الحروب البيولوجية استراتيجية عسكرية

-+=

تهدف هذه المقالة إلى الكشف عن الاستراتيجية العسكرية الأميركية التي تعتمد، بشكل واضح، منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، على تفعيل سياسة الحروب البيولوجية والجرثومية لإبادة الشعوب بأساليب أقل كلفة وأكثر فتكًا. وقد كانت أولى التجارب الناجحة لسياسة تلك الحروب، بحسب ما يورده هذا المقال، تجربة فيروس كورونا (كوفيد-19).

إن تشعّب هذا الموضوع عبر التاريخ، وتمايز المراحل والأهداف، وتطور الأبحاث، كل ذلك يحتاج إلى دراسة وتمعن لكشف الحقائق والأهداف المرتبطة بالاستراتيجية العسكرية التي تعتمد الحروب البيولوجية لإبادة الأكثرية من شعوب العالم. وأظهرت وثيقة NSSM-200 لعام 1974 أن الإدارة الأميركية كانت تهيب من ظاهرة النمو السكاني السريع في العديد من البلدان النامية، باعتبارها عاملاً قد يؤثر على الأمن القومي الأميركي، ودعت إلى معالجة هذا الموضوع. (1)

لقد أصبحت الاستراتيجية الأميركية أكثر وضوحاً، على الرغم من الحظر الإعلامي المفروض على مجمل وسائل الإعلام في العالم، والسرية المطلقة التي تحيط بهذه الاستراتيجية. وعلى الرغم من كل ذلك، سنحاول في الكشف عن المخططات الأميركية واستراتيجيتها وتحضيراتها للحروب البيولوجية والجرثومية لإبادة البشرية وتخفيف عدد سكان الأرض لمصلحة الرأسمال المعولم وحفنة من طبقة الكومبرادور العالمي، التي تحلم بتأسيس دولة واحدة على الأرض تتحكم بكل خيراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية بأقل كلفة ممكنة.

لمحة تاريخية حول الحروب الجرثومية والبيولوجية

يقول المؤرخون إن رماة جيش السكيثيين، عام 400 ق.م، وهم شعب بدوي متنقل ينحدر من أصول إيرانية من مملكة (سيثيا)، كانوا يُلوّثون سهامهم عن طريق غمسها في جثث متحللة أو في دم مخلوط بالسماد. وكذلك سمّم الآشوريون، في القرن السادس قبل الميلاد، آبار الماء التي يشرب منها أعداؤهم مستخدمين فطراً ساماً (مهمان الجودو) يصيب من يتناوله بالهلوسة، ويُستخرج حالياً من هذا الفطر العقار المخدر “إل إس دي”. واستشهد الأدب الفارسي واليوناني والروماني، منذ العام 300 ق.م، بأمثلة للحيوانات الميتة التي استُخدمت لتلويث الآبار ومصادر المياه الأخرى. أما في معركة يوريمدون عام 190 ق.م، فقد حقق هنيبعل نصراً بحرياً على الملك أوومنيس الثاني من بيرغامون، بإطلاقه على سفن العدو سفناً محمّلة بفخاريات مليئة بالثعابين السامة. وعندما غزا جنكيز خان أوروبا في القرن الثالث عشر، قيل إنه أطلق، عن غير قصد، سلاحاً بيولوجياً مخيفاً هو طاعون الماشية أو الطاعون البقري، إذ يؤثر هذا الفيروس في الماشية والماعز والثيران والزرافات، وهو من الأمراض المعدية للغاية، حيث يسبب الحمى وفقدان الشهية والتهاب الأغشية المخاطية، ويستمر من 6 أيام إلى 10 أيام حتى يستسلم الحيوان في النهاية للجفاف ثم الموت. والأمر نفسه حصل خلال حصار التتار لمدينة كافا في شبه جزيرة القرم في القرن الرابع عشر الميلادي، حيث ألقوا جثثًا مصابة بالطاعون على المدينة في محاولة لإحداث وباء داخل قوات العدو. وكانت النتيجة أن انتشر الطاعون في أوروبا وقتل ملايين الناس. (2)

