شهادةٌ لها معانٍ

-+=

في لحظةٍ تاريخيةٍ مظلمة، حين كانت الإمبريالية في ذروة سطوتها، وحين بدت حركة التاريخ وكأنها تُساق قسراً إلى استسلامٍ شامل، وحين ارتفعت رايات الخضوع في عواصم الذل والعار، خرج من عمق التهميش رجلٌ استثنائي حمل ملامح القديسين وصلابة المحاربين.. انبلج نور سيد شهداء الأمة، نصيراً للحق في زمن عزَّ فيه النصير، وصدح بصوتٍ صادقٍ يجلجل بالرفض حين استسلمت وخمدت الأرواح.

كان المشهد قاتماً.. قوى التحرر في انحسار، الليبرالية الغربية تسوّق أوهام “نهاية التاريخ”، والإمبريالية تحكم قبضتها على الأرض والسماء، والجميع يلهث وراء صفقات المساومة والمهانة.. وفي قلب هذا الانكسار، بزغ نوراً ثورياً، يمشي عكس التيار، متحدياً الظلام الداهم بصلابةٍ قلّ نظيرها، صياغةً لزمنٍ جديد عنوانه الانتصار بالحديد والنار.. لم يتردد، لم يساوم، ولم يعرف طريقاً سوى المواجهة.. فكان فارس الحرب الذي دوّى صوته وفعله حتى طغى على تخوم العالم، معلناً أن المقاومة ليست حلماً رومانسياً بل قدراً تاريخياً.

لم يكن زعيماً محلياً أو قائداً حزبياً محدود الأفق، بل تحوّل إلى أيقونة إنسانية كبرى.. رسمه التاريخ حاجةً موضوعية.. تجاوز الحدود الضيقة، وانفلت من أسر الجغرافيا والطائفة والعشيرة، ليتجلى رمزاً جامعاً للشعوب المقهورة كافة.. في عيني الفلاح المشرّد، وفي قبضة العامل المرهق، وفي صرخة الطالب المهموم، وفي هتاف الجماهير الغاضبة، كان صورةً متوهجة للكرامة والعزّة.

لقد كسَر الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار، وأعاد للوعي الجمعي معنى أن التحرر ليس شأناً قُطرياً، بل قضية الإنسانية جمعاء في وجه قوى الهيمنة والاستغلال.. لم يكن صوته مجرد خطاب سياسي، بل نشيداً كونياً ينتمي إليه كل مَن يحمل قلباً حياً وعقلاً رافضاً للظلم. وهكذا، أصبح رمزاً للثورة والإنسانية في آن واحد، أيقونة تتسع للجميع وتلهم الجميع، حتى أولئك الذين يختلفون مع خطابه أو أيديولوجيته وجدوا في صلابته وعزيمته ملاذاً لمعنى مفقود في هذا العصر الموحش.

إن النظر إليه بعيداً عن السياق الجدلي للتاريخ، هو ظلمٌ لشخصه ودوره.. فالمقاومة التي جسّدها لم تكن مجرد رد فعل عاطفي على احتلال أو عدوان، بل كانت تعبيراً مادياً عن قانون التناقض في الصراع العالمي.. لقد شكّل رأس حربةٍ في مواجهة الإمبريالية الصهيونية، في لحظةٍ كانت فيها موازين القوى تميل بالكامل نحو المركز الإمبريالي.

لكن؛ كل قوةٍ تبلغ ذروتها يبدأ انحدارها.. وهنا مثّل سيّد المقاومة لحظة كسر هذا المسار الأحادي.. فبالإنتصار عام 2000 بتحرير لبنان، وثم بصمود 2006 بمواجهة العدوان الصهيوني، أعاد تعريف الصراع برمته، فأثبت أنّ الإمبريالية ليست قدراً لا يُهزم، وأن “إسرائيل” هذه ليست قوةً مطلقةً عصيةً على الكسر، بل هي “أوهن من بيت العنكبوت”.. بذلك، نقل المواجهة من مستوى الدفاع إلى مستوى المبادرة التاريخية، من ردّ الفعل إلى صياغة الفعل، ليؤسس واقعاً جديداً في المعادلة العالمية.

