة هي تتراكم السلع في المخازن، حتى تصل إلى درجة الأزمة؛ وهي تتكرر كل بضع سنوات، كأزمة كساد وفيض إنتاج كما أوضحنا.
عندما انفجرت الأزمة بالمظاهر التي أوضحناها وبالسبب الذي قلناه، بالذات في أكبر اقتصاد رأسمالي في الولايات المتحدة الأميركية، كان الخروج من الأزمة هو موضوع الانتخابات الرئاسية عام ١٩٣٣. دارت الانتخابات بين هوفر، الرئيس السابق للفترة ١٩٢٩-١٩٣٣، المنحاز للسياسات التقشفية وتقليص الإنفاق الحكومي، للحفاظ على قيمة العملة، تاركاً الكساد لتحله “اليد الخفية”. أما منافسه تيودور روزفلت، فينحاز إلى تدخل الدولة عن طريق إقامة مشاريع خدمية من نوع إنشاء الطرق، ومشاريع التضامن الاجتماعي والمعاشات. ميزة تلك السياسات هي إنها تمتص البطالة أولاً، وتضخ سيولة في السوق (قيمة الأجور) وتنعكس زيادة السيولة في تزايد القدرة الشرائية للجمهور، فيبدأ استهلاك السلع المخزنة، ويبدأ الرأسماليون في إعادة الإنتاج وتستعاد الدورة الاقتصادية.
للحصول على التمويل اللازم لتنفيذ مثل تلك السياسة تلجأ الحكومة إلى درجة من التمويل بالعجز (طباعة النقود)، طبعاً بشكل محكوم، في مقابل استعادة دورة الإنتاج. سميت تلك السياسة بـ “الصفقة الجديدة” “the new deal”. كانت تلك التجربة الأولى البارزة للخروج من الأزمة، وتمثلت الثانية في ألمانيا مع مجيء هتلر عام ١٩٣٣، وعرفت بالسياسة المالية والنقدية لشاخت، مدير البنك المركزي الألماني. كان المتميز فيها بالإضافة إلى ما سبق، التركيز على الإنفاق العسكري بعد الخروج على اتفاقية فرساي التي فرضت تحجيم تسليح ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. تم التوسع بشدة في التسليح، خاصة في الدبابات والغواصات والأسلحة الثقيلة، تمهيداً لدخول الحرب العالمية الثانية، ليس فقط انتقاماً من اتفاقية فرساي المهينة، ولكن لاستعادة هدف إعادة تقسيم المستعمرات، واحتلال بلدان ذات موارد بترولية وفيرة تحتاجها ألمانيا، على حساب احتلال بلدان أخرى.
عرفت تلك السياسات الجديدة للخروج من المأزق الاقتصادي بالسياسة الكينزية، نسبة للاقتصادي الإنجليزي جون مينارد كينز (٢) ، الذي نصح قادة بلاده، إنجلترا، وكذلك أرسل لروزفلت النصائح وتقابل معه، بمثل تلك السياسات التوسعية. واستفاد كينز من دراسة هاتين التجربتين في دعم رؤيته، وإخراجها في شكلها النظري من خلال كتابه الشهير “النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقود” “General theory of employment, interest and money” عام ١٩٣٦. رفض كينز أن عرض السلع هو ما يقود إلى الطلب، والسوق يصنع هذا التوازن دون تدخل. على العكس، افترض أن الأساس هو “الطلب الكلي”، وهو ما يحدد الاستهلاك. والحل لأزمة الكساد هو زيادة الطلب عن طريق تدخل الدولة، والإنفاق على الخدمات لزيادة السيولة وزيادة الطلب واستعادة التشغيل ورواج الاقتصاد. وحدد مصدر تمويله لهذا النشاط من التمويل الحكومي بالعجز، من أجل تجاوز الأزمة.
بالطبع شمل ذلك زيادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، الذي ترفضه النظرية الكلاسيكية. على المستوى النظري أيضاً، أصر كينز على أن مستوى التوظيف أو البطالة، وحجم الإنتاج، لا يتحددان بأجور العمال أو بقواعد حرية السوق، لكنهما يعتمدان على “الطلب الكلي” في المجتمع، الناشئ عن استهلاك الأفراد، والاستثمارات الرأسمالية، والإنفاق الحكومي. من هنا عالج الكساد وضعف الطلب الكلي بزيادة الإنفاق الحكومي على الأجور والامتيازات العمالية “مثل التأمينات الاجتماعية”، حيث لا يصاحب ذلك الإنفاق زيادة عرض السلع في الأسواق، مما يؤدي لتنشيط الطلب ومعالجة الكساد. لهذا يقرر كينز أنه في حالة البطالة والكساد والطاقة الإنتاجية المعطلة وغير المستغلة، لا يمكن تعزيز التوظيف وإجمالي الدخل إلا من خلال زيادة الإنفاق على الاستهلاك.
