في ظل الترقب للانتخابات النصفية الأميركية، وسعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز أوراقها الخارجية قبيل الاستحقاقات السياسية اللاحقة، وفي خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما قد تترتب عليها من تداعيات على الأسواق والأسعار في الداخل الأميركي، جاءت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة، والتي حظيت بمظاهر احتفالية لافتة. وقد عكست هذه الزيارة، في جانب منها، محاولة أميركية للاستفادة من اللقاء الرئاسي في تحقيق مكاسب لم يتسنَّ التوصل إليها خلال القمة السابقة في بكين.
ولم يغيّر عامل الزمن من طبيعة الموقف الصيني في هذه المفاوضات؛ إذ دخل الجانب الصيني إليها وهو يدرك طبيعة الأسلوب التفاوضي للرئيس الأميركي، الذي يميل إلى التعامل مع العلاقات الدولية من منظور يولي أهمية كبيرة للصفقات المباشرة والسريعة، وهو أسلوب يمكن ربط بعض سماته بخبرته الطويلة في عالم الأعمال.
في تحليلنا للقمة السابقة، كنا قد توصلنا إلى أن الحكم على نتائجها لا ينبغي أن يقتصر على ما صدر عنها من مواقف أو تفاهمات مباشرة، وإنما يتعين أن يستند أيضاً إلى طبيعة السلوك الذي ستتبناه الإدارة الأميركية إزاء الخيارات التي طرحتها بكين، وذلك وفق مسارين محتملين:
- المسار الأول: الإلغاء الكامل. ويتمثل في تراجع إدارة ترامب بصورة كاملة عن صفقة الأسلحة المقرر بيعها إلى تايوان، والتي قُدّرت قيمتها بنحو ١٤ مليار دولار. وكان من شأن اتخاذ هذه الخطوة أن يبعث برسالة إيجابية إلى بكين، وأن يهيئ الظروف لاستمرار الترتيبات المتعلقة بعقد القمة في سبتمبر.
- المسار الثاني: الخفض التدريجي. ويتمثل في اللجوء، في حال تعذر الإلغاء الكامل للصفقة، إلى خفض قيمتها أو نطاقها مقارنة بمستوى صفقات الأسلحة السابقة. وكان من الممكن قراءة مثل هذا السلوك بوصفه إشارة دبلوماسية إلى استعداد واشنطن لمراعاة الالتزامات التي سبق أن عبّرت عنها في بيان ١٧ أغسطس/آب ١٩٨٢، ولا سيما ما يتعلق بمستوى مبيعات الأسلحة إلى تايوان.
وبالعودة إلى تطورات الأشهر الأربعة الماضية، يتضح أن الجانب الأميركي تجنب، في الظاهر، اتخاذ موقف حاسم بشأن الصفقة، سواء بالمضي فيها بصورة كاملة أو إلغائها بصورة نهائية. وقد أسهم هذا الغموض في الإبقاء على إمكانية انعقاد قمة سبتمبر قائمة. ويبدو أن واشنطن أخذت بعين الاعتبار الموقف الصيني المعلن الذي يعتبر قضية تايوان من القضايا الجوهرية في العلاقات الصينية – الأميركية، ويؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، ويرفض أي دعم ذات توجهات انفصالية.
لقد جاء موعد انعقاد القمة في مرحلة حساسة بالنسبة إلى إدارة ترامب، التي كانت تواجه تحديين متزامنين. تمثل الأول في اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، المقررة في ٣ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢٦، بينما تمثل الثاني في اقتراب موعد انتهاء الترتيبات المؤقتة التي أبقت مستوى التصعيد الجمركي بين الولايات المتحدة والصين تحت السيطرة. وكان من شأن انتهاء هذه الترتيبات من دون التوصل إلى تمديد لها أن يفتح المجال أمام عودة الضغوط الجمركية وتصاعد التوتر التجاري بين الجانبين
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم السعي الأميركي إلى الحفاظ على التهدئة التجارية أو تمديدها باعتباره أحد الأهداف المهمة للقمة، بما يسمح للإدارة الأميركية بتجنب تصعيد تجاري جديد في الفترة المحيطة بالانتخابات، وتهيئة ظروف تفاوضية أكثر ملاءمة في المرحلة التالية.
