«أكره اللامبالين»

-+=

صدر عن منشورات «تكوين» “أكره اللامبالين” أنطونيو غرامشي، ترجمة مينا شحاته، تقديم وتحرير ومراجعة محمد آيت حنا.

تقديم: ضدّ اللامبالاة

      «كلّ شيءٍ يحدث، لا يحدث فقط بسبب الذين يَفعلون، بل أيضاً بسبب الذين يُفضّلون ألّا يفعلوا شيئًا».

بهذا الإعلان الغاضب، يبدأ أنطونيو غرامشي مقاله الشهير «أكره اللامبالين»، الذي اختير أن يكون عنوانًا لهذا الكتاب. وليس ذلك من باب التمثيل أو التعريف فحسب، بل لأنّ هذه الجملة تختزن في ظاهرها صيحةَ غضب، وفي باطنها رؤيةً كاملةً للعالم: رؤيةً أخلاقيّةً، لغويّةً، تاريخيّةً، تقوم على أن ما يُسمّى «واقعًا» ليس معطًى طبيعيًا أو قَدَريًا، بل هو نتيجةُ أفعالٍ أو لا أفعال؛ أي نتيجة ما يُنتَج وما يُهمَل، ما يُقال وما يُسكت عنه، ما يُصاغ وما يُترك سائغًا لأهواء القوّة.

إنّ اللامبالاة، بالنّسبة إلى غرامشي، ليست مجرّد موقف نفسيّ سلبيّ، بل هي آفةٌ مدنيّةٌ، وخيانة وجوديّة. إنّها المجالُ الرمادي الذي تُصنع فيه أسوأ الخيارات السياسيّة دون مقاومة، الحيّزُ الذي يُخلي فيه الوعي مكانَه للعادة، وتنسحب فيه الكلمات النزيهة، لتترك الساحة لشعاراتٍ جوفاء أو متواطئة.

حين نعيد اليوم قراءة مقالات غرامشي القصيرة، التي كُتبت في لحظةٍ هائجة بين سنتي ١٩١٦ و١٩١٨، لا نعود إليها بوصفها آثارًا لنضالٍ ماضٍ، بل بوصفها محاولاتٍ شاقّة للتفكير داخل الزمن، لفهم الكيفية التي يُصنَع بها الواقعُ، ويُعاد إنتاجه يومياً، ولطرح سؤالٍ خطير: لماذا نرضى بهذا الواقع؟ ومن الذي حدّد القاموس، ووزّع الأدوار، وقرّر من يتكلّم باسمِ من؟ 

في هذا الكتاب لا نصاحبُ غرامشي السّجن، بل غرامشي التكوين، غرامشي الذي لم يصمت بعدُ كي يكتب دفاترَ تأمّلاته، بل ما يزال يكتب وسط الضجيج، وسط الانكسارات، وسط شعورٍ شبه يوميّ بالفشل، ويفعل ذلك بلغةٍ لا تتعالى على اللّغة، بل تحاول أن تُمسك بالشيء في لحظة ولادتِه، أو لحظة انفجاره. وإن كان قارئ الكتاب لا يعدم أن يصيد فيه بعض التّنظيرات المفيدة، إلّا أنّ غرامشي أساساً هنا ليس بالمُنظِّرَ، بل المنقّب؛ وهو لا يبحث عن الذهب، بل عن اسمٍ جديدٍ لما يراه. اسم لا يكون مهادنًا، ولا متواطئًا، ولا مكرورًا. ولهذا، فإنّ كُرهه للّامبالاة ليس نَفَسًا أخلاقيًا موتورًا فحسب، بل هو الشرط الضروريّ لقيام أيّ سياسة جدّية. ذلك أنّ ما يُعطّل السياسة، في نهاية المطاف، ليس غياب المشروع، بل غياب الحُكم، غياب القدرة على التمييز، وغياب الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها.