لكن هذا لا يعني إطلاقاً الحرية الكاملة للدولة في طبع النقود والتمويل بالعجز كلما أرادت وفي أي ظرف، وإلا فإن التضخم سيتفاقم ويضطرب الاقتصاد. لهذا أدخل كينز في رؤيته عاملين هامين آخرين: سياسات الضرائب، والتحكم في سعر الفائدة، كأداتين هامتين تستخدمهما الدولة لعلاج المشاكل الملموسة. وقت الكساد يجب تخفيض سعر الفائدة على المستثمرين من أجل تحفيز الاستثمار. أما في فترات الرواج أو انتهاء فترة الكساد الكبير، فيجب زيادة سعر الفائدة على الشركات من أجل زيادة موارد الدولة، وتمويل برامج إنفاقها. وبالنسبة للضرائب، فكما يجب تخفيضها أثناء الكساد دعماً للاستثمار، إلا أنه عندما تدور عجلة الاقتصاد ويبدأ الرأسماليون في تحقيق أرباح، يتم رفع الضرائب تدريجياً على المستثمرين.
الإدارة الرشيدة للدولة تعتمد، كما رأينا، على ثلاث أدوات: تمويل عاجل بالعجز (طبع النقود)، ثم الانتقال للتمويل من الضرائب مع تحسن حالة الاقتصاد وتحقيق أرباح للشركات، وأخيرا، مواءمة سعر الفائدة لصالح الاقتصاد الكلي، رفعاً أو خفضاً، حسب مقتضيات السوق. مثال واضح آخر على الاستخدام الأمثل لتلك الأدوات، هو في حالات الحروب: فالحرب تحتاج بالقطع إلى تمويل كبير. من أجل الحصول على هذا التمويل دون الإضرار باقتصاد المجتمع، يجب أن يتم تلقي هذا التمويل من التمويل بالعجز (طبع النقود كأداة عاجلة ولكن مع تقليلها بقدر الإمكان لتفادي التضخم الشديد، كذلك التمويل من خلال الضرائب العامة حتى بفرض ضريبة استثنائية للاحتياجات العسكرية، وأخيراً بالاقتراض من الداخل (ويتضمن تشجيع الطبقات العاملة على الادخار، في صورة سندات تمويل الحرب مثلاً) أو الخارج.
يبقى أن نتابع النتائج الفعلية لتأثير الأخذ بالسياسات الكينزية على أهم البلدان. زاد دور تدخل الدولة في كل البلدان. في أميركا مثلاً، استكمل روزفلت شبكة ضخمة من الطرق عبر الولايات المتحدة الأميركية، ومد معها خطوط الكهرباء، فتم تعميم إرسال الراديو. بدأ روزفلت في بث برنامج “واجه الأمة” حيث يتحدث إلى الشعب لمدة ساعة صباح كل يوم سبت، كي يعبئ الشعب حول استراتيجيته لعلاج المشاكل الاقتصادية – الاجتماعية. نجحت السياسات الكينزية في تلطيف الأزمة وبدئ الخروج منها، وأتى الخروج الكامل عبر الحرب العالمية الثانية.
صاحب تطوير الصناعات العسكرية في امتصاص البطالة، وفي زيادة القوى الشرائية للجمهور، لأنه أجور بدون زيادة السلع المطروحة في السوق، وبالتالي زيادة أرباح الشركات الصناعية. لهذا اعتمد تمويل الحرب على رفع هائل للضرائب على دخل الأفراد والشركات بدرجات مختلفة. كانت ضرائب الدخل تطبق على ٥% من العاملين، فتوسعت حتى طبقت على ٩٤% منهم. زادت شرائح الضريبة على الأغنياء حتى وصلت إلى حد أقصى ٩٤% للدخول أعلى من ٢٠٠٠٠٠ دولار سنوياً. زادت ضرائب الشركات من ٢٤% إلى ٤٠%، ولكن فرضت ضريبة أخرى على الأرباح التي تزيد عن أرباح العام السابق، لتصل إلى ٩٠%، لضمان عدم تربح الشركات من الحرب.
