“العَوالم الثَّلاثة مذكَّرات يهودي – عربي”

صدر عن منشورات “تكوين” كتاب: “العَوالم الثَّلاثة مذكَّرات يهودي – عربي” للكاتب آفي شلايم، ترجمة علي عبد الأمير صالح.

مقدِّمة

كيف تحولت مقولة وهوية «العربي اليهودي» من حقيقة واقعة، متّسقة مع ذاتها ومحيطها، لا جدال فيها، ولا على تاريخها العريق، إلى ما يظنّه الكثير اليوم طرفيْ نقيض، لا يجوز الجمع بينهما، بل قد يبدو مستحيلاً؟ 

في ١٢ أيلول ١٩٤٥، السنة التي ولد فيها كاتب هذه المذكّرات في بغداد، قدمت مجموعة من اليهود العراقيين الشيوعيين، طلباً إلى وزارة الداخلية لتأسيس «عصبة مكافحة الصهيونية في العراق» وكانت أوّل منظّمة لمكافحة الصهيونية في المنطقة. وضمّت: يهودا صدّيق، ويوسف هارون زلخة، ومسرور صالح قطّان، وإبراهيم ناجي، ويعقوب إسحق، ومير يعقوب كوهين، ويوسف زلوف. وما دفع مؤسسيها إلى المبادرة بتنظيم صفوفهم والبدء بالتوعية والنضال ضد الصهيونية هو إدراكهم الأخطار الكارثية المحدقة، لا بفلسطين وحدها فحسب، بل الأخطار التي تهدد وجود ومصير اليهود العراقيين وغيرهم في المنطقة، وما سيترتب من تبعات إذا تغلغلت الصهيونية وحققت أهدافها، فمعظم يهود العراق كانوا يرون أنفسهم عراقيين أولاً، كما يؤكد المؤلف، وكانوا يخشون عواقب إنشاء دولة يهودية. أصدرت العصبة الكراسات والكتب وعقدت الكثير من الاجتماعات والمؤتمرات وانضم إليها اليهود من مختلف أنحاء العراق وأصدرت صحيفة «العصبة». في ٢٨ حزيران ١٩٤٦ نظم حزب التحرّر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية مظاهرة احتجاجاً على الظلم في فلسطين. اعتدت الشرطة على المظاهرة فجرحت كثيرين وقتلت خمسة متظاهرين، من بينهم أحد أعضاء العصبة، شاؤول طويق (١٩٢٨-١٩٤٦) الذي كان طالباً، وهو أول شهيد شيوعي في العراق. صدرت أحكام بالسجن ضد أعضاء العصبة وقرار بحظرها.

يذكر شلايم أنه حين سأل والدته إن كان لديهم أصدقاء صهاينة، أجابته بحزم: «الصهيونية شيء أشكينازي، لا صلة له بنا». كان الهدف الأساسي للصهيونية على أرض فلسطين واضح المعالم وبُحّت الأصوات التي حذّرت من الكارثة التي حلّت في ١٩٤٨. حولت الصهيونية معظم الفلسطينيين إلى لاجئين واقتلعهم من أرضهم، لكنها، كما يذكر المؤلف أيضاً، حولت اليهود العرب بين ليلة وضحاها إلى أجانب وغرباء في بلادهم وماهت، أو كادت تماهي بين اليهودي/ـة والصهيوني/ـة. وفي العراق تحديداً، بعد أن فشلت الحركة الصهيونية في استمالة يهود العراق وإغرائهم بالهجرة إلى فلسطين -باستثناء أعداد ضئيلة- لجأت إلى أساليب إرهابية. فزرع عملاء الموساد في العراق القنابل وهاجموا المصالح والشركات التي كان يملكها اليهود العراقيون وأحد المعابد، لبثّ الرعب بينهم في ١٩٥٠-١٩٥١. ظلّ اليهود العراقيون عقوداً يحمّلون الصهاينة مسؤولية هذه الجرائم التي يوثقها شلايم بما لا يقبل الشك في فصلٍ أفرده لها في هذا الكتاب بعنوان «قنبلة بغداد». وتواطأ النظام الملكي الرجعي في العراق آنذاك في سنّ قوانين تضيّق الخناق على اليهود العراقيين وتشرّع وترسّخ التفرقة ضدهم لدفعهم إلى الهجرة، في عهد نوري السعيد (١٨٨٨-١٩٥٨)، الذي لا يفوّت الليبراليون العراقيون اليوم فرصة لتمجيده كرمز لنزاهة وانفتاح ووطنية العهد الملكي ورجاله وسياساته، ولكن يتطلب كل هذا إغفال سجل حافل بالجرائم، لا تسقط آثارها بالتقادم ولا بفداحة جرائم العهود التي تليها. وتلعب منصّات معروفة في منظومة الإعلام العربي السائد دوراً خبيثاً في تنزيه الملكيّات العراقية والمصريّة وشيطنة الأنظمة الجمهورية.