في المقابل، بدت المصلحة الصينية متجهة إلى تمديد فترة التهدئة إلى أجل أطول، بما يتيح مواصلة استقرار العلاقات الاقتصادية ويمنح الطرفين مساحة إضافية لمعالجة الملفات الخلافية بصورة تدريجية. ولكن في النهاية لم يجد الجانب الصيني بأن تمديدها لبداية العام الجديد ستؤثر على موقعه التفاوضي طالما أنه يُمسك بأهم الملفات حساسية للجانب الأميركي والمتعلقة بالمعادن النادرة نظراً إلى أهمية الصين في سلاسل إمداد هذه المعادن عالمياً، وإلى استمرار المطالب الأميركية بضمان تدفقها إلى الأسواق الدولية.
بالطبع، كان على جدول أعمال القمة عدد كبير من الملفات الدولية والإقليمية، بدءاً من الأزمة الإيرانية والوضع في الشرق الأوسط، وصولاً إلى تطورات شبه الجزيرة الكورية والأزمة الأوكرانية. غير أن الملفات الثنائية بدت أكثر إلحاحاً، ولا سيما تلك المرتبطة بالعجز التجاري الأميركي، والتهدئة التجارية بين البلدين، وملف المعادن الأرضية النادرة، والتنافس والتعاون المحتمل في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد احتلت هذه القضايا موقعاً متقدماً في أجندة القمة، إلى جانب ملف تايوان وغيره من الملفات المرتبطة بالمنافسة الاستراتيجية بين البلدين.
ولطالما كرر الرئيس الصيني شي جين بينغ أن العالم يشهد «تغيرات لم يشهدها العالم منذ مئة عام»، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي. وفي قمته الأخيرة مع الرئيس ترامب، برز بوضوح تصوره للعلاقة الصينية – الأميركية بوصفها علاقة بين دولتين كبيرتين تضطلعان بدور مؤثر في الاستقرار الدولي. وفي هذا السياق، أعاد الرئيس شي طرح قضية «فخ ثوسيديدس»، التي سبق أن أثارها في القمة السابقة، عندما تساءل عما إذا كان بإمكان الصين والولايات المتحدة تجاوز هذا الفخ. ويقوم المفهوم، في صيغته الشائعة، على احتمال نشوء صراع عندما تؤدي عملية صعود قوة جديدة إلى تهديد أو تحدي موقع قوة قائمة. غير أن الطرح الصيني لا يقدم هذا المسار بوصفه حتمياً؛ فقد أكد الرئيس شي أن «فخ ثوسيديدس» يمكن تجاوزه، ودعا في هذا الإطار إلى تعزيز التواصل والحوار الصريح والمستمر، وبناء الثقة المتبادلة، والتعاون بإخلاص، واحترام المصالح المتبادلة، والتعايش السلمي. وفي كلمته خلال مراسم الاستقبال في البيت الأبيض، أكد صراحة أن البلدين «يمكنهما تجاوز فخ ثوسيديدس»، وأن التعاون بينهما يعود بالنفع على الطرفين، في حين أن المواجهة تلحق الضرر بكليهما.
ما يمكننا استخلاصه من المعطيات المتوفرة حول القمة وما يمكن استشرافه يتلخص في الآتي:
أولاً: إن إعلان الرئيس الصيني بأن هذا العام سيشهد لقاءين آخرين يجمعانه بنظيره الأميركي —الأول خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC) في الصين، والثاني خلال قمة مجموعة العشرين (G20) في الولايات المتحدة— يعطي مؤشراً قوياً بأن الجانب الصيني يلمس التزاماً أميركياً (حتى الآن) بالتحذيرات والخطوط الحمراء التي وضعتها بكين حيال قضية تايوان. كما أن المضي قدماً في تكثيف هذه اللقاءات يشي بوجود توافق ضمني أو مسعى جاد لإيجاد حلول مرحلية لهذه الأزمة وتجنب التصعيد الإقليمي.
ثانياً: لم تمنح الصين الرئيس ترامب، سواء في قمة مايو أو قمة سبتمبر ٢٠٢٦، أي أوراق انتخابية رابحة لتوظيفها في معركته الداخلية أو الانتخابات النصفية المقبلة؛ إذ لا تزال تفاصيل صفقة شراء الصين لطائرات “بوينغ” غير محددة، ويضاف إلى ذلك انخفاض صادرات المغناطيسات الأرضية النادرة الصينية إلى الولايات المتحدة في أغسطس إلى ٥١٢ طنًا (بانخفاض ١٣% على أساس سنوي و٢٠% عن يوليو)، مما يعكس تمسك بكين بأوراق ضغطها الحيوية.
ثالثاً: سيبقى مفهوم “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء”، الذي توصل إليه الجانبان كإطار مؤسسي لإدارة الخلافات والمنافسة، هو العنوان الأبرز والناظم الحاكم للمرحلة القادمة في العلاقات الدولية بين القوتين.