خلال الحرب العالمية الأولى، استُخدمت الغازات السامة، كالكلور والفوسجين وغاز الخردل، ما أدى إلى مقتل مئة ألف جندي وإلحاق الأذى بـ1.3 مليون آخرين. أما خلال الحرب العالمية الثانية، فقد شغّلت القوات اليابانية منشأة سرية لأبحاث الحرب البيولوجية (الوحدة 731)، التي أجرت تجارب حربية جرثومية على السجناء. ونتج عن ذلك سقوط أكثر من 3000 ضحية بسبب الطاعون والجمرة الخبيثة والزهري وأوبئة أخرى، في محاولة لتطوير المرض ومراقبته، فضلاً عن نشرها للبكتيريا المسببة للطاعون في مدن صينية عديدة بواسطة قنابل انشطارية وبراغيث حاملة للمرض.

وتوضح الوثائق المنشورة عن هذه الفترة أن بريطانيا أجرت تجربة على مرض الجمرة في جزيرة غرونارد على ساحل اسكتلندا، وما زال يُحظر الدخول إلى هذه الجزيرة حتى الآن بسبب تلوث تربتها ببكتيريا هذا الوباء. وبدأت الولايات المتحدة مشروع أبحاث على الأسلحة البيولوجية في فورت ديتريك في ماريلاند، وما زال هذا الموقع يعمل للغرض نفسه، لأغراض دفاعية فقط.

تُعد الولايات المتحدة من أبرز المتهمين دائماً باستخدام الأسلحة البيولوجية. ففي عام 1960، وُجّهت الاتهامات والشكوك إلى الجيش الأميركي حول استخدامه أسلحة بيولوجية في حربه على فيتنام.

إن استراتيجية التوسع العسكري البيولوجي ليست جديدة في الأساس، وقد وضعتها الولايات المتحدة بدءاً من خمسينيات القرن الماضي خلال فترة الصراع الكوري. ومع الدور الهام للبحرية الأميركية، تم إنشاء مختبرات بيولوجية عسكرية في إفريقيا وأميركا الوسطى والجنوبية وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، وكان هدفها الرئيسي جمع مسببات الأمراض ذات الخطورة المرتفعة بشكل خاص، وتحديد مستوى انتقالها إلى السكان المحليين في المناطق التي توجد فيها هذه المختبرات. حيث كان هناك تدهور في الوضع الوبائي جراء العدوى الخطيرة بشكل خاص، وتم تسجيل أمراض جديدة لم تكن نموذجية في تلك المناطق. ومن الأمثلة على ذلك تفشي حمى “الوادي المتصدع” عام 1977  في القاهرة، حيث تمركز المعمل البيولوجي رقم 3 التابع للبحرية الأميركية. فقد تم العثور على هذا المرض فقط في الجنوب المصري، ثم ظهر فجأة في شمال مصر، حيث أُصيب 18 ألف شخص بالمرض في الوقت نفسه. وأظهر التحليل اللاحق لعينات من السكان أن العدد الإجمالي للذين أُصيبوا ثم تعافوا كان حوالي مليوني شخص.

وتشير مجموعة كاملة من الأدلة، بحسب ما يورده المقال، إلى الطبيعة المصطنعة لتفشي حمى “الوادي المتصدع” وضلوع المختبر الأميركي في ذلك من خلال:

أولًا: إنه قبل بضعة أشهر من بدء الوباء، تم تطعيم موظفيه ضد حمى الوادي المتصدع، على الرغم من أن تفشي هذه العدوى لم يُسجل مطلقاً في هذه المنطقة. وفي المناطق الموبوءة في إفريقيا تحولت إلى مرض خفيف يشبه الإنفلونزا ولم يتسبب في الموت.