غرامشي قبل السجن: التكوين في الهامش

كثيرًا ما يُقرأ أنطونيو غرامشي بوصفه ابن دفاتر السجن، كما لو أنّ فكره وُلد لحظة أُغلقَت الزنزانة عليه، واستوى في تلك العزلة التأملية المشروعُ المعقّد الذي سيحمل لاحقًا، لدى مفكّرين ماركسيّين، اسم «الهيمنة الثقافية». غير أنّ مثل هذه القراءة تُقصي كلّ ما سبق الاعتقال، وتُحوّل التجربة المبكرة إلى محض مقدّمة باهتة، بدل أن تراها لحظةَ تكوينٍ عنيف، وانفلات ضروريّ للكلمات في زمنٍ عاجلٍ ومضطرب.

كان غرامشي، إبّان كتابة هذه المقالات، شابًا في نحو الخامسة والعشرين، مُثقّفًا هشًّا في بدنِه، قويًّا في جَدَلِه، يعيش بين فقر سردينيا وجفاف تورينو، بين لسانٍ أميٍّ، وبين لغة نظرية لم يتملَّكها بعدُ كلَّ التّملّك. كان يجد نفسه موزّعًا بين «الجنوب» و«الشمال»، بين الثقافيّ والطبقيّ، بين ما هو شخصيّ وما هو بنيويّ، بين بؤس الفلّاحين وانسحاقِ العمّال؛ وفي قلب هذا التمزّق، بدأ يكتب.

لم يكن يملك «مشروعًا» بالمعنى المتأخّر للكلمة، بل كان يخوض مغامرة التفكير من موقع الحاجة، من ضغط اللحظة، ومن إدراكٍ مريرٍ بأنّ ما يقوله العالمُ لا يكفي لفهم ما يجري فيه. ذلك أن إيطاليا كانت، آنذاك، في خضمّ تحوّلات كبرى: حرب عالميّة تهزّ أركان الدّولة الليبرالية، طبقة عاملة تُجرِّب خوضَ الإضرابات الكبرى، أحزاب تتخبّط بين الحياد والتعبئة، وسردياتٌ متضاربة حول معنى الأمة، وحقيقة الشعب، وقيمة الدّولة. وفي خضمّ ذلك، لم يكن غرامشي ينتج خطابًا مكتملًا، بل كان يُعلّق، يُجادل، يُشكّك، يقترح. وهذا ما يجعل من مقالاته المبكرة فضاءً خصبًا لتتبّع ولادة المفاهيم التي ستنضج لاحقًا، كأنّنا نشهد مخاضًا نظريًا يجري في وَضحِ الفعلِ، لا في برودةِ السِّجن.

إنّ مقالات هذا الكتاب تضعنا في تماسّ مباشر مع عقلٍ يُفكّر تحت الضغط، ليس في مأمنٍ من الزمن، بل في عُرضِه. عقل لم يكتب ليراجِع ما جرى، بل ليوقِف ما كان يمكن أن يجري، ولذلك يكتسب كلامه طابعًا تحذيريًا دائمًا، لا يهادن، ولا يؤجّل، ولا يتجمّل. إنّه فكرٌ يتكوَّن في الهامش: في الهامش الجغرافيّ لسردينيا، في الهامش الطبقيّ لطفلٍ يدرس دون أن يحصِّل كفايتَه من طعامٍ، وفي الهامش الفكريّ لصحفيٍّ شابّ لم تُعلِّمه الجامعات، بل علّمَه العطبُ والصراعُ والتناقض.

ومن هذه الهوامش، سيبدأ لاحقًا بناءُ المركز.

