
بيروت وسكانها.. والوحوش المصفحة
الكتابة هي فعل مقاوم يمارسه المثقفون الثوريون ضد الاحتلال وفي نضالهم الطبقي ضد الاستغلال والظلم من أجل التغيير الديمقراطي الثوري، فيلتحم في نتاجهم الثقافي فعل
” الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بمسافة الثورة “
(ناجي العلي)
رسم ناجي العلي فلسطين القضية ومقاومة العدو الصهيوني، رسم معهما معاناة الشعوب العربية والقمع والصراع الطبقي ضد الاستغلال، رسم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين ومعاناتهم في مخيمات الشتات، فكانت رسوماته لوحات كاريكاتيرية لاذعة صادقة هي لسان حال الثوار والموقف الثوري الرافض للظلم وللاحتلال. ناجي العلي صاحب الموقف الثوري بالقول والممارسة السياسية اليومية وفي رسومات الكاريكاتير لا يهادن ولا يجامل، فريشته بوصلتها فلسطين والحق في تحريرها من الاحتلال بالمقاومة.
ولد ناجي سليم حسين العلي عام ١٩٣٧ في قرية الشجرة في الجليل. وفي عام ١٩٤٨، النكبة، عام تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، نزح ناجي مع عائلته إلى جنوب لبنان، إلى مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا، وعاش فيه.
تلقى تعليمه الابتدائي بمدارس لبنان ولكنه لم يستطع إكمال دراسته بسبب الفقر فتعلم صنعة ميكانيك السيارات وعمل بورشة ميكانيك في مدينة طرابلس شمال لبنان.
التحق في عام ١٩٦١ بالأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة التي درس فيها الرسم لمدة عام واحد فقط، حيث لم يستطع إتمام دراسته.
في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين كان لقاء المصادفة بين أديب الثورة الفلسطينية غسان كنفاني وريشة القضية الفلسطينية والثورة ناجي العلي، وذلك خلال زيارة غسان لمعرض للرسم في المخيم، من ضمن مهرجان سياسي، شاهد غسان في معرض الرسم لوحات ناجي العلي وأبدى اعجابه بها وتحمسه لها، ونشر لوحة لناجي تحكي، بالريشة، معاناة اللاجئين الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم فلسطين عبَّر عن ذلك ناجي العلي برسمه لخيمة على شكل هرم تخرج منها قبضة تطالب بالثأر تحمل راية التصميم على النصر. هي اللوحة التي نشرت في مجلة “الحرية” العدد ٨٨، ٢٥ أيلول/ سبتمبر ١٩٦١. كتب غسان كنفاني عن تلك اللوحة: “وصديقنا الفنان ناجي، لا يجد خيراً من الكاريكاتير ليعبر عما يرتجف في نفسه، وقد لا يعلم – ناجي نفسه – أن الحدة التي تتسم بها خطوطه، وأن قساوة اللون الراعبة، وأن الانصباب في موضوع معين يدلل على كل ما يجيش في صدره بشكل أكثر من كاف (…). وهو يحمل إلينا قصة فلسطين، لا ما حدث منها، ولكن ما يجب أن يحدث، لكي يعود الذين شردوا من ديارهم إلى خير الأرض والوطن”. وبدأت رحلة ناجي العلي في عالم الصحافة والرسم.
عمل ناجي العلي في صحف بالكويت “الطليعة”، و”القبس”، و”السياسة الكويتية”، وفي بيروت عمل في صحيفة “السفير”.
بعد أن غادر ناجي العلي الكويت لجأ إلى بريطانيا وعمل في “القبس الدولية” بلندن. عرَّف ناجي نفسه بقوله: “أنا أرسم لفلسطين”، وواجه التهديدات التي تعرض لها بمزيد من العنفوان النابع من القضية فلسطين وثبات الموقف الثوري، ورد على التهديدات: “لو ذوّبوا يدي بالأسيد سأرسم بأصبع رجلي”.
في ٢٢ حزيران / يوليو عام ١٩٨٧ اغتيل ناجي العلي في لندن بإطلاق الرصاص عليه، ودخل في غيبوبة لأكثر من شهر، واستشهد في ٢٩ تموز/ يوليو ١٩٨٧. دفن في لندن خلافاً لوصيته بأن يدفن إلى جانب والده في مخيم عين الحلوة.
ترك الشهيد ناجي العلي أكثر من ٤٠ ألف رسم كاريكاتيري هي قضية فلسطين والمقاومة… قضية الشعوب العربية… قضية أحرار العالم في جميع جهات الكوكب.
