
مقارنة بين نتائج قمتي بكين وواشنطن
في ظل الترقب للانتخابات النصفية الأميركية، وسعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز أوراقها الخارجية قبيل الاستحقاقات السياسية اللاحقة، وفي خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما
في ضرورة تحرير الوعي باعتباره شرطاً لتحرير الإرادة، فإننا سنحاول في هذا المقال تفكيك “الثقافة الانهزامية” باعتبارها إحدى أهم أدوات الحرب الإمبريالية التي تستهدف بها وعي الشعوب، فإن الامبريالية لا تخوض حروبها ضد الشعوب بالمدافع والطائرات والحصار الاقتصادي فقط، وإنما تخوض بالتوازي حرباً لا تقل ضراوة.. “حرب على وعي الشعوب وإرادتها”.. ذلك أن السيطرة المستقرة لا تتحقق بمجرد إخضاع الأرض، بل تكتمل عندما يقتنع الخاضع بأن مقاومة إخضاعه “عبث” وأن ميزان القوى قدرٌ أبديّ، وأن أقصى ما يستطيع فعله هو التكيّف مع شروط الأقوى.
ومن هنا لا يمكن النظر إلى “الثقافة الانهزامية” المنتشرة في وطننا العربي باعتبارها مجرد حالة نفسية من التشاؤم أنتجتها الحروب.. إنها ظاهرة سياسية واجتماعية لها أساس مادي، وتؤدي وظيفة أيديولوجية محددة في الصراع، وهذا تحديداً ما يجعل مواجهتها ضرورة سياسية، لا سجالاً أخلاقياً بين “متفائلين ومتشائمين”.
إن الأفكار لا تنفصل عن الشروط الاجتماعية التي تنتجها، والأفكار السائدة في مجتمع طبقي ليست منفصلة عن علاقات القوة والسيطرة فيه، وهنا تكتسب مسألة الهيمنة أهميتها.. فالطبقة المسيطرة لا تحكم بالقسر وحده، وإنما تسعى إلى إنتاج القبول الاجتماعي بقيادتها، بحيث تبدو مصالحها الخاصة وكأنها “المصلحة العامة”، وتتحول رؤيتها للعالم إلى ما يشبه الحس المشترك.. ومن هنا نفهم لماذا تحتاج الإمبريالية إلى الثقافة مثلما تحتاج إلى حاملات الطائرات.
عندما يصبح الخوف “أيديولوجيا”
تستطيع القوة العسكرية تدمير مدينة، لكنها لا تستطيع وحدها إقناع أهلها بأن سبب الدمار هو مقاومتهم لا بسبب من قصفهم، وتستطيع العقوبات إفقار شعب، لكنها تحتاج إلى جهاز أيديولوجي يخبر ذلك الشعب بأن سبب معاناته ليس من يحاصره، وإنما رفضه الانصياع لشروط الحصار.
وهنا تظهر الوظيفة الأساسية لـ “الثقافة الانهزامية” وهي “قلب العلاقة بين السبب والنتيجة”.. فبدلاً من أن تصبح وحشية العدوان دليلاً على طبيعة المعتدي ودافعاً لمقاومته، تتحول الوحشية ذاتها إلى حجة للاستسلام له، فيُشار إلى قدرته على التدمير، ليُقال “لا تقاوموه”!
وبذلك نصل إلى معادلة شديدة الخطورة، وهي “كلما ازدادت الإمبريالية وحشية، علينا أن نزداد خضوعاً لها”.. والحال أن هذه المعادلة ليست جديدة في التاريخ الاستعماري، فالمستعمِر لم يسعَ فقط إلى إثبات أنّه قوي، وإنما إلى إقناع المستعمَر بأنه عاجز، لأن القوة العسكرية، مهما بلغت، تبقى مهددة ما دام الطرف المقابل يحتفظ بإرادة التحرر.
البرجوازية التابعة وخطاب “الواقعية”
لكن الإمبريالية لا تمارس هذه الوظيفة من الخارج وحده، فالتبعية ليست مجرد ضغط تمارسه دولة على دولة أخرى، وإنما علاقة يعاد إنتاجها داخل المجتمع التابع نفسه عبر بنية اقتصادية وطبقية وسياسية ارتبطت مصالح شرائح منها بالنظام الإمبريالي العالمي.. ومن داخل هذه البنية تنشأ فئات سياسية وإعلامية وثقافية تتولى إعادة إنتاج “خطاب الهيمنة”، سواء بصورة واعية أو بحكم موقعها الاجتماعي ومصالحها.
ولهذا نادراً ما تقول الثقافة الانهزامية صراحة: “استسلموا للإمبريالية”.. بل تستخدم لغة أكثر نعومة بالقول: “كونوا واقعيين”، “العالم تحكمه المصالح”، “لا يمكن مواجهة القوى الكبرى”، “المقاومة انتحار”، “نريد أن نعيش”، “التنمية أهم من الشعارات”!
