محنة العقل في ثقافتنا 

-+=

إنَّ محنة العقل في ثقافتنا محنة حقيقية وعميقة في المجتمع العربي، وغالبًا ما يُعبَّر عنها بغياب الوعي أو ضعف القدرة على النقد والمراجعة. غير أنّ هذه المحنة ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى العصر الوسيط، وربما إلى ما قبله. ومن هنا أطرح هذه الفكرة وهذه التصورات في سياق عملي يحاول أن يلامس المشكلة من أساسها.

فإذا أردنا أن نتحدث عن محنة العقل في ثقافتنا، فعلينا أولًا أن نحدد ما نعنيه بالعقل نفسه. غير أن تعريف العقل ليس أمرًا سهلًا، فكل فيلسوف يمتلك تصوره الخاص عنه، ولكل مدرسة فلسفية فهمها وآلياتها المختلفة. ولذلك فإن مفهوم العقل يظل من أكثر المفاهيم صعوبة وتعقيدًا في التحديد.

أنا أنطلق من منظور مادي جدلي، ولذلك سأحاول أن أقدّم تحديدًا لهذا المفهوم من داخل هذا المنظور، مع إدراكي الكامل لوجود تصورات متعددة للعقل وآلياته ووظائفه.

ومن هنا يبرز عدد من الأسئلة الأساسية: هل نستطيع أن نتحدث عن عقل للمجتمع؟ هل يمكن أن نقول إن لهذه الحضارة أو تلك عقلًا خاصًا بها؟ وهل نستطيع أن نتحدث عن عقل للتاريخ نفسه؟

هذه الأسئلة ليست جديدة، فقد طرحها كثير من المفكرين، وخصوصًا المثاليين. ولا يمكن هنا أن نغفل مساهمة محمد عابد الجابري، الذي تحدث عن العقل العربي والعقل اليوناني والعقل الأوروبي، وغير ذلك من التصنيفات التي حاولت أن تربط بين أنماط التفكير والبنى الحضارية المختلفة.

هناك من رأى أن الروح ليست مرتبطة بالدماغ، كما عند ديكارت، الذي اعتبر العقل جوهرًا قائمًا بذاته ومستقلًا عن الجسد. وكذلك فعل كارل بوبر في كتابه “الذات ودماغها: حجة من أجل التفاعلية” حين حاول، في القرن العشرين، أن يبيِّن أن العقل يمتلك نوعًا من الاستقلالية عن البنية المادية الخالصة. لكن يمكن النظر إلى هذا التصور بوصفه نوعًا من الشطحة الفكرية عند بوبر؛ لأن الدماغ يتطور بتطور الحياة نفسها، ولأن العقل، في نهاية المطاف، لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا التطور المادي والتاريخي. ولو لم يكن الدماغ قد تطور عبر مسار طويل ومعقد، لما كان من الممكن أن يظهر العقل بالصورة التي نعرفها اليوم. 

فالعقل، بوصفه تركيبًا اجتماعيًا تاريخيًا، ليس نتاجًا فرديًا خالصًا، بل هو وضع انعكاسي ونتاج شبكة من الأنساق والعلاقات الاجتماعية التي تربط بين الأفراد. وكما عبّر ماركس، فإن العقل لا يوجد داخل دماغ منفرد فقط، بل يتشكل في العلاقات الاجتماعية القائمة بين عدد كبير من الأدمغة.

وبهذا المعنى، فإن العقل هو نتاج لهذه الشبكة من الأدمغة، ويتطور بتطور العلاقات الاجتماعية ذاتها. وليس المقصود هنا التطور بالمعنى البيولوجي أو التطوري الذي تحتاج فيه الأدمغة إلى آلاف السنين لكي تتغير، بل المقصود هو التطور الاجتماعي التاريخي، أي ذلك الانعكاس المتبادل الذي يجري بين عدد كبير من الأدمغة داخل سياق اجتماعي محدد.

أما إذا حاولنا اختزال العقل إلى مجرد عملية بيولوجية خالصة، فإننا نقع في نوع من المادية المبتذلة، شبيهة بمادية القرن التاسع عشر التي انتقدها إنجلز لأنها أغفلت التاريخ والاجتماع، واختزلت الإنسان إلى كائن طبيعي مجرد، متناسية أن الوعي نفسه يتشكل داخل شروط اجتماعية وتاريخية محددة.

في المجتمع البشري لا تقوم له قائمة إلا بالعقل، لكن العقل، عبر فترات طويلة من التاريخ، لم يكن سلطة قائمة بذاتها، ولم يكن قد تشكل بعد بوصفه منظومة برهانية مستقلة. لقد كان دائمًا ملحقًا بغيره: بالغرائز، أو بالمخيال، أو بما يمكن تسميته بالعقل الباطني والهواجس.