إن الصهيونية أيديولوجية أوروبية المنشأ والأفق ومركزها وبؤرتها الجمعية اليهودية الأوروبية حصراً. ولم يكن اليهود العرب، وغير الأوروبيين عموماً، على خارطتها، أو على سلم أولوياتها أصلاً، حتى إن استقدامهم فيما بعد إلى فلسطين كان أداتيًّاً بحتاً وللحاجة إلى رأسمال بشري. وكان هناك امتعاضٌ وتردّدٌ في الجدالات التي تنضح عنصرية بين النخب الصهيونية الأشكنازية من عواقب استقدام يهود شرقيين يرون على أنّهم سيجلبون معهم التخلّف والأمراض. يظل الجرح الأعمق في ذاكرة اليهود العراقيين الجمعية، بعد تهجيرهم، هو قيام السلطات في “إسرائيل” برشهم بالمبيدات بعد هبوط الطائرات التي كانت تقلهم من العراق. 

كان آڤي شلايم، مؤلف هذا الكتاب المهمّ، طفلاً في الخامسة من عمره، حين هاجرت عائلته إلى فلسطين. ولم يكن اسمه «آڤي»، آنذاك، بل «أبراهام». لقد دفع اليهود العراقيون والعرب والشرقيون عموماً، أثماناً باهظة بعد نزوحهم إلى “إسرائيل”. فإضافة إلى خسارة وطنهم وبيوتهم وممتلكاتهم، كان عليهم أن يتأقلموا مع مجتمع عنصري تحكمه تراتبية تتربع على قمتها الثقافة الأوروبية التي تزدري ثقافتهم وعاداتهم وطقوسهم. كانت ضريبة الاندماج والانتماء هي الانسلاخ الثقافي المؤلم، الذي يبدأ بتغيير الأسماء، ويتطلّب فقدان الذاكرة أو طمسها وإسكات أصواتها، وتمثّل قيم المجتمع الجديد. التمثّل الذي قد يصل أحياناً إلى كره الذات والشعور بالعار والتنصل من ماضٍ يتعارض مع السردية الصهيونية الأوروبية التي تُهيكل الأسطورة القومية وإنكاره. فلم تكن هذه البلاد المسروقة «فردوساً موعوداً» لليهود العرب والشرقيين، كما هي للأوروبيين الهاربين من محرقة، ومن غربٍ ظَلَّ يكرههم ويلاحقهم بشراسة وصدّر عنصريته إلى بلادنا وثقافتنا التي يُسقِط عليها اليوم عنصريته المتجذّرة. أجبر معظم اليهود العراقيين على ترك «جنّة مال الله» وراءهم. ولم يسمح لهم بأن يحملوا معهم من تلك الجنة إلا الحقائب. لكنهم حملوا ذاكرتهم وتاريخهم وهناك من حافظ عليه وحماه مما قد يشوهه أو يطمسه.