كان سيّد الشهداء أداة التاريخ الموضوعية في تحويل المقاومة إلى مشروعٍ أمميٍ ثوريٍ متكامل.. مثّل تلاقي النضال الوطني مع الأفق الأممي، حيث يتجسد التحرر العربي ضمن حركة الصراع الكبرى ضد الإمبريالية.. بفعله السياسي والعسكري والفكري، صار جزءاً من جدلية انهيار نظام الهيمنة الأحادية، بل كان أحد محدداتها الميدانية الأكثر تأثيراً.

في فلسفة التاريخ، هناك لحظاتٌ يلتقي فيها الفرد مع قدر الشعوب، “يصادف الضرورة” التاريخية ولادة محرّك لعجلة التاريخ، فيتحول إلى حاملٍ لروح الأمة.. هكذا كان. ولم يكن مجرد قائد عابر، بل تجسيداً جدلياً لعلاقة الفرد بالجماعة، والوعي بالفعل.. لقد تحوّل من كائنٍ بشري إلى فكرةٍ متجسدة، إلى معنى يمشي على الأرض، معنى يذكّرنا بأن الإنسان حين يتحرر من الخوف يصبح قوةً لا تُقهر.

إنّ سرّ عظمته لا يكمن فقط في ما أنجزه بالسلاح، بل في قدرته على إعادة تشكيل الوعي.. لقد أعاد لنا الثقة بأننا لسنا صدىً للتاريخ، بل صانعوه.. أعاد لنا الإيمان بأن الهزيمة ليست قدراً، بل عثرة مؤقتة في مسيرة الشعوب نحو الحرية.. وهنا يكمن البعد الفلسفي لإنجازه: إنه أرسى يقيناً بقدرة الإنسان الجماعي على قلب الموازين.

لا يمكن أن نؤبّنه بلغةٍ باردة أو خطابٍ أكاديمي صرف.. فهو لم يكن مفكراً مجرداً ولا قائداً عسكرياً فحسب، بل كان روحاً تخترق القلوب.. كم من أمٍ بكت عند سماع صوته فشعرت أنّ دماء أبنائها لم تذهب هدراً! كم من شابٍ وجد في خطبه عزاءً ووقوداً لاستمرار النضال! كم من شعبٍ في الجنوب العالمي استعاد معنى المقاومة عبر تجربته!

لقد كان مدرسةً وجدانية بقدر ما كان مدرسةً سياسية.. جعلنا نكتشف أنّ المقاومة ليست فقط في الجبهة العسكرية، بل في الكلمة، في الأغنية، في الأمل الذي يتجدد كل صباح.. كان يقف متحدياً ويقول: «سننتصر»، فيتردد صداه في ملايين القلوب كقسمٍ أبديّ.. وهذا الإرث المعنوي لا يموت، بل يتحول إلى نارٍ تحت الرماد، تُلهب الأجيال القادمة.

رحل شهيداً، لكنّه رحل كما يعيش الأبطال: منتصباً، عزيزاً، شامخاً.. رحل جسداً وبقي فكرة، رحل صوتاً وبقي نشيداً، رحل قائداً وبقي قدوةً. هو سيد شهداء الأمة، ورمزها الخالد.

في تأبينه، لا نرثي رجلاً فقط، بل نحتفي بميلاد معنى جديد في التاريخ.. معنى يقول إن الشعوب، مهما انكسرت، تستطيع أن تنتفض.. وإن الإنسانية، مهما غُيّبت، تستطيع أن تعود.. وإن المستقبل، مهما بدا مظلماً، يمكن أن يُضاء بقبسٍ من إيمانٍ لا يلين.

إنه طريق النصر أو الموت. وقد اختار الشهادة ليخلّد المعنى، وليقول للأمة: اكملوا الطريق، فالنصر ممكن، والتاريخ لا يزال لنا.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

مئة عام.. وعام… الحزب الشيوعي السوري الموحد في ذكرى تأسيسه يتابع نضاله من أجل الوطن.. والشعب

مئة عام.. وعام مرّت على تأسيس الحزب الشيوعي السوري، حزب الوطن.. حزب العمال والفلاحين.. حزب الجلاء والاستقلال.. والخبز والدفاع عن طموحات الشعب السوري بوطن حرّ ديمقراطي علماني.. وشعب سعيد