إجراءات ضمّ الضفّة الغربيّة وتصفية القضيّة الفلسطينيّة

-+=

تُعَدّ سياسة الضمّ التي تنتهجها سلطاتُ الاحتلال الصهيونيّ في الضفّة الغربيّة جزءاً أساسياً من المشروع الصهيونيّ الهادف إلى فرض السيطرة على كامل أرض فلسطين التاريخيّة. وقد جاءت هذه السياسة في سياقٍ متكاملٍ يجمع بين أدوات الاستيطان والتهويد والتشريع والقوّة العسكريّة، مدعومةً بتواطؤٍ دوليٍّ وصمتٍ عربيٍّ رسميٍّ. 

لقد شرع العدوّ الصهيونيّ، منذ احتلال الضفّة الغربيّة عام 1967، بتنفيذ خططٍ منهجيّةٍ لخلق وقائعَ ميدانيّةٍ جديدة، تبدأ بالاستيطان وتنتهي بالسيادة. وبلغت هذه الخطط ذروتَها في السنوات الأخيرة بعد أن تهيّأت الظروف السياسيّة الإقليميّة والدوليّة المواتية، ولا سيّما في ظلّ الدعم الأميركيّ غير المحدود للفاشيين الجدد، عبر ما سُمّي بـ«صفقة القرن» التي شرعنت الاستيطان ومنحت الاحتلالَ ضوءاً أخضر لتنفيذ الضمّ التدريجيّ.

تتجلّى إجراءاتُ الضمّ في عدّة مساراتٍ متكاملة:

  • تكثيف إقامة المستوطنات وتوسيع القائم منها، وبناء وحداتٍ سكنيّةٍ جديدةٍ على امتداد الضفّة الغربيّة، خصوصاً في القدس والأغوار، بهدف فرض واقعٍ ديموغرافيٍّ يقطع التواصل الجغرافيّ بين المناطق الفلسطينيّة. فقد بلغ عدد المستوطنين الصهاينة الذين يقيمون في مستوطناتٍ داخل الأحياء الفلسطينيّة في القدس الشرقيّة، إضافةً إلى الضفّة الغربيّة، أكثر من 730 ألف مستوطن.  
  • بناء جدار الفصل العنصريّ وشبكةِ الطرق الالتفافيّة التي تربط المستوطناتِ بعضها ببعض، وتفصل القرى والمدن الفلسطينيّة إلى كانتوناتٍ معزولة.
  • شملت الإجراءات طرحَ مشاريعَ قوانين في الكنيست لفرض «السيادة الصهيونيّة» على غور الأردن، في إطار رؤية اليمين المتطرّف الفاشيّ الذي يعتبر هذه المناطق «عمقاً استراتيجيّاً لإسرائيل الكبرى». في ظل حالة الانقسام الفلسطينيّ والعجز العربيّ، وتواطؤ بعض الأنظمة العربيّة التي أقدمت على التطبيع، إلى جانب الدعم الأميركيّ غير المحدود، ما منح المشروع الصهيونيّ غطاءً سياسيًّا لتنفيذ الضمّ فعليًّا.

إنّ إجراءاتِ الضمّ تمثّل مرحلةً متقدّمةً من مشروع تصفية القضيّة الفلسطينيّة، عبر تحويل ما تبقّى من الأراضي الفلسطينيّة إلى معازلَ محاصرة، مع فصل القدس والأغوار والمناطق الحيويّة عنها، وإدامة السيطرة الصهيونيّة الكاملة. كما يشكّل ضمّ غور الأردن خطراً مباشراً على السيادة الوطنيّة الأردنيّة.
فالضمّ، في جوهره، ليس مجرّدَ توسّعٍ استيطانيٍّ، بل هو إعادةُ إنتاجٍ للعلاقة الكولونياليّة بين المركز الرأسماليّ الإسرائيليّ والأطراف العربيّة، مدعوماً من رأس المال الغربيّ والإمبرياليّة الأميركيّة. إنّ هذا البعد الجيو– اقتصاديّ يجعل من مشروع الضمّ حلقةً رئيسةً في مخطّط الهيمنة الإمبرياليّة على المشرق العربيّ، بما يشمل السيطرة على الممرّات والطاقة والموارد، وتحويل الكيان الصهيونيّ إلى أداةٍ رئيسةٍ لإدارة المصالح الاستراتيجيّة للغرب في المنطقة.

إنّ مقاومةَ هذه الإجراءات تتطلّب إعادةَ بناء الموقف الوطنيّ الفلسطينيّ على أسسٍ كفاحيّةٍ وتحرّريّةٍ واضحة، وبلورةَ موقفٍ عربيٍّ تقدّميٍّ رافضٍ لكلّ أشكال التطبيع والتواطؤ، وربطَ النضال ضدّ الاحتلال بالمشروع التحرّريّ العربيّ الشامل، الهادف إلى فكّ الارتباط مع التبعيّة السياسيّة والاقتصاديّة للمراكز الإمبرياليّة الداعمة للكيان الصهيونيّ.

الأبعاد الاقتصاديّة والجيو- سياسيّة لضمّ الضفّة الغربيّة

لا يمكن فهمُ سياسةِ ضمّ الضفّة الغربيّة بمعزلٍ عن دوافعها السياسيّة والاقتصاديّة والجيو-سياسيّة العميقة، الهادفة إلى إخضاع الأرض والموارد لهيمنةٍ استعماريّةٍ رأسماليّةٍ متكاملة. فالضفّة الغربيّة، بما تحتويه من أراضٍ زراعيّةٍ خصبةٍ وموقعٍ استراتيجيٍّ، تمثّل ركيزةً أساسيّةً في الرؤية الصهيونيّة لمفهوم «إسرائيل الكبرى»، الذي لم يعُد حلماً أيديولوجيًّا توراتيًّا وحسب، بل غدا مشروعاً سياسيًّا مطروحاً على جدول الأعمال، مستفيداً من المناخ السياسيّ المتمثّل في انهيار الموقف العربيّ والدعم غير المحدود من قِبَل الإمبرياليّة الأميركيّة التي تعاني من أزمة بنيويّة حادّة، لتضع يدها على الثروات العربيّة في مواجهة تنامي دور الدول الصاعدة عالميًّا.