وطوال مراحل طويلة من تاريخ الحضارة البشرية، كانت الأسطورة هي الغالبة. وقد سمَّى فراس السواح هذه المرحلة بـ «مغامرة العقل الأولى»، حيث كان العقل لا يزال مطموسًا أو مختزنًا داخل البنية الأسطورية، ولم يكن قد تحول بعد إلى فكر برهاني مستقل. لم تكن له سلطة قائمة بذاته، بل كان خاضعًا لسلطة المخيال والحدس والهواجس، ولذلك ظل ملحقًا بالنقل، بينما بقي النقل هو السائد والمهيمن.

ولم تبرز سلطة العقل بوضوح إلا مع بروز الفلسفة البرهانية في اليونان. صحيح أن أشكالًا من التفكير الفلسفي وُجدت في الصين والهند وبعض الحضارات الشرقية، غير أن الفلسفة لم تكن هناك هي الأساس المهيمن، بل كانت الأسطورة والرؤية الدينية والرمزية هي الغالبة. ولذلك لم تتبلور سلطة العقل في صورتها البرهانية أو الشكلية كما حدث في التجربة اليونانية.

فالفلسفة لم تستقل تمامًا في تلك الحضارات، وبالتالي لم يستقل العقل بوصفه سلطة قائمة في ذاته. ومع ذلك، يمكن القول إن بدايات تشكل العقل سبقت الفلسفة اليونانية، لكنها لم تبلغ مستوى الاستقلال والوضوح الذي ظهر لاحقًا مع الفلسفة البرهانية.

برز العقل بوصفه سلطة مستقلة بذاته مع ظهور الفلسفة كنظام برهاني؛ لأن الفلسفة تمثل أنقى تعبير عن سلطة العقل. ولهذا كانت الفلسفة اليونانية الكلاسيكية التعبير الأوضح عن استقلال العقل عن النقل. ففي الحضارة اليونانية نشأ ما يمكن تسميته بالعقل النظري، وهو عقل ميتافيزيقي يضم بين ثناياه الفلسفة والرياضيات والعلم النظري.

وقد بلغ هذا العقل ذروته في أثينا مع أفلاطون وأرسطو، ثم بدأ بعد ذلك ينحسر تدريجيًا ويلتحق بالنقل، خاصة في المرحلة الهلنستية ثم البيزنطية. وكانت الدولة البيزنطية أول دولة دينية بالمعنى الكامل، لأنها أعلنت دين الدولة بصورة رسمية، ومنذ تلك اللحظة بدأ العقل النظري يتراجع تحت وطأة السلطة الدينية. ويكفي أن نتذكر ما حدث للعالمة هيباتيا، التي قُتلت باسم النقل والسلطة الدينية، بوصفها رمزًا لصراع العقل مع المقدس المغلق.

وفي الحضارة العربية – الإسلامية، خصوصًا في العصر العباسي، جرى نوع من استئناف العقل النظري اليوناني. فقد احتاجت الطبقة الحاكمة في مراحلها الأولى إلى العقل الميتافيزيقي بوصفه أداة للإدارة والإمبراطورية وإعادة الإنتاج، كما كان ضرورة للتنمية والتجارة وتنظيم الدولة. ولهذا ارتبط صعود العقل النظري بمرحلة المأمون والمعتزلة وحركة الترجمة والانفتاح على التراث اليوناني.

لكن هذا العقل النظري ظل يبحث دائمًا عن شرعيته داخل مجتمع يهيمن عليه النقل، ولذلك حاول كثير من الفلاسفة إقامة مصالحة بين العقل والنقل، أو بين أثينا وأورشليم، واستمرت هذه المعركة قرونًا طويلة. غير أن هذه المصالحة لم تتحقق فعليًا في المجال الإسلامي، بل انتهى الأمر بانتصار النقل وهزيمة العقل الميتافيزيقي، نتيجة التحولات السياسية والاجتماعية داخل الإمبراطورية، وصعود العسكريتارية التركية العثمانية التي رأت في العقل النظري عبئًا لا حاجة له، فسعت إلى تفكيكه. وفي هذا السياق جرى توظيف الغزالي في تصفية الفلسفة والعقل النظري.

أما في أوروبا، فقد حدث مسار مختلف تمامًا. ففي عصور الظلام كان العقل الديني المقدس هو المسيطر، لكن مع بداية الألفية الثانية برزت جماعات التجارة والمدن، ونشأت طبقات شبه برجوازية امتلكت طموحات جديدة، فوجدت في العقل النظري العربي مصدر إلهام. ومن خلال هذه الظروف الاجتماعية الجديدة نشأت محاولة للمصالحة بين العقل والنقل، وكان من أبرز ممثليها توما الأكويني، الذي حاول التوفيق بين الفلسفة والدين.

وقد مثَّلت هذه المصالحة في أوروبا خطوة نحو تجاوز العقل الميتافيزيقي القديم، وفتحت الطريق أمام الحداثة والعلم، بينما لم يتمكن العقل النظري العربي من إنجاز هذه المهمة التاريخية.

