الحرب: محاولة تحليلية ونظرة استشرافية

-+=

من الطبيعي أن يتركز اهتمام الرأي العام الشعبي في بلدان الخليج العربية تجاه الحرب المشتعلة في المنطقة على المشهد المباشر المتصل بما تتعرض له هذه البلدان من استهداف بهجمات واعتداءات بالصواريخ والمسيرات تشنها إيران عليها في سياق خطتها الصفرية للتصدي للحرب الأميركية – الصهيونية الموجهّة ضدها، بحيث لم تكتف إيران بالردّ المباشر على القوات الأميركية والصهيونية، وإنما تعمّدت عن سابق قصد العمل على توسيع ميدان الحرب ليشمل بلدان الخليج العربية تحت ذريعة وجود القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية الأميركية فيها، مع كل ما لحق ويلحق بهذه البلدان الخليجية وشعبها من خسائر وأضرار ومخاطر… وما تواجهه من ضغوط تحاول أن تدفع بها لأن تتورط وتصبح طرفاً مباشراً في الحرب خارج سياق صدّ الاعتداءات، التي امتدت لتشمل مرافق مدنية حيوية كمحطات تقطير المياه وتوليد الطاقة الكهربائية أو منشآت قيد الإنشاء مثل ميناء مبارك، الذي تتولى تشييده شركة صينية ولا وجود أميركياً فيه … ناهيك عما سيترتب على ما يحدث من تعقيدات وإشكالات ستؤثر سلباً على مستوى العلاقات الخليجية – الإيرانية الآن وبعد انتهاء الحرب… هذا غير العزلة الدولية الرسمية لإيران بعد قرار مجلس الأمن رقم ٢٨١٧ بإدانة الهجمات الإيرانية على البلدان الخليجية والأردن. 

إلا أنّه ومع ذلك كله، وعلى أهميته، لا يمكننا أن نحصر النظر إلى الحرب الجارية في هذه الزاوية وحدها فقط، بل لابد من أن نحاول إلقاء نظرة تحليلية أوسع وأعمق وأبعد لفهم هذه الحرب، واستجلاء أبعادها، واستشراف احتمالاتها وعواقبها، وذلك من دون تجاوز لما تتعرّض له بلداننا من هجمات واعتداءات مرفوضة.

الدوافع والرهانات

١- الدوافع الأميركية والصهيونية لشنّ الحرب على إيران:

هناك مجموعة من الدوافع المتشابكة والمتناقضة، التي تقف وراء شنّ الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني لهذه الحرب الجديدة على إيران، التي يمكن تلخيصها في:

  •  محاولة تقويض إيران كقوة إقليمية مستقلة غير خاضعة للهيمنة الأميركية ومعادية للكيان الصهيوني، وصولاً إلى إسقاط النظام.
  • إزالة البرنامج النووي الإيراني، الذي لم تتمكن حرب يونيو/ حزيران ٢٠٢٥ ذات الاثني عشر يوماً من إنهائه، مثلما كان الادعاء حينذاك.
  • إضعاف البرنامج الصاروخي الإيراني.
  • التفرّغ بعد ذلك لاستكمال مهمة تحطيم أطراف المحور، التي تكللت بإسقاط النظام السوري السابق، بحيث تتم تصفية “حزب الله” في لبنان و”حماس” في غزة وحكومة “أنصار الله” في صنعاء.
  • وهناك دوافع أخرى أبعد للحرب على مستوى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط عبر فرض تسيّد الكيان الصهيوني عليها كقاعدة متقدمة للهيمنة الإمبريالية الأميركية ومصالحها ومخططاتها في المنطقة.
  • وهناك دوافع إمبريالية أميركية تستهدف السيطرة على إيران لإضعاف الصين وروسيا عبر قطع الطريق على “مشروع الطريق والحزام” الاستراتيجي الصيني و”الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب” الذي يربط بين روسيا والهند، والسيطرة الأميركية على خطوط إمدادات النفط إلى الصين.
  • ومن الناحية الاستراتيجية الدولية تأتي الحرب على إيران لتشكّل آخر محاولة أمام الولايات المتحدة لاستعادة هيمنتها على المنطقة قبل الانتقال إلى تنفيذ الاستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن الوطني الصادرة في ديسمبر/ كانون أول ٢٠٢٥ وما يتصل بالتركيز الأميركي على نصف الكرة الأرضية الغربي وتراجع الاهتمام بالشرق الأوسط، في ظل تفكك النظام الدولي القائم وارهاصات تشكّل نظام عالمي جديد.