خيوط ثلاثة تتقاطع في نصوص غرامشي

١- الحرب كمِرآة للذهنيّات؛

لم تكن الحرب، في مقالات غرامشي، حدثًا برّانياً يُعلّق عليه كما يُعلّق المراسلون أو المؤرخون. بل كانت حدثًا جوّانيًا، عنيفًا، هزّ البنى العميقة للذهنية الأوروبية، وعرّى التناقضات الكامنة في الخطاب الديمقراطي، وفي تمثّلات الشعب، وفي وظيفة الدّولة الحديثة. لقد كان غرامشي، كما يقول في إحدى مقالاته، يشعر أنّه يرى لأول مرة ما كان في السابق مجرّد أفكار: لم تعُد الدّولة مصطلحًا، بل آلة تبتلع، ولم يعُد الشعبُ رمزيّة، بل قطيعًا يُساق، ولم تعُد الحرب مجرّد سياسة بوسائل أخرى، بل مِرآة تُظهر قبح الذهنيّة التي أنتجتها.

في مقال الكذب والاستسلام (الحرب والمستقبل)، تتكشّف أمام القارئ هذه الرؤية الجدليّة التي تقيم صلة بين الخرافة والدعاية والدّولة: لم تقع الحرب لأنّ النّاس أرادوها، بل لأنّ الذهنيّة العامة كانت قد جُهّزت سلفًا لتبريرها، بصور الجنود الخنازير، والنساء ذوات رؤوس الإوَز، وببطاقات البريد الملوّنة، أي بمنظومة رمزية هشّة، بدائية، تُمجّد الحرب باسم الخوف من الآخر أو الحقد عليه أو الشهوة العدوانية التي غُذِّيت طويلًا. ولذلك لم يكن غرامشي مهتمًّا بتحليل التكتيك العسكري، بل بتحليل القبول الشعبي بالحرب، ذلك القبول الصامت، المتواطئ، اللامُفكَّر فيه. كان يرى فيه نتيجةً مباشرةً لفشل التربية السياسية، ولتآكل الأخلاق الجماعية، ولغياب النقد.

في نصوصه عن الحرب، لا نقرأ وصفًا لجبهات القتال، بل قراءة في كيف تتحوّل الشعارات إلى مقابر، وكيف يصير الفرد مسلوب الإرادة، ويُلقى به وسط المجزرة باسم الوطنية. بل الأدهى من ذلك، أن غرامشي يدرك أن الخرافات التي غذّت الحرب الأولى، لن تموت مع نهايتها، بل ستتكيّف، ستُغيّر كلماتها، وهو ما يهيئ للانفجار التالي.

إنّ ما كان يقلق غرامشي ليس الحرب فحسب، بل قدرة المجتمع على أن يُنتجها مرّةً بعد مرّة، دون أن يُدرك آليّاته الداخلية، ودون أن يُغيّر لغته.

٢- السياسة بوصفها تمرينًا لغويًّا؛

لا تُبنى الهيمنة على القهر وحده، بل على اللغة. هذا ما يتسلّل، جملةً بعد جملة، من بين أسطر غرامشي في مقالاته المبكّرة. فهو لا يكتفي بانتقاد الواقع السياسي، بل يُمعن في تحليل الكلمات التي تصفه، ويتوقّف طويلًا عند مصير بعض المفردات، كيف تغيّرت دلالاتها، ومن غيّرها، ولماذا.

في مقال كيف تتغيّر اللّغة، يُقدّم غرامشي نموذجًا دقيقًا من النقد الإيديولوجي المبكّر: كلمات مثل panciafichista  (آكل التين الجبان) أو guerrafondaio  (مولع بالحرب)، ليست مجرد نعوت قدحية أو مصطلحات دارجة، بل هي أدوات قتال رمزي، تشير إلى كيف يُعاد بناء الشعور العام من خلال تشويه اللغة ذاتها.

فحين تختفي كلمة معيّنة من التداول، لا يعني ذلك زوال الواقع الذي كانت تصفه، بل قد يعني نجاح بنيةٍ سلطوية في تغيير زاوية النظر إلى ذلك الواقع، وفي هندسة انفعالات النّاس عبر ألفاظ «ألذّ في الفم»، كما يقول غرامشي بسخرية مُرَّة. ومن هنا، فإنّ السياسة، في نظره، لا تنفصل عن اللغة: فهي إمّا أن تكون ممارسةً واعيةً بالمعجم الذي تُنتِج من خلاله الواقع، أو أن تكون مجرّد تكرارٍ لخطابٍ سبق أن هُندِس لغيرها.