بعد المصالحة الكبرى التي جرت بين العقل والمؤسسة الدينية في أوروبا، لم يتوقف المجتمع الأوروبي عند هذه المرحلة، بل واصل تطوره. فقد استمرت البرجوازية الأوروبية في النمو، ولم تعد تكتفي بالتوفيق بين العقل والنقل، وإنما بدأت تبحث عن سبل جديدة للصدام مع العقل الميتافيزيقي اليوناني والعربي معًا.

وهذا ما حدث بالفعل مع التحولات الكبرى التي قادها فلاسفة وعلماء مثل فرانسيس بيكون، ورينيه ديكارت، وتوماس هوبز، إلى جانب علماء كبار كان لهم دور حاسم في تقويض العقل الميتافيزيقي، مثل جاليليو وكبلر ونيوتن. وقد كان جاليليو، على وجه الخصوص، أحد أبرز من أسهموا في تحطيم الأسس القديمة للعقل الميتافيزيقي، حين أدخل المنهج التجريبي والرياضي إلى فهم الطبيعة، ثم جاء نيوتن ليمنح هذا التحول شكله المكتمل.

وهكذا جاءت الثورة العلمية الكبرى لتدمر البنية الأساسية للعقل الميتافيزيقي القديم، ومن داخل هذا التدمير نفسه برز عقل جديد هو عقل الحداثة، أو العقل العلمي الحديث، الذي واصل نموه وتطوره حتى أصبح الأساس الذي قامت عليه الدولة الحديثة، والعلم الحديث، والصناعة، والتكنولوجيا.

أما بالنسبة إلينا في الوطن العربي، فإن المسار كان مختلفًا تمامًا. فلم تحدث التحولات التي شهدتها مجتمعات مثل روسيا، أو الصين، أو اليابان، أو الهند. ولأسباب كثيرة، منها فشل الثورة العربية، وسيطرة البيروقراطيات على مشاريع التحرر الوطني، بقيت محاولات النهضة العربية محدودة ومبتورة.

بل إن هذا العقل، حتى في بواكيره التنويرية الأولى، تعرض للتصفية مع صعود الوعي الغيبي وصعود الإسلام السياسي، لا الدين بوصفه إيمانًا فرديًا، بل الدين السياسي بوصفه مشروعًا للهيمنة. ومن المهم هنا التذكير بأن الدين السياسي ليس حكرًا على الإسلام وحده، بل يشمل أيضًا الدين السياسي اليهودي والمسيحي، حيث تضافرت أشكال متعددة من توظيف المقدس في السياسة لإجهاض محاولات التنوير والتحرر الوطني.

وهكذا تعرض العقل في تاريخنا العربي لهزيمتين كبيرتين: الأولى في العصر الوسيط، عندما جرى تفكيك العقل النظري العربي وتصفية الفلسفة، والثانية في العصر الحديث، عندما نجحت القوى الرجعية في القضاء حتى على المحاولات المحدودة والناقصة للتنوير والتحرر الوطني.

ولذلك نحن نعيش اليوم أزمة عميقة تتمثل في غياب العقل بوصفه سلطة اجتماعية تاريخية. نلمس هذا الغياب على المستوى السياسي، حيث لا تزال الدولة العربية الحديثة عاجزة عن التحقق حتى في شكلها البرجوازي، وتبقى أقرب إلى بنى استبدادية تذكّر بأشكال السلطنة القديمة. ونلمسه كذلك على المستوى العسكري، وعلى مستوى المقاومة، وعلى مستوى الاقتصاد، حيث يغيب التخطيط والعقلانية والإنتاج الحقيقي.

أما في العلم والتكنولوجيا، فالوضع أكثر وضوحًا؛ إذ نعاني غيابًا شبه كامل للعلم المنتج وللتكنولوجيا المنتجة، ونكتفي غالبًا بالاستهلاك والاستيراد. وهكذا نعيش مأزقًا تاريخيًا يتمثل في غياب العقل بالمعنى الاجتماعي التاريخي، أي غياب العقل بوصفه قوة تمتلك سلطتها الخاصة داخل المجتمع، لا بوصفه مجرد أداة هامشية أو ملحقة بسلطات أخرى.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

«أكره اللامبالين»

صدر عن منشورات «تكوين» “أكره اللامبالين” أنطونيو غرامشي، ترجمة مينا شحاته، تقديم وتحرير ومراجعة محمد آيت حنا. تقديم: ضدّ اللامبالاة       «كلّ شيءٍ يحدث، لا يحدث

“فكرة الشيوعية”

صدر عن منشورات تكوين كتاب “فكرة الشيوعية” لـ طارق علي، ترجمة د. إيمان معروف. كلمة غلاف فكرة الشيوعية لقد أفسدَ المالُ السياسة، وأفسدَ الكثير من

الأعمال الدرامية في رمضان 2026

يبدو رمضان 2026 موسماً مزدحماً بالحكايات، تتجاور فيه السياسة مع العاطفة، والضحكة مع الألم، والتاريخ مع الحاضر