٢- العناصر، التي راهنت عليها أميركا والكيان الصهيوني في شنّ الحرب على إيران:

  • المباغتة والخداع عبر شنّ الحرب فيما كانت جولة المفاوضات الأميركية – الإيرانية بالوساطة العمانية لا تزال جارية، وهي خدعة المباغتة ذاتها، التي سبق استخدامها قبل حرب يونيو- حزيران ٢٠٢٥ المسماة بحرب الاثني عشر يوماً.
  • المراهنة على “قطع الرأس لإسقاط النظام” عبر اغتيال المرشد والقيادات العسكرية والأمنية والسياسية الإيرانية بالاستناد للاختراقات والقدرات الاستخبارية، ما سيؤدي للتهاوي السريع للنظام.
  •  التفوق العسكري الأميركي – الصهيوني وتوجيه ضربات قاسية للقدرات العسكرية الإيرانية.
  • الدفع لنزول الجمهور المعارض للنظام بقوة إلى الشوارع مرة أخرى، ولكن هذه المرة لتغيير النظام، وليس فقط للاحتجاج والتحركات المطلبية.
  • إمكانية تحريك جماعات انفصالية في إيران، وكانت المناطق الكردية المحاذية لإقليم كردستان العراق هي المرشحة لذلك.

٣- التعامل الإيراني مع الحرب الأميركية – الصهيونية عليها:

بالتأكيد فإنّ إيران لم تُباغت، مثلما بوغتت في يونيو- حزيران ٢٠٢٥، إذ كانت تضع في حساباتها احتمال تكرار ما حدث، فكانت هناك درجة من الاستعدادات وخطط جاهزة للتعامل مع الحرب عند شنّها، بحيث لا تكتفي بالتصدي والرد الدفاعي وتبادل الضربات، وإنما تمتد لتشمل توسيع ميدان الحرب بما يتجاوز ما كان في حرب الاثني عشر يوماً، ورفع التكلفة الاقتصادية للحرب على الجميع وتدويلها وتحويلها إلى أزمة عالمية ضاغطة عبر التعامل العسكري الاستثنائي غير المسبوق وغير المقيّد بضوابط واعتبارات أخرى.

٤- العناصر، التي راهنت عليها إيران في صدّ الحرب:

  • بنية النظام الذاتية وقدرته على استعادة تماسكه رغم ما يعانيه من اختراقات، وما طالته من ضربات قاسية، وما لحقت به من خسائر.
  • الاعتماد على القدرات الصاروخية الهجومية.
  • التفوق على الأميركان والصهاينة من حيث القدرة على تحمّل الضربات والخسائر والأضرار، فالحرب بالنسبة لإيران لا تعتمد على حسابات موازين القوى المادية، وإنما تعتمد على ما يمكن تسميته بالإرادة والقدرة على التحمّل.
  • توسيع نطاق ميدان الحرب جغرافياً ومد أجلها زمنياً، بما يتجاوز الحسابات الأميركية والصهيونية.
  • رفع تكلفة الحرب اقتصادياً وتحويلها إلى أزمة اقتصادية دولية ضاغطة على أطراف عديدة.
  • الاستناد إلى ما يسمى “وحدة الساحات” في العراق ولبنان واليمن في فتح جبهات مواجهة أخرى.

ولنتوقف هنا قليلاً أمام عنصرين رئيسيين ينطويان على أهمية خاصة في هذه الحرب، وهما: بنية النظام الإيراني التي حالت دون سقوطه، وإغلاق مضيق هرمز.

أ‌-   بنية النظام الإيراني:

  النظام الإيراني في واقع الحال ليس كما تراه العقلية الإمبريالية الغربية مجرد نظام ديكتاتوري فردي تتركز فيه كامل السلطات بيد المرشد، رغم ما يمتلكه المرشد في النظام الإيراني من مكانة معنوية بوصفه مرجعية دينية من جهة ومرجعية سياسية عليا للنظام من جهة أخرى…ذلك أن بنية النظام الإيراني بنية فريدة من نوعها ذات تكوين عقائدي ومؤسسي مركب ومتشابك، منفصل ومتداخل تصعب السيطرة عليه، فهناك “مجلس الخبراء” بما يمتلكه من صلاحيات في اختيار المرشد والإشراف على أدائه، وهناك “مجلس صيانة الدستور” الذي يراقب التشريعات ويشرف على الانتخابات، وهناك “مجمع تشخيص مصلحة النظام”، الذي يشكّل مؤسسة وسيطة لحل الخلافات بين المؤسسات، وهناك “الحرس الثوري”، الذي يعد أهم مراكز القوة ليس العسكرية والأمنية فحسب، وإنما الاقتصادية والسياسية كذلك، بالإضافة إلى “الباسيج” كقوة أمنية، هذا غير مؤسسات الدولة الاعتيادية الأخرى المتمثلة في رئيس للجمهورية، والحكومة، ومجلس الشوري، والجيش والشرطة، والبلديات… هذا ناهيك عن أن النظام الإيراني رغم أزمته ووجود تحركات معارضة له، إلا أن لديه قاعدة اجتماعية شعبية واسعة ومعبأة قادرة على الحيلولة دون سقوطه في حال ضرب رؤوس القيادة فيه.