من هنا أيضًا، تنبع قيمة نقده للذهنيّة «الديمقراطية» الزائفة التي كانت، في رأيه، تتغنّى بشعارات الثورة بينما تُكرّس الخضوع، وتدّعي الدفاع عن الشعب بينما تفتّت بنيته الرمزية. كانت ديمقراطيةً لا تملك حتى لغتها، بل تعيش على استعارات ميتة، أو مفاهيم معارة، أو كلماتٍ فقدت جذرها.

ولذلك، فإنّ مجمل ما نقرأه في هذه المقالات لا ينفصل عن مشروعٍ لغويّ عميق، سيُصبح لاحقًا، في دفاتر السجن، مشروعًا متكاملًا لنقد المثقّف، للمدرسة، للأدب، وللأمة.

لكنّ البذور هنا واضحة: اللغة ساحةُ معركة، ومن لا يعرف أسماءه، سيُجبَر على تبنّي أسماء الآخرين، وسيرى العالم بعيونهم، ويتحمّس لقضاياهم، ويموت في حروبهم.

٣- من الأخلاق الفردية إلى السياسة بوصفها تربية؛

ليس غرامشي منظّرًا أخلاقيًّا بالمعنى التقليدي، لكنّه، منذ مقالاته المبكرة، يصرّ على أنّ السياسة لا يمكن أن تقوم دون أخلاق. لا بوصفها وعظًا أو قناعةً شخصية، بل باعتبارها بنيةً جماعيةً للسّلوك، إيقاعًا مشتركًا للفعل، معيارًا ضمنيًّا للتمييز بين الحياة الحقيقية والزائفة.

في مقاله التأسيسيّ أكره اللامبالين، لا يُدين غرامشي موقفًا، بل يكشف هشاشةَ بنيةٍ كاملةٍ من الصمت والتأجيل والانسحاب، تلك البنية التي تجعل الممكن يبدو مستحيلًا، وتجعل اللامشاركة تبدو حيادًا، والحقيقة مجرّد وجهة نظر.

إنّ اللامبالاة، في هذا السياق، ليست سلوكًا فرديًّا، بل عَرَضًا لبنية اجتماعية فقدت الحسّ التّاريخي، وتخلّت عن مسؤولية المشاركة في صنع المصير المشترك. ومن هنا، يبدأ تصوّره للسياسة كتربية، لا كخُطَب. فالتحوّل الاجتماعي لا يبدأ بانتفاضة، بل ببطءٍ، بجهدٍ، بتربية ذاتيّة قاسية، يقول في أحد مقالاته: «ينبغي أن نُغيّر أنفسنا». فبدلاً من أن يُلقي باللوم على البرامج والشعارات، يعود غرامشي إلى المسؤوليّة الفرديّة، إلى السلوك اليومي، إلى نمط التفكير الذي يجعل المرء يُكرّر ما لا يؤمن به، ويعيش بعقلٍ لا يُشبهه.

وفي هذا المنظور، لا يمكن بناء حزب بدون بناء إنسان، ولا يمكن تغيير العالم بدون تغيير اللغة التي تصفُه، ولا يمكن تربية الثورة دون تربية الذات. تبدو هذه المقاربة بعيدةً عن التحليل البنيوي، لكنّها ضروريّة، لأنّها تُمسك بالجذر الأخلاقيّ الذي يجعل السياسة ممكنة. في كلّ سطر من هذه المقالات، ثمّة نَفَسٌ تربويّ، ليس مدرسِيًّا، بل شاقًّا، عميقًا، مُطالبًا. ولذلك، فإنّ غرامشي لا يُقنِعنا، بل يُربّينا.

