بين “عربات جدعون” و”حجارة داوود” .. الميدان قبل طاولة المفاوضات

-+=

تتواصل المفاوضات لوقف العدوان وحرب الإبادة والتجويع، ورغم تصريحات ترامب ومبعوثه ويتكوف السلبية والتي تعكس موقف العدو لاستمرار العدوان والالتفاف على الجهود المبذولة بالتهديد بالانسحاب المتكرر من المفاوضات إلا أن فصائل المقاومة قدمت ردها الأخير عبر الوسطاء للتوصل إلى اتفاق في مسعى لتخفيف معاناة شعبنا على طريق إنهاء الحرب والعدوان.

ويستغل نتنياهو المفاوضات الحالية ضمن إطار مجريات المعركة بإدارة التوحش والإجرام بحيث يريدها مكملة لحرب الإبادة الشاملة التي تشن على قطاع غزة، وبما يتوافق مع رؤية القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية لإيهام الجمهور الإسرائيلي وامتصاص غضب ذوي الأسرى الصهاينة بأن العملية تحقق الانتصار الشامل والساحق ضد قوى المقاومة بغزة، خاصة بعد أن فشلت حملة “عربات جدعون” التي انطلقت في مطلع أيار / مايو 2025، وباستدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط بهدف تحقيق حسم عسكري وسياسي في قطاع غزة. الأمر الذي استدعى رئيس الأركان لأن يكذب على جمهور المستوطنين بقوله إن “الحرب حققت أهدافها وأن الصفقة المنتظرة هي نتيجة تضحيات قواته”. منكراً حقيقة أن الصفقة المنتظرة هي نتيجة الخسائر الهائلة في صفوف قوات الاحتلال حيث تبين بعد مرور أكثر من شهرين على بدء هذه العملية أن قوى المقاومة الفلسطينية استطاعت إدخال قوات الاحتلال بحالة استنزاف حادة وإيقاع عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوفه وتدمير معدات ثقيلة ضمن عملية “حجارة داوود” التي أطلقتها المقاومة رداً على “عربات جدعون”. كل هذه المواجهات تمت بوجود مفاوضات سياسية وأمنية في القاهرة والدوحة لوضع حد لهذه الحرب، لذلك تجري حرب الاستنزاف “الكمائنية” التي أطلقتها المقاومة في أجواء تفاوضية ربما تجبر العدو على التسليم بشروطها لأي صفقة.

وأمام هذا العدوان الوحشي وحرب المجاعة التي تحدث أمام أعين العالم واستشهاد مئات الأطفال تجويعاً وقهراً فإن الآمال معقودة على أن تفضي المفاوضات إلى وقف إطلاق النار ومن الملاحظ أن المقاومة تبدي مرونة نحو الكثير من النقاط من أجل وقف العدوان، لكن نحن أمام عدو يريد أن يمارس الهدنة لمدة محدودة دون إعطاء أي ضمانات أو تعهد لوقف إطلاق النار بعد هدنة الـ 60 يوماً، خاصة أن التطورات الأخيرة تفيد أن هنالك وقفة أمام خرائط جديدة فيما يتعلق بنقاط لم يحسم أمرها حتى اللحظة وهذا تبرير ممجوج من العدو لأخذ المشهد إلى مربع آخر بهدف وضع عقبات أمام إمكانية أي حل.