ثانياً: أثناء الوباء في مصر، اكتسب المصابون قدرة عالية من المناعة تجاه هذه الأمراض، ولكن فجأة استمر المرض مع نزيف وتلف شديد في العين والجهاز العصبي، وأصبح الفيروس شديد الفتك، وكاد يكون مساوياً، في هذا الصدد، لفيروسات الجدري وحمى ماربورغ ولاسا. ومن الصعب للغاية تفسير مثل هذا التغيير المفاجئ في الأمراض الفيروسية من خلال تطورها الطبيعي. وتداولت وسائل إعلام كثيرة أن العراق بدأ عام 1985 برنامجاً لتطوير أسلحة بيولوجية هجومية، كإنتاج الجمرة الخبيثة وتوكسين البوتولينوم والأفل توكسين. وخلال عملية عاصفة الصحراء، وفي أعقاب حرب الخليج العربي والاحتلال الأميركي للعراق، كُشف عن وجود قنابل وصواريخ سكود وصواريخ 122 ملم وقذائف مدفعية مزودة بسموم البوتولينوم والجمرة الخبيثة والأفلاتوكسين لمواجهة قوات التحالف.

عصر النهضة 

استفاض الباحث والمؤرخ الأميركي شالدون واتس (Sheldon Watts)، أستاذ التاريخ الثقافي والاجتماعي، في كتابه “الأوبئة والتاريخ والمرض والقوة الإمبريالية” (3)، في الكتابة الموثقة حول الحرب الجرثومية في عصر النهضة، حيث أظهر كيف تتابعت هذه النشاطات وتكرر استخدام تلك الأسلحة نفسها في حوادث مشابهة في عصر النهضة. ففي العام 1710، حاصر الروس القوات السويدية في ريفال بإستونيا، وأرسلوا جثث أشخاص كانوا مصابين بمرض الطاعون. كما أرسلت القوات البريطانية، في العام 1763 خلال الحرب الفرنسية والهندية، عدوى مرض الجدري إلى رؤساء القبائل الهندية، مما أدى إلى قتل معظم السكان الأصليين بسبب انتشار الوباء. حدث ذلك عندما أرسل قائد القوات البريطانية بطانيتين ومنديلاً ملوثين بالجدري إلى رؤساء هذه القبائل كهدية. ومن المعروف أن الجدري من الأمراض الفيروسية الشديدة العدوى عن طريق الهواء، ولديه القدرة على الإصابة لفترات طويلة بسبب تميزه بدرجة عالية من الاستقرار البيئي.

وفي هذا الخصوص، يذكر شلدون واتس في كتابه السابق الذكر “الأوبئة والتاريخ، المرض والقوة الإمبريالية” أن الجنرال سير جيفري أمهرست، قائد الجيش البريطاني في أميركا الشمالية، أمر عام 1763 باستخدام السلاح البيولوجي ضد من تبقى من الهنود الحمر للتعجيل بإفنائهم. وبعد هذا الوباء الكاسح، انقسمت هذه القبائل الأصلية وتبعثر نظامها الإداري، وصارت معتمدة على المنح التي يفيض بها عليها الرجل الأبيض. كما اجتاح وباء آخر المناطق الغربية من أميركا الشمالية ووصل إلى المحيط الهادئ، وذلك بين عامي 1817 و1840، وقتل ما يزيد على 40 ألف نسمة في مناطق فيكتوريا وفانكوفر، وامتد إلى ألاسكا وقتل 60 % من الأهالي الأميركيين الأصليين، ولم تبذل السلطات الموجودة آنذاك أي محاولة جادة لحصر انتشار الوباء. ثم هناك الكثير ممن تبقى من الهنود الحمر بين عامي 1890 و 1910. ويوثق شلدون واتس في الكتاب نفسه العديد من الحالات التي استخدم فيها الرجل الأبيض الحرب البيولوجية والجرثومية للقضاء على مقاومة أهالي المناطق التي حاول السيطرة عليها. ويؤكد الباحث أن سيطرة الرجل الأبيض على أميركا ما كانت لتتم لولا استخدام هذا السلاح، بل ويربط بين الظاهرة الاستعمارية وانتشار الأوبئة في آسيا وإفريقيا. وفي تلك الفترة أيضاً، استُخدمت الأسلحة البيولوجية وانتشرت الأوبئة في الحروب الأهلية الأميركية عام 1863.  وقد صدرت ادعاءات من الجانبين خلال الحرب الأهلية الأميركية، ولكن بشكل خاص ضد الجيش الكونفدرالي، بمحاولة استخدام الجدري لإحداث المرض بين قوات العدو.

