فيكتور جارا شهيد الفن الثوري والقضية الوطنية

-+=

فيكتور جارا الشعر، الأغنية، اللحن، الغيتار… حكى في أعماله قضايا الناس الفقراء وهمومهم… حمل بالأغنية والموقف مع الثوار راية الثورة على الظلم والقمع والديكتاتورية والتبعية للنظام الرأسمالي – الامبريالي العالمي… وسار في درب الجلجلة درب التقدم والحرية والعدالة والتحرّر…

ولدَ المغني التشيلي فيكتور جارا في 28 أيلول/ سبتمبر عام 1932، في قرية “لونكون” التي تبعد 50 ميلاً عن سانتياغو العاصمة التشيلية، ونشأ فيها. رافق في طفولته أمه وهي تحصد الذرة وتغني وتعزف على الغيتار، ورافق والده في الحقول وحرث الأرض… كانت والدته محور العائلة والاهتمام بها… تعمل لتؤمن لأطفالها الحياة. انتقلت عائلة جارا إلى العاصمة سانتياغو لعلاج شقيقته التي احترق جسدها أثناء إعداد الطعام لإخوتها وبقيت في المستشفى لمدة عام. وقررت الأم البقاء في العاصمة والعمل فيها، وإلتحق جارا بالمدرسة الكاثوليكية. وهو في سن الـ 15 توفيت والدته وهي تعمل… حادثة وفاتها تركت حزناً عميقاً داخل جارا. وتمكن، من إنهاء تعليمه إلى أن أصبح أستاذاً في قسم المسرح بجامعة سانتياغو وأصبح المغني الثوري. لحَّن جارا قصائد الشاعر الثوري التشيلي بابلو نيرودا.

مجزرة سبتمبر

انتخب الشعب التشيلي الرئيس اليساري سلفادور أليندي وهو حدث ديمقراطي أزعج رأس حربة النظام الرأسمالي العالمي الإمبريالي الولايات المتحدة الأميركية فدعمت وكالة الاستخبارات الأميركية انقلاب الدكتاتور أوغستو بينوشيه على الرئيس أليندي الذي حوصر في قصر الرئاسة “لامونيدا”… واجه أليندي الحصار والقصف بالطائرات بصمود استمده من إرادة الشعب التشيلي الذي انتخبه رئيساً… وعبر عن ذلك بقوله الشهير “نحن نملك التاريخ.. والشعب يصنع التاريخ”… رفض الاستسلام لديكتاتورية بينوشيه الانقلابية قاومها حتى آخر لحظة وسقط واقفاً في 11 أيلول/ سبتمبر 1973 دفاعاً عن تشيلي الحرَّة.. المستقلة… تشيلي العدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية.

على اثر نجاح انقلاب بينوشيه الدموي، بدعم أميركي، على الرئيس سلفادور أليندي قامت قوى الانقلاب بارتكاب مجازر ضد الديمقراطيين، وضد الشيوعيين، وضد الأغنية الثورية ومن شهدائها فيكتور جارا أحد أبرز الرموز الوطنية التقدمية الثورية للشعب التشيلي.

أقدمت قوى الانقلاب في تشيلي على اعتقال الآلاف من أنصار جبهة الوحدة الشعبية بقيادة الرئيس أليندي والشيوعيين والطلاب. ففي إستاد العاصمة سانتياغو تم اعتقال أكثر من خمسة آلاف من بينهم فيكتور جارا الذي اعتقل في 11 سبتمبر العام 1973 واقتيد إلى الإستاد الرياضي الذي تعرض فيه لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل… كسرت أصابعه وأعطوه غيتاره وقال له الضابط/ الجلاد: “اعزف الآن إن استطعت يا فكتور جارا”… فكان ردّ جارا أن خرجت من بين شفتيه الداميتين الممزقتين، بسبب التعذيب الوحشي، كلمات أغنيته الشهيرة “سننتصر” وهي الأغنية التي كانت تذاع خلال الحملة الانتخابية للرئيس سلفادور أليندي التي حصلت عام 1970 الذي دعمه جارا. 

أنشد جارا كلمات أغنيته/ النشيد “سننتصر” متحدياً السجّان. وفي مكان اعتقاله وتحت التعذيب الوحشي كتب الشهيد فيكتور جارا في السادس عشر من أيلول / سبتمبر 1973 كلمات أغنيته الأخيرة “إستاديو تشيلي” (ملعب تشيلي)، التي هُربت إلى خارج الإستاد/ المعتقل ومن كلمات بعض مقاطعها:

عيوننا تحدق إلى الموت

أنا أعيش لحظات لا نهائية

حيث الصمت والصراخ صدى غنائي 

وفي مقطع آخر من الأغنية:

كم هو عسير أن أشدو عندما اضطر للغناء 

من فرط الرعب الذي أعيشه. 