كتابة غرامشي: مقالة / أداة / معركة

حين نقرأ مقالات غرامشي المبكّرة، سرعان ما ننتبه إلى أمرٍ حاسم: هو لا يكتب نصوصًا «عن» الواقع، بل يكتب «فيه» وضده. لا يكتب كمؤرّخٍ يتأمّل من علٍ، ولا كمُحلّلٍ بارد، بل كمنخرطٍ مشتبكٍ في معركة، والمقالة عنده ليست جنسًا صحفيًا أو أدبيًا، بل سلاحاً.

إنها قصيرة، لكنّها مشحونةٌ. مُباشِرة، لكن غير سطحيّة. هجّاءَةٌ حيناً، تأمّليّة طوراً، تحريضيّة تارةً، لكنّها دومًا تنطلق من فرضيّة واحدة: اللغة ليست محايدة، ومن يكتب، يختار موقعه، ويُعلن ولاءه، ويكشف أدواته.

في هذه المقالات، تتكوّن ملامح ما سيُصبح لاحقًا «الأسلوب الغرامشيّ»: أسلوبٌ يُفضّل الحِجَاج على التقرير، والتفكيك على الإدانة، والسخرية المبطّنة على العنف المباشر؛ أسلوب يبني مستوياتٍ متعدّة من التلقّي، عبر خلقٍ نوعٍ من المسارّة بينه وبين القارئ، يحبو القارئ بين مفاهيم ماركسية وإيديولوجية، ولكنّه في الآن نفسه يداعب بيديه حكاياتٍ وقصصاً وطرائف ومُلَحاً. لكنّ هذا الأسلوب لا ينفصل عن رهانه السياسيّ العميق: إنّه أسلوب يحترم القارئ، لا يستخفّ به، ولا يُعلِّمه من علٍ، بل يُفكّر معه، يُشاكسه أحيانًا، ويُحرّضه على الشكّ حتى في اللغة التي يقرأ بها.

لقد كانت المقالة عند غرامشي معركةً لغويّةً وسوسيولوجيّة، تُستَخدم فيها المفردة لا كزينة، بل كطلقةٍ. وكلُّ استعارة فيها محمّلة بملفّات كاملة من الصراع الطبقي، والخلفيّات التّاريخيّة، والرهانات الرمزيّة. حتّى حين يتحدّث عن المدارس، أو المجلات، أو التعليم، لا يفعل ذلك من موقع الناقد الثقافيّ، بل من موقع من يعرف أنّ كلّ تفصيلةٍ في البنية الرمزية تُسهم في إنتاج الهيمنة، أو في تفكيكها.

هكذا تصير المقالةُ عندَه صورةً مصغّرةً عن مشروعٍ أكبر: مشروع التفكير في السُّلطة من داخل الكلمات. وحين سيكتب لاحقًا في دفاتر السجن عن الهيمنة، وعن الكتلة التّاريخية، وعن الوظيفة العضويّة للمثقّف، سيكون قد بدأ هذا المسار من تلك السطور الأولى، حين كتب، لا ليوضّح، بل ليُقاتل.

ضدّ زمن بلا أسماء

من بين كلّ ما كتبه غرامشي في سنواته الأولى، ثمّة شيءٌ لا يشيخ: ذاك الإصرار العميق على تسمية الأشياء. على ألا نترك الكذب بلا اسم، وألا نُمرّر البلاهة في زيّ الحكمة، وألا نخلعَ على الحياد لقبَ التعقّل.

حين نقرأه اليوم، لا نفعل ذلك من باب التقديس، ولا من باب استعادة ماضٍ ماركسيٍّ مجيدٍ، بل لأنّنا نعيش مرّةً أخرى في عالمٍ بلا مسمّيات واضحة، في زمنٍ تجري فيه الحروب دون أن تُسمّى، وتُمنح فيه الشهادات دون معرفة، ويُمارس فيه القهر باسم الإصلاح، ويُنتخب الجبناء لأنّ الكلمات المشرّفة فقدت معناها.

