الفضيحة الإبستينية .. نفوذ الضجيج

-+=

لم تكن فضائح جيفري إبستين مجرد وقائع جنائية أو سقطات أخلاقية اجرامية ومتوحشة وقذرة، بل كشفت عن شبكة عنكبوتية وظيفية متطورة لخدمة استدامة النفوذ الامبريالي المتوحش التي تعمل كأداة لإعادة ترتيب مراكز القوى وتثبيت نظرية التطور البشع للرأسمالية.

يُظهر تحليل التسريبات تركزاً لافتاً للأسماء في دوائر النخبة الأميركية والأنجلوسكسونية وبعض الغرب والعرب واليهود، مقابل غياب شبه تام للشخصيات الأوروبية القارية مثل نخب فرنسا وألمانيا. هذا الغياب لا يشير بالضرورة إلى براءة تلك الأطراف، بقدر ما يكشف عن تباين جذري في آليات إدارة النفوذ وتثبيت السلطة بين القوى العالمية، ما يجعل الفضيحة أداة سيسيو – اقتصادية من جهة وسياسية من جهة أخرى، يتم خلالها نشر الفوضى الإعلامية وخلط الحابل بالنابل، وبالتالي ادعاء الفضيلة الأخلاقية والقضائية مشكوك فيه عموماً.

شبكة إبستين وتصفية الحسابات 

تمثل شبكة إبستين مقطعا تشريحياً ونموذجاً ليس وحيداً لآليات القوة في المجتمع الأميركي الذي يمثل هرم الامبريالية وتزاوج الاقتصاد بالسياسة إذا ما اعتبرنا أن “الاقتصاد هو التعبير المكثف عن السياسة”، في الولايات المتحدة الأميركية يعتمد النفوذ على ما نسميه (السيولة الاجتماعية والوسطاء الاجتماعيين)، بينما تعتمد النخب الروسية والأوروبية، على سبيل المثال، على الهرميات المؤسسية التقليدية والدولة العميقة المرتبطة بالأجهزة السيادية للدول، مما يجعلهم أقل اعتماداً على الوسطاء الاجتماعيين مثل إبستين وغيره. كما أن أي اختراق لهذه النخب عبر شبكات غير رسمية يُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي، لذلك تظل دوائرهم منغلقة ومحمية ببروتوكولات صارمة. في المقابل، مثلت فضيحة – الشبكة الابستينية – أداة لتصفية الحسابات داخل مجالس النخبة الأميركية الكلاسيكية – القديمة حيث يمكن إضعاف الخصوم السياسيين عبر السقوط الاجتماعي المدوي المرتبط بالفضيحة الأخلاقية والفساد والجريمة، مما قد يمهد لإعادة توزيع السلطة وإعادة إنتاج ذات النظام الامبريالي ولكن بنسخة متطورة وأكثر ذكاءً.

في هذا السياق، لا تعمل الفضيحة كفعل تطهيري من جراثيم ملوثة بالتعاطي والمخدرات والاتجار بالبشر والأطفال والنساء، بل كإجراء اقتصادي – سياسي استراتيجي مخطط بعناية فائقة ودقة لتحقيق مآرب محددة. في سيكولوجيا الجماهير، يعمل الاشمئزاز الأخلاقي كمغناطيس لشد انتباه الجماهير، يتبعه تعطيل مؤقت لعملية التحليل والربط والتفكير الاستراتيجي بهدف تحويلها من فاعل اجتماعي – يُفكر إلى مشاهد أخلاقي ومصدوم ومنفعل لتبدأ ردود الفعل دون تمحيص أو بحث أو تحقق القاعدة العربية تقول “العيار الذي لا يصيب بدوش” أي يحدث ضخة تشويشا بالرأس. هذه الخضة تهدف إلى تآكل مصداقية الشخصيات التي تعيق التحولات الكبرى في الوقت الحالي وخصوصاً تحولات النظام العالمي وصراع الحضارات بين الشرق والغرب وصراع الاستعمار التكنولوجي، وإخلاء الساحة لصعود النخب  الذكية الخفية التقنية التي تراكمت ثراواتها بعيداً جداً عن الشكل الكلاسيكي لعمليات الإنتاج  الرأسمالي فظهرت نخب فنية وعلمية وإعلامية  جديدة ، تمثل اليوم جيلا مختلفا  وأكثر ترويعاً عن سابقيه بمفهومه للعبودية والاستعمار، وهو ربما أقرب لتحليل ماركس حول الشكل المتطور للنظام الامبريالي المتوحش حين يبدأ يأكل نفسه بنفسه.