ولا تكمن المشكلة في طرح هذه الأسئلة بذاتها، فمن حق الشعوب أن تحاسب قياداتها وأن تناقش جدوى الاستراتيجيات وكلفتها.. إنما تكمن المشكلة في أن الإجابة تكون مقررة سلفاً دائماً، وتُحسب كلفة المقاومة بكل دقة، بينما تُمحى كلفة الاستسلام من الحسابات تماماً.. ولا تطرح الأسئلة المهمة، مثلاً.. “كم تبلغ كلفة فقدان السيادة؟” و”كم تبلغ كلفة الارتهان الاقتصادي؟” و”كم يدفع المجتمع عندما تتحول موارده وسياساته وأولوياته التنموية إلى متغيرات تحددها مصالح قوى خارجية؟”
هذه الأسئلة تختفي عادةً من خطاب “الواقعية” الذي تصدع به البرجوازية التابعة رؤوسنا!
ميزان القوى ليس “قدراً”
“الثقافة الانهزامية” تنظر إلى ميزان القوى نظرة ساكنة، فإنه بالنسبة لها بما أن تلك الإمبراطورية قوية وشعبنا ضعيف، فإن المقاومة جنون! لا أن يُنظر إلى القوة باعتبارها علاقة تاريخية متحركة تحمل تناقضاتها داخلها.. فالتفوق العسكري لا يعني قدرة غير محدودة على تحويل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية مستقرة، والقوة الاقتصادية لا تلغي تناقضات النظام الذي أنتجها، والدولة التي توسع نفوذها وحروبها وقواعدها قد توسع قوتها من جهة، لكنها توسع في الوقت نفسه كلفة المحافظة على هذه القوة وقدرتها على الهيمنة.
والتاريخ الحديث حافل بانتصارات شعوب واجهت قوى استعمارية تتفوق عليها بصورة هائلة في السلاح والاقتصاد، ومع ذلك استطاعت عبر التنظيم وطول النفس والمقاومة الشعبية أن تجعل استمرار السيطرة أكثر كلفة من الانسحاب.. وهذا لا يعني أن المقاومة تنتصر آلياً، ولا أن كل مواجهة صحيحة مهما كانت ظروفها، وإنما يعني أن ميزان القوى نفسه يتغير من خلال الصراع، ولا يسبق الصراع بوصفه حكماً أبدياً عليه.
وهنا يكمن الفارق بين الواقعية الثورية والواقعية الانهزامية.. فالأولى تدرس الواقع لكي تعرف كيف يمكن تغييره، والثانية تدرسه لكي تثبت أن تغييره مستحيل!
من الهزيمة إلى صناعة الانهزام
ينبغي علينا هنا التمييز بين الهزيمة بوصفها واقعة، والانهزام بوصفه وعياً.. فقد يخسر شعب معركة، وقد تتراجع حركة تحرر في مرحلة، وقد يستطيع العدو فرض شروطه في لحظة تاريخية معينة، ولا يصح انكار الوقائع ولا استبدال التحليل بالشعارات.. لكن “الثقافة الانهزامية” تفعل شيئاً مختلفاً، وهو أنها تأخذ هزيمة محددة في ظرف محدد، وتحولها إلى نظرية عامة في استحالة التحرر! فالهزيمة يمكن تجاوزها إذا بقي الوعي والتنظيم والإرادة، أما الانهزام فيستهدف الشروط التي تجعل تجاوز الهزيمة ممكناً.
ولذلك لا يريد المستعمِر من المهزوم أن يعترف بخسارته فقط، بل يريد منه أن يعيد بناء وعيه على أساسها.. أن يخجل من مقاومته، ويسخر من تضحياته، ويشك في قدرته، وينظر إلى تحرره بوصفه فكرة رومانسية، ثم يرى في الاندماج داخل منظومة الهيمنة “حداثة”، وفي مقاومتها “تخلفاً”!
وعند هذه النقطة تنتقل الهيمنة من الخارج إلى الداخل.
الاستسلام لا يلغي علاقة الهيمنة
ومن أخطر أوهام “الثقافة الانهزامية” تقديم الاستسلام باعتباره الطريق الأقصر إلى الازدهار والاستقرار، لكن الإمبريالية ليست مؤسسة خيرية تُكافئ الشعوب على حسن السلوك.. فالمسألة الأساسية تكمن في أن النظام الرأسمالي العالمي ينتج تفاوتاً واستقطاباً وعلاقات غير متكافئة بين المركز والأطراف.. والخضوع لهذه المنظومة لا يلغي علاقة الهيمنة، إنه يزيل فقط مقاومة الطرف الخاضع لها.