كتب غرامشي عن الحرب، لا ليصفها، بل ليكشف أن الخرافة هي من خاضت الحرب أولًا. أنّه ما من معركة دموية تُخاض قبل أن تُخاض معركة في المعجم، في العناوين، في نشرات الأخبار، في أغلفة الكتب، في القصائد الوطنيّة. وها نحن نراه اليوم، بنظرته الفاحصة، ينظر معنا إلى حروبنا، إلى «الحروب النظيفة» التي تُدار عبر الشاشات، إلى المجازر المسوَّغة بالخرائط والمصالح، ويسألنا مجدّدًا:

هل سمّيتم هذه الحرب؟ هل تملكون لغتكم لتصفوها؟ أم أنكم تتكلّمون بلغة العدو؟

كتب غرامشي عن المثقّفين الذين انصرفوا إلى تنميق الشعارات، وعن الصحف التي تملأ العيون لكنّها تُفرغ العقول، وعن المدرسة التي لا تُعلّم بل تُبرمج، وعن الشهادات التي لا تُثبت كفاءة، بل ترسّخُ كذبة قانونيةً، وعن استقالة الأسرة من واجبها التربوية الأخلاقيّ. ومَن يقرأه اليوم، في ظلّ فضائح مثل تزييف الشهادات، والمسارات الجامعيّة المبنيّة على الزبونيّة، يفهم أنّ ما كان يكتبه في زمنه، لم يكن دفاعًا عن شكل النظام، بل عن شرط الحُكم نفسه: الاستحقاق.

في زمن باتت فيه الحقيقة مائعة، والنقاشات سائلة، والأحكام مبنيّة على الانطباع لا على المبدأ، يذكّرنا غرامشي أنّ كلّ سياسة لا تبدأ من إعادة بناء اللّغة الأخلاقيّة، ليست سوى تدبير ظرفيّ للبقاء. لذلك لا يكاد يعثر القارئ في مقالاته على أجوبة جاهزة، بل يُرغم على إعادة صياغة الأسئلة: يتساءلُ عن المسافة بينَه وبين الرّاهن، عن مواقفه من عالمه، عن ثمن الانخراط وأثمان اللامبالاة، عن لُغتِه ولُغتِهم، عن تكوينِه وشهاداتِه ومسؤوليته، عن الحرب التي يتوهّم أنّها بعيدةٌ، وأنّ صداها لا يمكن أن يدركَه… عن، وعن، وعن… في عالمٍ يُنتَجُ فيه الزيفُ بسرعة تفوق قدرتَنا على تسميته، نعود إلى غرامشي، لأنّه، وسط كلّ هذا الركام، يُطالبنا بأمرٍ بسيط، صعب، أخلاقيّ، وثوريّ في آنٍ: أن نسمّيَ الأشياء، أن نتحمّل نتائج ذلك،

وأن نبدأ بأنفسنا.

محمّد آيت حنّا

Author

  • منشورات تكوين

    دار نشر تأسست عام 2017، مقرها الكويت والعراق، متخصصة في نشر الكتب الأدبية والفكرية تأليفاً وترجمة.

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

محنة العقل في ثقافتنا 

نعيش اليوم أزمة عميقة تتمثل في غياب العقل بوصفه سلطة اجتماعية تاريخية. نلمس هذا الغياب على المستوى السياسي، حيث لا تزال الدولة العربية الحديثة عاجزة عن التحقق حتى في شكلها البرجوازي

“فكرة الشيوعية”

صدر عن منشورات تكوين كتاب “فكرة الشيوعية” لـ طارق علي، ترجمة د. إيمان معروف. كلمة غلاف فكرة الشيوعية لقد أفسدَ المالُ السياسة، وأفسدَ الكثير من

الأعمال الدرامية في رمضان 2026

يبدو رمضان 2026 موسماً مزدحماً بالحكايات، تتجاور فيه السياسة مع العاطفة، والضحكة مع الألم، والتاريخ مع الحاضر