المقاومة تمتلك زمام المبادرة وصمود تاريخي للشعب الفلسطيني

أنباء كثيرة أكدت على حدوث لقاءات وحديث عن نتائج مؤكدة لإبرام اتفاق برعاية أميركية ووساطة مصرية وقطرية وعلى أساس أن الحلول قريبة جداً، ولكن “إسرائيل” تريد البقاء في رفح وإنشاء ما يسمى (مدينة إنسانية) تستوعب نحو 600 ألف نازح من القطاع وهي شكل من أشكال الغيتو، هذا الأمر يستحيل أن توافق عليه المقاومة ومن البديهي أن يذهب نتنياهو إلى مثل هذه التبريرات لإطالة أمد الحرب، وبالتالي فإن العقبة الأساسية للوصول إلى توقف إطلاق النار هو تموضع جيش الاحتلال داخل قطاع غزة. والقاعدة المتعارف عليها تقول كلما زاد الاحتلال توغلاً وتوحشاً فإن المقاومة ستبقى ولن يستطيع نتنياهو، أو غيره، إنهائها والدليل على ذلك صمود الشعب الفلسطيني ما يقارب الـ 700 يوم في ملحمة من الصمود والثبات قل نظيرها تاريخياً، وبعد أن تراجع العدو عن صفقة يناير (كانون الثاني) لتبادل الأسرى رتبت المقاومة أوراقها وأعادت تشكيلاتها وضخت ميدان المعركة بمقاتلين جدد متمرسين على القتال والمواجهة من النقطة صفر، وفاجأت العدو بكمائن بطولية في شمال غزة والشجاعية وجباليا وعبسان الكبيرة وغيرها وباعتراف الجيش الإسرائيلي مؤخراً بأننا “لم نعد نمتلك زمام المبادرة في ميدان المعركة، نحن جيش ضائع بين الركام”. كما حصل في كمين بيت حانون بتاريخ (12/7/2025)، الذي أدى إلى مقتل خمسة جنود صهاينة وإصابة (15) بجروح خطيرة، ووصفه المراقبون العسكريون بأنه بمثابة (7) أكتوبر آخر. وبالتالي فإن جوهر التفاوض يقوم أساساً على ورقة صمود الشعب الفلسطيني الذي يمتلك إلى اللحظة إفشال مخطط نتنياهو في تحقيق النصر المزعوم منذ نحو عامين، وهذا الذي يفسر عدم تمكن الجيش الإسرائيلي حتى اللحظة من القضاء على المقاومة. وتالياً فإن ما يجري في الميدان من عمليات نوعية يفرض ظلاله على جولات المفاوضات التي فاقت 16 جولة مما يعزز عزيمة المفاوض الفلسطيني، في فرض شروطه وعدم التنازل والمساومة على أساسيات إطار وقف إطلاق النار. كما يحد من المراوغة الإسرائيلية، ومحاولة فرض شروط إذعان مدعومة أميركياً.

من الواضح أن نتنياهو يدير المفاوضات كجزء من إدارة المعركة وإدارة هولوكوست التجويع لامتصاص نقمة أهالي الأسرى الصهاينة لدى المقاومة بمعنى إضفاء انطباع بأنه لا يوفر جهداً من أجلهم وبذات الوقت يريد أن يقنع المجتمع الدولي بعدم جدوى المطالبة بمعاقبة “إسرائيل” التي تمارس التعذيب والقتل وتحاصر أهل القطاع وتمارس بحقهم حرب المجاعة والإبادة.

ومع هذا فإن الأفق الإقليمي والدولي أصبح اليوم أكثر قناعة بأن ما يجري في غزة هو حرب إبادة وتجويع منظم الهدف منه الإجهاز على كل مقومات الحياة في غزة. فقد صدر الكثير من البيانات والمواقف الدولية التي دعت جميعها لوقف هذه الحرب وخاصة بيان العشرين. بالإضافة إلى ما صدر عن المنظمات الدولية ذات الطابع الإنساني ومنظمات الأمم المتحدة التي أجمعت على أن ما يجري في غزة يعد بمثابة حرب غير أخلاقية والسؤال هنا إلى أي مدى يمكن أن تتحمل الإنسانية هذه الجريمة التي ترقى إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ؟