آڤي شلايم هو من المؤرخين الجدد الذين ظهروا في “إسرائيل” ومن أهم وألمع مؤرخي الشرق الأوسط عموماً وفي سجلّه العديد من الدراسات الرصينة والمتميّزة. في «ثلاثة عوالم» الذي بين أيدينا، يعود هذا المؤرخ البارع الذي أمضى عمراً ينقّب في الأراشيف والوثائق، يشكّك في السرديّات السائدة، يعود إلى بغداد، ليصطحب الطفل الذي كانه، وأفراد عائلته، ويقتفي خطاهم في خروجهم القسري الأليم من المدينة التي عاشوا فيها حياة مترفة وهانئة. يستعيد شلايم الماضي الشخصي والعائلي بدقة وحرص المؤرخ، ويضعه في سياق تاريخي واجتماعي أوسع لا يغفل تأثير الانحدار الطبقي، سلباً وإيجاباً. لكن ما يميّز هذه المذكّرات هي الحساسية والمكاشفة التي لا تهادن، سواء فيما يخص الصعوبات التي واجهتها العائلة، أو تلك التي واجهها الكاتب في طفولته، وعلاقته المعقدة بأبيه الذي آثر الصمت ولم يُشفَ من غربته واقتلاعه. لا يخفي شلايم تأثره في شبابه بشتّى الضغوط المجتمعية والسياسية وانجذابه المؤقت لليمين الصهيوني، ويستعيد التحولات التي طرأت على قناعاته وخياراته السياسية التي انتهى بها الأمر على الضفة الأخرى من الصهيونية والأساطير المؤسِّسة لإسرائيل، لم يتردد في تصنيفها كمشروع استيطاني استعماري ودولة نظام تفرقة عنصرية. استعاد شلايم هويته وكينونته عربيًّاً يهوديًّاً، يفتخر بجذوره وبثقافة غنية وماضٍ عراقيٍّ تُمدِّنا إشراقاته بنور قد يضيء السبيل والمسرى.  

صدر هذا الكتاب بالإنجليزية قبل أشهر من الحرب الأخيرة على غزة. ويصدر اليوم بترجمة عربية بعد أن أزهقت آلة الحرب الصهيونية أرواح عشرات الآلاف من الفلسطينيين ودمّرت مقومات الحياة في غزّة. ولم يكن مفاجئاً أن يؤكد شلايم في أكثر من محفل ومناسبة أنها ليست حرباً بين حماس و”إسرائيل”، بل حرب كبرى يشنها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، المدعوم من قبل الإمبريالية الأمريكية، ضد الشعب الفلسطيني. ويؤكد على أن الواجب الأخلاقي يحتم عليه أن يندد بالإبادة ويقف مع الفلسطينيين ويتضامن معهم في نضالهم من أجل الكرامة والحرية والاستقلال.

(د.سنان أنطون، شاعر وروائي عراقي)

نيويورك في ١٧ حزيران ٢٠٢٤

مكتبة ومنشورات تكوين

Author

  • منشورات تكوين

    دار نشر تأسست عام 2017، مقرها الكويت والعراق، متخصصة في نشر الكتب الأدبية والفكرية تأليفاً وترجمة.

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

غاستون باشلار فلسفة الرفض والديالكيتك والقطيعة الابيستيمولوجية.. مقاربة نقدية

القطيعة الابيستيمولوجية ليست محض تاريخ أفكار، بل هي علاقة اتصال- انفصال مادي ديالكتيكي، أي وحدة أضداد، تُظهِر أن تاريخ العلم هو حركة اتصال- انفصال ديالكتيكية بين الصواب والخطأ.

طوفان الوعي: تحليل خطاب الهزيمة

إنَّ الهزيمة التي يتحدثون عنها هي مجرّد خطاب وليست واقعاً، بينما شاهدنا المادي على النصر أننا نستطيع أن نراه لا أن نتخيله، في بنية المقاومة السياسية والعسكرية وحاضنتها الاجتماعية في الساحات وفي المشاهد التاريخية لعودة النازحين إلى شمال غزة.

في الأسس النظرية لتمييز مفهوم الصراع الطبقي في مجتمعاتنا العربية 

إنَّ تركز الهجوم على مفهوم الصراع الطبقي، لنفيه بالوهم، هو في أسه سعي لنزع عصب النظرية الماركسية – اللينينية، نظرية التحرر الوطني والثورة، سعي لتشويه الوعي الثوري وحامله الطبقة العاملة حفَّارة قبر النظام الرأسمالي العالمي، لتأبيد علاقات الإنتاج الكولونيالية التبعية.

عشر محطات ثقافية تاريخية عراقية – كويتية

عند تناول العلاقات العراقية – الكويتية، فإنّ الاهتمام ينصرف غالباً نحو المشكلات الحدودية والأزمات السياسية والأعمال الحربية، ولكني هنا سأركّز على البعد الثقافي التاريخي للعلاقات بين البلدين الجارين والشعبين الشقيقين، واخترت كنقطة بداية أواسط عقد عشرينات القرن العشرين لارتباطها من جهة بتأسيس الدولة العراقية الحديثة، ولارتباطها من جهة أخرى بانطلاق الحركات الإصلاحية في الكويت في ذلك الوقت.