استمرت الضرائب التصاعدية العالية بعد الحرب لمواجهة أزمات ما بعد الحرب مثل البطالة نتيجة تسريح الجنود وتسريح العاملين في الصناعات العسكرية التي انكمشت، وأيضاً مشكلة إعادة بناء المصانع التي دمرتها الحرب، أساساً في أوروبا الغربية واليابان. طوال الخمسينات كانت أعلى شرائح ضرائب الدخل تصل إلى ٩١ -٩٢% في الولايات المتحدة، كما تصل ضريبة الشركات إلى ٥٢%. لم تختلف أوروبا عن ذلك السياق. في إنجلترا وصلت أعلى شريحة لضرائب الدخل إلى ٩٧.٥، بينما كانت الضريبة الموحدة على الشركات ٤٥%، ثم زادت إلى ٤٧.٥%. بقية الدول الرئيسية في أوروبا واليابان سارت على نفس المنوال، مع بعض التفاوت المحدود في النسب.
استخدمت تلك الضرائب في أوروبا في خلق “دولة الرفاه الاجتماعي” التي استندت إلى أربعة أسس: تطبيق منظومة تأمين اجتماعي شامل لجميع المواطنين ضد الشيخوخة (إقرار المعاشات) والعجز والوفاة والإعاقة والبطالة؛ بالإضافة إلى تطبيق التأميم الصحي الشامل، والتأمين ضد إصابات العمل على العاملين. أيضاً تم تطبيق مجانية التعليم الشامل في جميع مراحله. الأساس الأخير لدولة الرفاه الاجتماعي كان تعميم توصيل المرافق (كهرباء، مياه، صرف صحي) للجميع بتكلفتها كخدمة غير محملة بالربح، وتقوم بها الدولة.
لم تكن الظروف الاقتصادية وحدها وراء تطبيق تلك السياسات، ولكنها كانت، في أوروبا، حاجزاً ضرورياً ضد انتشار الشيوعية، التي ارتفعت شعبيتها أثناء وبعد الحرب، نتيجة لدور روسيا المهم في القضاء على النازية ودخول برلين أولاً، وكذلك لاتساع معرفة الرأي العام العالمي بوضع الخدمات المتميز في المجتمع الاشتراكي. مثلت فترة الكينزية أطول فترة استقرار وازدهار اقتصادي واجتماعي للغرب، لهذا يسمي المؤرخ الإنجليزي البارز إريك هوبزباوم تسمية تلك الفترة بين ١٩٤٥-١٩٧٠ بفترة الازدهار الطويل، في كل من الشرق الاشتراكي، والغرب الرأسمالي، وحركة التحرر في العالم الثالث. تعد أزمة الكساد الكبير ١٩٢٩- ١٩٣٣ هي الأزمة الوحيدة بين الأزمات الأربعة التي تناولنا هنا الأزمة الثانية منها، التي كان الخروج منها إيجابياً، بتحسين واسع للحالة الاجتماعية للجماهير.
المراجع
(١) – أنظر موسوعة ويكيبيديا العربية مادة “الكساد الكبير (١٩٢٩): على الرابط:
(٢) – أنظر مادة “جون ماينارد كينز على موسوعة ويكيبيديا بالعربية على الرابط:
عضو مؤسس وقيادي في الحزب الاشتراكي المصري والحركة المدنية الديمقراطية.

في ظل الترقب للانتخابات النصفية الأميركية، وسعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز أوراقها الخارجية قبيل الاستحقاقات السياسية اللاحقة، وفي خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما

يمرّ الوضع السياسي اللبناني بمرحلة شديدة الخطورة من جميع النواحي، في ظلّ العدوان الصهيوني المستمرّ والمتفاقم، المترافق مع التطوّرات الحاصلة على الصعيدين الدولي والإقليمي، ومع

يحيي الشعب الفلسطيني وشعوب العالم الحرة، في السابع من أكتوبر، مرور ثلاث سنوات على تفجر طوفان الأقصى، الذي تمكنت فيه ثلة من المقاتلين الفلسطينيين من

جعل ألبير كامو من “سيزيف” صورةً للإنسان الذي يدفع صخرته وهو يعرف أنها ستتدحرج من جديد، ظلّ التكرار قريناً للعبث، والاستمرار قريناً للتمرّد دون كلل