تعد حالة إيلون ماسك نموذجاً مثالياً لفهم الفوارق بين النخبتين القديمة والجديدة. فرغم ظهوره في بعض المراسلات مع إبستين، إلا أنه لم يزر “المكان” أو ينخرط في الطقوس الاجتماعية القذرة للنخبة القديمة. هذا يوضح أن النخبة التقنية الجديدة لا تحتاج للوساطة الاجتماعية التقليدية؛ فنفوذها مستمد من امتلاك الأنظمة والبيانات الهائلة من كل مكان وفي كل مكان. في الوقت نفسه، نجد مفارقة مذهلة؛ فـ ماسك الذي كان على خلاف حاد ومعلن مع الرئيس ترامب، ظل أحد أهم زوار البيت الأبيض ومحركاً أساسياً لمشاريع الدولة السيادية مثل “سبيس إكس” و”ستارلينك”. هذا يؤكد أن القوة الجديدة اكتشفت أنها قوة عقلية مذهلة عابرة للأشخاص والمتنفذين والخصومات السياسية في مثل هذه الحالة لا مكان لها في لعبة من يمتلك المعلومة ومن يمتلك إعطاء حق الوصول إليها في ذات الوقت. بالتالي هذه القوة حصينة ضد السقوط الأخلاقي التقليدي. لأن الدولة العميقة لا بقاء لسيادتها إلا من خلال عقلها الذي يتطور بسرعة البرق.. 

يمكن ربط هذه الديناميكية الفضائحية بما يحدث في مجال الهيمنة الفكرية والعلمية أيضاً، كما في حالة نظريات ستيفن هوكينغ. عندما يتم التشكيك أو الهدم التدريجي للنماذج العلمية أو المفكرين كما يحدث مع هوكينغ دون تمحيص أو تحقيق بالضرورة سينتج أثر مماثل لتأثير الفضائح على النخب العلمية الكلاسيكية بغض النظر توافقنا واتفقنا على رأيها العملي أم لا. وبالتالي إضعاف الثقة بالقديم وتهيئة المجال لصعود نموذج علمي ونظري جديد أو قوة جديدة هو جوهر الموضوع. هذا يشير إلى أن آليات النفوذ وإعادة ترتيب الهيمنة— سواء أكانت سياسية، أو \وتقنية، أو\ومعرفية—تعتمد على نزع الثقة بالكامل بكل ما هو امبريالي كلاسيكي. واستبداله بصوت أو نظام جديد، صامت لكنه فعال وقادر على إعادة توزيع القوة دون الحاجة إلى الوساطة التقليدية.

النخبة القادمة تختلف تماماً عن سابقتها؛ فهي لا تعتمد على الظهور الإعلامي في الصالونات الاجتماعية، بل تتسم بالتركيز على البيانات الضخمة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتكنولوجي وإدارة المعلومات. تعمل هذه النخبة تحت الرادارات وفي الظل غالباً هم مواطنون عالميون يراقبون بدقة حياة الناس فيركزون على استدامة النظام الرقمي الذي يسيطرون عليه والذي بدوره كلما تطور أحكم القبضة على العالمين السفلي الأرضي والعلوي الفضائي، ما يفسر عدم حاجتهم لشبكات مثل شبكة إبستين التي تنتمي إلى زمن الامبريالية البدائية.

رغم انكشاف الحقائق، يظل دور الشعوب محدوداً. تستنزف الفضائح الطاقة العاطفية للجماهير في الغضب اللحظي، بينما تُتخذ القرارات المصيرية في الغرف المغلقة. يؤدي هذا إلى فقدان الثقة الشامل في النظام، حيث ينحصر دور الفرد في الاستهلاك الإعلامي والمشاهدة التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق وبدلاً من أن يكون الجمهور شريكاً في البحث عن الحقيقة، وباحثاً خلف كواليسها أصبح بوقاً لفضيحة من ثلاثة ملايين ونصف مليون ورقة وآلاف من الفيديوهات والصور. بينما هنالك آلاف الجزر المنتشرة والفنادق والكازينوهات والشواطئ والغابات وناطحات السحاب يتم ممارسة كل أنواع الموبقات داخلها من جميع الطبقات الاجتماعية والسياسية دون فضائح.

التجارب التاريخية تؤكد أن كشف فساد النخب لا يعني غالباً انتقال القوة إلى الجماهير لأن ذلك يعتمد على وجود بنية اجتماعية وسياسية وثقافية ونقابية بديلة منظمة وواعية لذاتها. الفضائح الحالية تكشف العوار القديم هذا صحيح، لكنها لن تمنح السلطة للجماهير المقهورة المستعبدة في كل مكان، بل تمهد الطريق للنخبة التقنية الحديثة لتحل محلها بثورة ناعمة هادئة تحت ضجيج الفضيحة الابستينية. 

في عالم تُدار فيه القوة بمنطق العبودية الحديثة خلف الشاشات والأنظمة، كيف يمكن للجماهير أن يضمنوا أن صوتهم ما زال مؤثراً، وأن المشاهدة لا تتحول إلى استسلام كامل لسلطة الضجيج؟

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

جريمة دفن الآثار.. محو ذاكرة بيروت

تدمير وطمس آثار بيروت ومحو ذاكرة شعبها وتهجيره وتحويل هذه القلعة الأثرية إلى شركة خاصة تعتبر جريمة العصر. هذا ما يسميه باحثو التراث والآثار بـ “الهندسة السياسية للذاكرة”.

المنتدى الإعلامي الدولي في موسكو:” الحقيقة ضد الفاشية الجديدة “

القوة الاقتصادية والسياسية المتنامية لدول الجنوب العالمي تجعل الفضاء الإعلامي العالمي متعدد الأوجه بشكل متزايد. لقد ولّى عهد الدول الغربية التي كانت قادرة على تضليل الرأي العام العالمي دون عقاب