أمام هذا المشهد دخلت “إسرائيل” في أزمة عميقة عنوانها “اليوم التالي” في ظل عدم القدرة حتى هذا الوقت على ترجمة “انتصاراتها” العسكرية المزعومة على كل الجبهات التي خاضتها طوال عامين وأصبحت اليوم أمام استحقاقات دولية غير قادرة على التفلت منها. حتى الغرب الداعم لحكومة نتنياهو لا يستطيع إعلان موافقته على كل ما يجري وبدأ يتبرأ من السلوك الإجرامي لكيان الاحتلال، ورداً على هذه المواقف بدأت حكومة نتنياهو تتعامل بردة فعل انتقامية منتهكة القوانين والقرارات الدولية وذلك بتأييد الكنيست الإسرائيلي مقترحاً يقضي بضم الضفة الغربية، بأغلبية 71 نائباً من إجمالي 120، في خطوة تظهر النوايا العدوانية من سرقة للأراضي وتوسيع للاستيطان والتي يتبناها فعلياً وزراء متطرفون في حكومة نتنياهو بينهم سموتريتش الذي أعلن سابقاً أن “2025 عام فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة”، وانتقدت المعارضة الصهيونية هذا الإعلان وقالت بأن “الهدف منه هو التغطية على فشل حكومة بنيامين نتنياهو الدموية على كافة الصعد، والتستر على فشلها في إدارة الحرب على غزة”.

وعلى الصعيد الداخلي الصهيوني هنالك شبه إجماع على أن “عربات جدعون” لم تستطع تحقيق أهدافها مما يشير إلى أن المقاومة حافظت على إيقاعها في ظل فائض القوة لدى الاحتلال الذي لم يستطع أن يحقق إنجازات فعلية، وبالتالي سقطت مقولتهم التي تدعي إن “ما لا يمكن تحقيقه بالقوة يمكن تحقيقه بالقوة”، بل بالعكس فإن هذه القوة والمزيد منها ارتد على كيان الاحتلال والكثير من المظاهر التي يتكلم عليها تفسر أن العنف الممارس في كل الساحات قد بدأ بالارتداد إلى المجتمع الصهيوني ويمكن رصده من حوادث القتل والانتحار والكشف عن آلاف الجنود الذين يتم الاعتراف بهم أنهم مصابين نفسياً وجسدياً بسبب الحرب، ويضاف أيضاً التقارير التي تتحدث على أن جيش الاحتلال قد بدأ يفقد القدرة على الجاهزية وأن التعب الفعلي قد استشرى في بنية أفراده ومؤسساته. وضمن هذا السياق صرحت “القناة 12” الإسرائيلية (22/7/2025)، بأن عدد الجرحى في صفوف قوات الاحتلال بلغ أكثر من 18.500 منذ بدء العدوان على قطاع غزة، بينهم 12.500 أُصيبوا بجروح جسدية، فيما يعاني أكثر من 10.000 آخرين من صدمات نفسية واضطرابات ما بعد الصدمة. وأظهرت البيانات أن 65% من الجرحى هم من قوات الاحتياط، و18% من الجيش النظامي، و10% من عناصر الشرطة وقوات الأمن، و7% من عناصر الخدمة الدائمة، فيما شكّلت النساء 7% من إجمالي الجرحى. وارتفعت نسبة من يطالبون بوقف الحرب إلى 77 % وفقاً لاستطلاعات الرأي. وحتى أكذوبة “الجيش الأخلاقي” قد سقطت هي الأخرى بعيون المجتمع الصهيوني، وربما الأشهر القادمة تكشف عن نهايات دراماتيكية تحمل في طياتها علامات نصر لشعب مكلوم في مواجهة أعتى جيوش المنطقة المدعوم من كل قوى الشر في العالم.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

العدوان الصهيوني عام 1982 على لبنان: الأهداف الحقيقية التي أفشلتها جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية

في ظل ما يجري من تجدد العدوان، وإن تغيرت وجوه المعتدين، فإن الشعب اللبناني، الذي طالما رفض الذل والعدوان، يتمسك أكثر من أي وقت مضى بحقه في مقاومة العدوان والاحتلال. لأن المقاومة الوطنية هي الحل الوحيد للحفاظ على تراب الوطن وكرامة الشعب.