ب‌- إغلاق مضيق هرمز:

بغض النظر عن الجدل الدائر حول قانونية الإجراءات الإيرانية للسيطرة على الملاحة في مضيق هرمز، فقد أصبح واضحاً مدى أهمية هذا المضيق البحري الاستراتيجي ليس كممر فقط لأكثر من ١٤ مليون برميل يوميا من النفط و٢٠ في المئة من الغاز المسال، ما أدى إلى ارتفاع كبير في سعر برميل النفط والغاز في العالم، وإنما تتجاوز أهمية مضيق هرمز ذلك لتشمل مرور ما يزيد عن ٣٠ في المئة من الأسمدة، التي تحتاجها البلدان الزراعية، فدول الخليج هي المصدر الأهم للأسمدة الكيماوية من أمونيا ويوريا، وانقطاعها من شأنه التأثير سلبا على الانتاج الزراعي في العالم من حيث التكاليف وكميات المحاصيل، هذا ناهيك عن تأثيرات ذلك على الهليوم، ذلك أن قطر هي أكبر معالج للهليوم السائل ذي الصلة بصناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات وأنظمة الطيران، هذا غير الكبريت، ومنتجات البولي ايثلين والبولي بروبيلين المتصلة بالمنتجات البلاستيكية من عوازل كهربائية وأنابيب صناعية.

الضغوط المتناقضة والمتبادلة

١- العناصر الضاغطة على الموقف الأميركي تجاه استمرار الحرب وتوسيعها:

  • الفشل في تقويض النظام الإيراني بشكل سريع ومباشر عبر “قطع الرأس”، أو نزول الجمهور المعارض للشوارع، أو التحركات الانفصالية.
  • صعوبة التعامل مع تحديات توسيع نطاق الحرب وإطالة أمدها، خصوصاً التدخل العسكري البري.
  • الضغط الاقتصادي الهائل الناجم عن ارتفاع أسعار النفط وتداعياته المباشرة داخل أميركا نفسها.
  • الضغوط المتصلة بالخسائر الفادحة لبورصات الأسهم الأميركية.
  • تعقيدات زيادة الإنفاق العسكري في ظل تعمّق أزمة الديون الأميركية.
  • محدودية القدرة على شنّ الحرب ومواصلتها وتوسيعها بقرار رئاسي بمعزل عن موافقة الكونغرس.
  • اتساع نطاق المعارضة الشعبية للحرب سواء عبر استطلاعات الرأي، أو المسيرات الشعبية الحاشدة الأخيرة المناهضة للحرب. 
  •  الموقف السلبي للناتو والحلفاء الأوربيين تجاه الحرب ورفض الانجرار إليها.

٢- العناصر الضاغطة على الولايات المتحدة الأميركية لمواصلة شنّ الحرب:

  • الضغط الصهيوني لشنّ الحرب واستمرارها وتصعيدها.
  • الموقف الإيراني المتصلب تجاه الشروط الأميركية، بل حتى تجاه وقف إطلاق النار من الجانب الأميركي وحده.

٣- العناصر الضاغطة على الكيان الصهيوني لمواصلة شنّ الحرب:

  • كون هذه الحرب هي الفرصة النادرة المتاحة للحرب مع إيران بمشاركة أميركية.
  • الحسابات الذاتية لنتنياهو ذات الصلة بالانتخابات والتملص من الملاحقات القضائية.

٤- العناصر الضاغطة على الكيان الصهيوني لوقف الحرب:

  • التراجع الأميركي عن استمرار الحرب، إذ لا يستطيع الكيان وحده مواصلتها بدون مشاركة أميركية مباشرة، حتى في حال استمرار الدعم الأميركي بالعتاد والمال والتغطية السياسية.
  • نقص القدرات الدفاعية وضعفها في مواجهة الهجمات الصاروخية.
  • إنهاك القوات الصهيونية والصعوبات التعبوية العسكرية، التي كشفها رئيس الأركان الصهيوني إيال زامير خلال اجتماع للمجلس الأمني المصغر، من أن الجيش قد “ينهار” إذا لم يحصل على مزيد من القوى البشرية بعد أكثر من سنتين من القتال المتواصل.
  • بروز تململ سكان الشمال بعد تدخل “حزب الله”، وبدء تحركات جزء من الجمهور الصهيوني الرافض للحرب. 
  • المواجهات الصعبة على الأرض في الجنوب اللبناني بمواجهة حرب العصابات، التي يشنها “حزب الله”. 