رعب أموت في غماره

وبعد ساعتَيْن من كتابته لكلمات أغنيته الأخيرة، أغنية العذابات التي تعرض لها مع جميع المعتقلين السياسيين على يد جيش الديكتاتور بينوشيه، أُطلق الرصاص على فيكتور جارا، ولم يتوقف الإجرام عند حد إطلاق رصاصة واحدة على جارا بل مزقوا جسده بإطلاق أكثر من أربعين رصاصة عليه، من بينها رصاصة في الرأس. وألقوا جسده الممزق في أحد شوارع العاصمة سانتياغو. وهناك تعرف أحد الأشخاص عليه وأخذ جثمانه في الخفاء إلى زوجته جوان خوان وسُمح لها بدفنها ولكن منعوها من الإعلان عن استشهاده، وكتب على ضريحه “نحو النصر”. وقد عمدت سلطات حكم بينوشيه على منع إذاعة خبر وفاة جارا، والتعتيم على المجازر التي ارتكبتها بحق المعتقلين السياسيين. 

“سننتصر… سننتصر”

… وانتصر فيكتور جارا على الجلاد وعلى الديكتاتورية لأنه كان لسان حال الشعب والفقراء والثوار… الشعب الذي حمل قضية جارا وكرَّمه، وكرم ضحايا الحكم الديكتاتوري في تشيلي، ففي عام 2003 أصبح اسم “ملعب تشيلي” “ملعب فيكتور جارا”. وفي عام 2009، وبعد إجراء تحقيقات جديدة بشأن استشهاد جارا، أُعيد دفن جثمانه في جنازة شعبية كبيرة شارك فيها الآلاف من المواطنين التشيليين. وبفضل نضال زوجته جوان جارا من أجل تحقيق العدالة وإصرارها على متابعة قضية زوجها قضت محكمة مدنية في ولاية فلوريدا الأميركية عام 2016 بمسؤولية الضابط السابق في الجيش التشيلي بيدرو بارّينتوس عن مقتل فيكتور جارا، إضافة إلى إدانة ثمانية ضباط بالضلوع في الجريمة، وعقب صدور الحكم قالت جوان جارا: “أنا واحدة من المحظوظات، فلا يزال الكثيرون هنا في تشيلي لا يعلمون مصير أحبائهم، وهذا هو المصير الأسوأ”.

لقد مثّل نتاج فيكتور جارا الفني أحد أبرز أشكال الفن الثوري الملتزم قضية الثورة من أجل العدالة والحق في مواجهة الاستعمار والاحتلال، على النقيض من طروحات “الفن للفن” التي تسعى لإظهار “الفن” وكأنه خارج الواقع وتناقضاته، وهو ما انتقده جارا بقوله “لقد سئمنا الموسيقى التي لا تعالج قضايانا، التي ترفه عنّا للحظة عابرة، ثم تتركنا خاوين من الداخل”. وأضاف: “لقد شرعنا في خلق نوع جديد من الأغنيات؛ التي وُلِدَت من رحم الضرورة المطلقة”… ضرورة التحامها بالواقع وتناقضاته وموقعها فيه لتنشد معنى الانتماء إلى قضايا التحرر الوطني ومقاومة الاحتلال. فيكتور جارا غنى للثائر الأممي أرنستو تشي غيفارا… لفيتنام الثورة على الاستعمار والانتصار عليه… غنى للثورة… للطبقة العاملة… للأرض… للحب… غنى الوطن…

فيكتور جارا “سننتصر … سننتصر” ويبقى الغيتار مع الكلمة والأغنية إلى جانب البندقية في مقاومة الاحتلال والمشاريع الامبريالية الاستعمارية… 

فيكتور جارا تحية ووردة حمراء

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

مئة عام.. وعام… الحزب الشيوعي السوري الموحد في ذكرى تأسيسه يتابع نضاله من أجل الوطن.. والشعب

مئة عام.. وعام مرّت على تأسيس الحزب الشيوعي السوري، حزب الوطن.. حزب العمال والفلاحين.. حزب الجلاء والاستقلال.. والخبز والدفاع عن طموحات الشعب السوري بوطن حرّ ديمقراطي علماني.. وشعب سعيد