تحتضن الضفّة الغربيّة أهمَّ الموارد الزراعيّة في فلسطين التاريخيّة، وخصوصاً في الأغوار التي تُعَدّ سَلّةَ الغذاء الفلسطينيّ. وقد هدف الاحتلال، منذ العام 1967، إلى تحويل هذه المنطقة إلى محميّةٍ استيطانيّةٍ زراعيّةٍ وصناعيّةٍ ترتبط بالاقتصاد الصهيوني، عبر مصادرة الأراضي، والتحكّم الكامل بالمياه الجوفيّة، ومنع الفلسطينيّين من استثمارها. وتُقدَّر الدراسات أنّ أكثر من 85% من مياه الضفّة تُحوَّل لصالح المستوطنات والمزارع الإسرائيليّة، في حين تُحرَم القرى الفلسطينيّة من حقّها في المياه الصالحة للزراعة والشرب.

جاءت ردودُ الفعل العربيّة والدوليّة على إجراءاتِ الضمّ باهتةً ومحدودةً، لا ترقى إلى مستوى خطورةِ المشروعِ الصهيونيّ وأبعادهِ الاستعماريّة. وهي لا تختلف كثيراً عن ردودِ الفعل إزاء حربِ الإبادة والتطهيرِ العِرقيّ في قطاعِ غزّة، إذ تعبّر عن حالة الانهيار العربيّ. فعلى الرغم من صدورِ بياناتٍ رسميّةٍ وشكليّةٍ ترفض الضمّ وتؤكّد التمسّكَ بقراراتِ الشرعيّةِ الدوليّة، فإنّ الممارسة السياسيّة الفعليّة لمعظمِ الأنظمة العربيّة اتّجهت نحو التطبيعِ العلنيّ أو الضمنيّ مع الكيانِ الصهيونيّ، متذرّعةً بـ«الواقعيّةِ السياسيّةِ» و«التسوياتِ المرحليّة»، الأمرُ الذي وفّر للعدوّ الصهيونيّ غطاءً سياسيًّا واسعاً للاستمرارِ في تنفيذِ مخطّطاته.

إنّ مواجهةَ مشروع الضمّ لا يمكن أن تكون فلسطينيّةً فحسب، بل تتطلّب رؤيةً تحرّريّةً عربيّةً شاملة تُعيد الربط بين التحرّر الوطنيّ الفلسطينيّ والنضال ضدّ التبعيّة والاستعمار في الإقليم برمّته. ومن هنا، فإنّ مواجهة سياسة الضمّ تتطلّب استنهاضَ دور حركة التحرّر العربيّ، وإقامةَ جبهةٍ تقدّميّةٍ عربيّةٍ لإحياء المشروع الوطنيّ التحرّريّ الشامل ضدّ المشروع الإمبرياليّ– الصهيونيّ التوسّعيّ، وضدّ التبعيّة والاستبداد. كما تقتضي استثمارَ الانتفاضة الشعبيّة العالميّة المتضامنة مع الشعب الفلسطينيّ، سواء في حركات المقاطعة أو في الحملات الحقوقيّة الدوليّة التي تُدين جرائمَ الاستيطان والفصل العنصريّ.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

في مواجهة مشروع «قانون يادان» الهادف لتوسيع تعريف مكافحة السامية ومعاداتها في فرنسا 

بينما أسهم النضال ضد الإبادة الجماعية في فلسطين في بلورة جيل جديد من المناضلين المناهضين للإمبريالية والصهيونية، يسعى أنصار الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض تجريم معاداة

الصمود والمقاومة في مواجهة الإبادة والتهجير

عامان من الصمود الأسطوري، وربع مليون، بين شهيد وجريح ومفقود وَلَدَت حالة وعي شعبي أممي بحقيقة الصراع وجذوره، وتنامت حالة تضامن عابرة للبنى الاجتماعية والسياسية في أقطار القارات الخمس، وتحول الرأي العام لصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه داخل عدد من الدول، كانت تعتبر معاقل نفوذ وسطوة إعلامية صهيونية

بعد 41 عاماً .. عود على بدء : إتفاق 17 أيار/ مايو بحلة جديدة

نعود اليوم إلى دق ناقوس الخطر الذي يهدد بزوال العالم العربي، بدءاً من فلسطين ولبنان، وتالياً سوريا. أما الحل، فيكمن في التحرك السريع لتجميع القوى التي ترفض التطبيع في إطار حركة تحرر عربية جديدة تعلن عن مكوناتها وبرنامجها للحل الجذري وتضع الآليات المرحلية لتنفيذه

التحديات التي تواجهها الدولة المصرية مع بداية عام 2026

اتسعت الفجوة الطبقية بين القلة التي تتحكم في السلطة ورأس المال، وبين ملايين الشعب المصري الذي ازداد فقراً، وبدأت الديون في ازدياد مستمر لأننا لا ننتج إلا قليلاً، ولأنه تم صرف القروض على البنية التحتية وبناء مدن جديدة لا يسكنها أحد إلا نسبة ضئيلة، دون الالتفات إلى أهمية التنمية الإنتاجية وأهمية تنمية الموارد البشرية