حكاية ولادة حنظلة
في عام ١٩٦٩ ولِّدَ حنظلة الشخصية التي وقَّع فيها ناجي العلي رسوماته وذلك عندما كان يعمل في صحيفة “السياسة الكويتية”. حنظلة ظهره إلى العالم ووجهه إلى حيث يجب أن يكون نحو فلسطين، يعقد يديه خلف ظهره ليعبر عن تمسكه بفلسطين، والمبادئ الثورية والإصرار على مواجهة جميع أشكال المساومة على القضية المركزية فلسطين، حنظلة حافي القدمين… ثيابه مرقعة… فهو ابن مخيمات اللجوء جذور موقفه نابعة منها يستمد منها القوة والعزيمة والإيمان بالقضية ليرسمها بريشته من دون مواربة ولا مهادنة.
يقول ناجي العلي: “ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائماً في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء”.
“عزيزي القارئ:
اسمح لي أن أقدم لك نفسي.. أنا أعوذ بالله من كلمة أنا.. اسمي حنظلة. اسم أبي مش ضروري. أمي اسمها نكبة. وأختي الصغيرة. نُمرة رجلي ما بعرف لإني دائماً حافي. ولدت في 5 حزيران 1967… جنسيتي… أنا مش فلسطيني مش أردني مش كويتي مش لبناني مش مصري مش حدا. إلخ… باختصار معيش هوية ولا ناوي أتجنّس. محسوبك عربي وبس. التقيت صدفة بالرسام ناجي. كاره شغله لأنه مش عارف يرسم. وشرح لي الأسباب.. وكيف كل ما رسم عن البلد السفارة بتحتج. والارشاد والأنباء بتنذر. بيرسم عن علتان شرحه. قللي الناس كلها أوادم. صاروا ملايكه. والأمور ما فيش أحسن من هيك. وبهالحاله عن شو بدي أرسم. بدي أعيش. وناوي يشوف شغله غير هالشغله. قلت له انت شخص جبان وبتهرب من المعركة. وقسيت عليه بالكلام. وبعد ما طيّبت خاطره وعرّفتو عن نفسي وإني إنسان عربي واعي بعرف كل اللغات وبحكي كل اللهجات. معاشر كل الناس المليح والعاطل والآدمي والأزعر وبتاع البتاع.. اللّي بيشتغلوا مزبوط واللّي هيك هيك. ورحت الأغوار وبعرف مين بيقاتل ومين بيطلّع بلاغات بسْ. وقلت له إني مستعد أرسم عنه الكاريكاتير كل يوم وفهّمته إني ما بخاف من حدا غير من الله. واللي بدو يزعل يروح يبلط البحر. وقلت له عن اللّي بيفكروا بالكنديشن والسيارات وشو بيطبخو أكثر مما يفكروا بفلسطين.
ويا عزيزي القارئ:
أنا آسف لإني طوّلت عليك… وما تظن إني تعمدت هالشي عشان أعبّي هالمساحة وإني بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن صديقي الرسام أشكرك على طول وبَسْ… وإلى اللقاء غداً… وبتاع”.
التوقيع: حنظلة.
وسيبقى ظهر حنظلة إلى العالم ووجهه نحو فلسطين… وسيبقى في العاشرة من عمره… ما دامت فلسطين محتلة… ونحن سنبقى في عمره نقاوم العدو الصهيوني لتحرير كامل التراب الفلسطيني من المي للمي عندها يبدأ عمر حنظلة ويكبر على أرض فلسطين المحررة كاملة من الاحتلال الصهيوني ونكبر معه.
الكتابة هي فعل مقاوم يمارسه المثقفون الثوريون ضد الاحتلال وفي نضالهم الطبقي ضد الاستغلال والظلم من أجل التغيير الديمقراطي الثوري، فيلتحم في نتاجهم الثقافي فعل
تحية إلى الروائي اليساري الثوري صنع الله إبراهيم حامل هموم الشعب والفقراء ورافع قضية مقاومة العدو الصهيوني
في الثاني من أغسطس العام 1990 أقدم نظام صدام حسين البائد على غزو الكويت واحتلاله البغيض لوطننا، واجه الشعب الكويتي الغزو الغاشم بعصيان مدني ومقاومة شعبية مسلحة، شارك فيها مختلف أطياف الشعب الكويتي، وكان للتقدميين الكويتيين واليساريين مساهمتهم فيها إلى جانب أبناء شعبهم
كنفاني لم ينتج فكراً يخص جزءاً من الشعب الفلسطيني أو العربي أو يخص بعض مكوناته، بل كانت أفكاراً لكل الفلسطينيين ولكل الأحرار في العالم