فإن إضعاف قدرة المجتمعات على حماية مواردها وقرارها السياسي وقدرتها الإنتاجية ليس أثراً عرضياً للعنف الإمبريالي، وإنما يرتبط بإعادة إنتاج شروط الهيمنة والتراكم على المستوى العالمي.
لذلك فالسؤال ليس: الحرب أم السلام؟
بل: أي سلام؟ وتحت أي شروط؟ ومن يملك القرار والثروة والموارد؟
فالسلام الذي تُسلب فيه السيادة قد يكون مجرد الشكل الهادئ لاستمرار الهيمنة.
المقاومة باعتبارها إمكانية للحياة
هنا؛ لا ينبغي أن يتحول نقد “الانهزامية” إلى تمجيد رومانسي للحرب أو تجاهل كلفتها البشرية، فالمقاومة ليست قيمة لأنها تنتج الموت، بل لأنها تدافع عن إمكانية شعب في الحياة وتقرير مصيره بنفسه.
ولهذا تتعدد أشكالها: سياسية وشعبية واقتصادية وثقافية وقد تكون مسلحة في ظروف تاريخية محددة، والمقياس ليس عشق المواجهة، وإنما تحرير الإرادة الشعبية من علاقات الإخضاع.. فالاستقلال ليس علماً ونشيداً وحدوداً على الخريطة، الاستقلال الحقيقي يعني امتلاك المجتمع القدرة على تقرير نمط تنميته، والسيطرة على موارده، وتحديد علاقاته الخارجية، وبناء اقتصاده وفق حاجاته الاجتماعية.
ومن هنا تلتقي مسألة التحرر الوطني بمسألة التحرر الاجتماعي.. فلا يكفي التحرر من السيطرة الخارجية إذا ظلت البنية الداخلية تعيد إنتاج التبعية، مثلما يصعب بناء مشروع اجتماعي تحرري في بلد منزوع السيادة.
تحرير الوعي شرط لتحرير الإرادة
إذن؛ فإن المعركة الثقافية، ليست هامشاً من هوامش الصراع، بل إحدى ساحاته الأساسية، والمطلوب ليس استبدال “الثقافة الانهزامية” بثقافة شعاراتية تنكر الواقع، وإنما بناء ثقافة مقاومة نقدية، تعترف بالخسائر عندما تقع من دون تحويلها إلى قدر، وتدرس ميزان القوى من دون تأليهه، وتنقد أخطاء المقاومة من دون استخدام أخطائها ذريعة لتصفية قضية التحرر نفسها.
إن أخطر انتصار يمكن أن تحققه الإمبريالية ليس تدمير مدينة أو احتلال أرض فحسب، بل أن تجعل الشعب مقتنعاً بأن تحرره مستحيل، وأن تجعل المستغَل يدافع عن شروط استغلاله، وأن تجعل المهزوم يسخر ممن يحدثه عن النهوض.
وهنا تصبح المعركة على الوعي جزءاً من المعركة على السيادة نفسها.. فالتاريخ لم تصنعه الشعوب لأنها كانت دائماً أقوى من مضطهديها، وإنما لأنها استطاعت، في لحظات تاريخية حاسمة، أن تحول مقاومتها نفسها إلى قوة مادية تغيّر ميزان القوى.. أما “الثقافة الانهزامية” فتريد إنهاء المعركة قبل أن تبدأ.. تنتزع من الإنسان إمكانية تصور واقع مختلف، ثم تسمي هذا العجز “واقعية”!
ولهذا فإن الواقعية الحقيقية ليست أن ننكر قوة العدو، ولا أن نقلل من حجم التضحيات، بل أن نرى الواقع بكامل قسوته وتناقضاته، وأن ندرك في داخله أيضاً إمكانات تغييره.. فالتحرر لا يبدأ يوم يضعف المستعمِر بما يكفي لكي يسمح لنا بالتحرر، بل يبدأ يوم تكف الشعوب عن انتظار إذنه.

في ظل الترقب للانتخابات النصفية الأميركية، وسعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز أوراقها الخارجية قبيل الاستحقاقات السياسية اللاحقة، وفي خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما

يمرّ الوضع السياسي اللبناني بمرحلة شديدة الخطورة من جميع النواحي، في ظلّ العدوان الصهيوني المستمرّ والمتفاقم، المترافق مع التطوّرات الحاصلة على الصعيدين الدولي والإقليمي، ومع

يحيي الشعب الفلسطيني وشعوب العالم الحرة، في السابع من أكتوبر، مرور ثلاث سنوات على تفجر طوفان الأقصى، الذي تمكنت فيه ثلة من المقاتلين الفلسطينيين من

جعل ألبير كامو من “سيزيف” صورةً للإنسان الذي يدفع صخرته وهو يعرف أنها ستتدحرج من جديد، ظلّ التكرار قريناً للعبث، والاستمرار قريناً للتمرّد دون كلل