احتمالات التسوية وعوائقها

على الرغم من المحاولات المبذولة من أكثر من طرف لبدء مفاوضات أميركية – إيرانية غير مباشرة أو مباشرة توقف الحرب أو تضع أساساً لتسوية سياسية، إلا أن هناك عوائق جدية أمام ذلك تتمثّل في:

  • تصلب الأطراف المتحاربة وتباعد شروطها أو مطالبها خصوصاً المتصلة بمنع إيران من التخصيب، وتقييد سلاحها الصاروخي، ووقف الحرب على الجبهة الإيرانية وحدها بمعزل عن الجبهة اللبنانية.
  • عدم وجود وسيط دولي وازن بمستوى الصين أو روسيا لتقديم ضمانات، ذلك أن الأطراف التي تحاول القيام بدور الوسيط  لا يتجاوز دورها دور ناقل الرسائل.

السيناريوهات

على ضوء ما سبق فإن هناك خمسة سيناريوهات متوقعة لمسار الحرب:

  • المسار الأول تصعيد الحرب مع استمرارها من دون حسم.
  • المسار الثاني تصعيد الحرب وخسارة أحد الطرفين لها، والخسارة هنا بالنسبة لإيران هو استسلامها الكامل، أما خسارة الولايات المتحدة الأميركية فهي الانسحاب من الحرب من دون تحقيق أهدافها.
  • المسار الثالث تحوّل الحرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
  •  المسار الرابع حدوث تهدئات وهدن جزئية ووقتية متكررة.
  • المسار الخامس التوصل إلى اتفاق أميركي – إيراني على وقف الحرب وتسوية سياسية متفق عليها.

الكويت والحرب

كشفت الحرب عن القدرة الذاتية العالية لضباط وضباط صف وجنود قوة الدفاع الجوي الكويتية في صد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة المعادية، وهو أمر يُبنى عليه.

كما أبرزت الحرب أهمية التنبّه لخطورة حدوث أي شرخ في الجبهة الداخلية، وضرورة رفض أي محاولات للتأجيج الطائفي والتخوين والتشكيك، والاستنطاق والتحريض، ووضع أسس أمتن لوحدة وطنية منيعة في ظل مناخ حر يقوم على المواطنة الدستورية المتساوية.

وكذلك فقد أوضحت الحرب وجود أساس جدي لتعاون خليجي على مستوى توفير خطوط إمداد بديلة للاستيراد والنقل الجوي والبري والجمارك، وهذا ما يتطلب تعزيزه لاحقاً باتفاقيات جدية راسخة لجعل بلدان الخليج العربية منطقة جمركية واقتصادية واحدة… بالإضافة إلى وضع أسس للأمن الغذائي والمائي في ظل الأزمات.

والأهم من ذلك هو تماسك الموقف الخليجي الرسمي بعدم الانجرار المباشر لأن تكون دول الخليج طرفاً مباشراً في الحرب.

وهناك استحقاقات لاحقة وهي في الوقت ذاته ملحّة لمراجعة العديد من التوجهات الخليجية الحالية على مستويات التحالفات السياسية، والتعاون العسكري، وعدم الاعتماد على الغير، وتصفية الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، وتماسك الجبهات الداخلية وتوحيدها، والانفتاح على الشعب والاعتماد عليه وتعبئة طاقاته.

بقلم: أحمد الديين

مدير عام دار تقدُّم العربية للاستشارات السياسية والاستراتيجية

٣١ مارس/ آذار ٢٠٢٦

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

في المشهد الفلسطيني المفتوح .. إعادة تشكيل المعادلة الفلسطينية – الإسرائيلية

استمرار غياب أفق سياسي، وتآكل شرعية الأطراف المحلية، وتصاعد الغضب الشعبي، كلها عوامل قد تعيد إنتاج دورة جديدة من التوتر، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة تتراوح بين تثبيت الأمر الواقع لفترة طويلة أو انفجار جديد يعيد خلط الأوراق

سيرا باسكوال ماركينا في مقابلة مع Progressive International: شعب فنزويلا يصطف مع حكومته

اخرجوا إلى الشوارع للاحتجاج على الهجوم الإمبريالي على فنزويلا، ابحثوا عن الحقيقة عبر الاستماع إلى قيادة الثورة البوليفارية، تحدّوا الرواية السائدة، وتعلّموا من — واستلهموا — القوة الحيّة للحركة الكومونية