الحرب البيولوجية المعاصرة : التعاون الأميركي مع “معهد البحوث البيولوجية الإسرائيلي”

كشفت الباحثة الفلسطينية زهرة خدرج، في دراسة لها نشرت بتاريخ 16/10/2022، النقاب عن العديد من نشاطات “معهد البحوث البيولوجية الإسرائيلي” قبل إنشائه، وكشفت أيضاً عن الكثير من المصادر التي تحدثت عن النشاط “الإسرائيلي” والتعاون الأميركي في العمل البيولوجي (4).

وقد كشفت زهرة خدرج عن أول تصريح لـ بن غوريون اتضحت فيه نيته استخدام أسلحة بيولوجية وكيميائية في 2 شباط عام 1948، وقبل إنشاء كيان الاحتلال. إذ أرسل برقية إلى إيهود أفريل، أحد أعضاء الوكالة اليهودية، وكان يعمل على شراء أسلحة للعصابات الصهيونية في فلسطين من أوروبا، يخبره فيها بأنه عليه العثور على علماء يهود من أوروبا الشرقية بمقدورهم قتل العديد من الناس. فوقع الاختيار على ماركوس كلين يرغ، الذي أسس نواة فيلق العلوم داخل “الجيش الإسرائيلي” في العام 1948، وهي وحدة مخصصة للحرب البيولوجية معروفة باسم “هيميد بيت”. وبعد أربع سنوات من البرقية المذكورة، وفي قرية وادي حنين، في قصر عائلة التاجي الفلسطينية المهجّرة إلى غزة، وتحديداً في عام 1952، أسس معهد البحوث البيولوجية رسمياً. وأُعطي المعهد الصبغة المدنية رغم الغموض الذي يكتنف نشاطاته أصلاً. ويتبع المعهد مباشرة لسلطة رئيس وزراء الاحتلال، مثله مثل المنشأة النووية في ديمونة، ويعمل لصالح وزارة الحرب على تطوير أنظمة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، مثل تطوير الجراثيم والمواد الكيميائية القاتلة والأمصال المضادة للبكتيريا والسلاح الكيماوي. ويخضع لحراسة أمنية مشددة ويحظى بالسرية التامة. ويعمل في المعهد حوالي 350 شخصاً، 150 منهم حاصلون على درجة الدكتوراه ويُعرفون بـ”العلماء”، والباقي من الفنيين والمهندسين وأصحاب المهن المساعدة.

وقد كشفت زهرة خدرج مجموعة من المصادر، أهمها:

1- كتاب “التطهير الإثني لفلسطين” (The Ethnic Cleansing of Palestine)، الصادر في العام 2006، يقول المؤلف جيف سيمونز (Geoff Simons): “قبل سقوط عكا في قبضة جيش الاحتلال في 17 أيار/مايو 1948، نادت عصاباته المهاجمة عبر مكبرات الصوت: استسلموا أو انتحروا!”. ويقول أيضاً إن القوات “الإسرائيلية” عمدت إلى تلويث مصادر المياه التي كانت تغذي عكا، ما أدى إلى تفشي وباء التيفوئيد. وكانت هذه هي المرة الأولى التي ينتشر فيها الوباء في فلسطين، وكان ذلك جزءاً من الحرب البيولوجية التي أسماها الاحتلال آنذاك “سلاح لا حميما”، وتعني “تبرّع بخبزك”، وهي جزء من قول يهودي: “تبرع بخبزك لأنك سوف تستعيده آجلاً أم عاجًًا، فهذا الكرم سيعود عليك بالنفع”.

2- يقول الدكتور سلمان أبو ستة (Salman Abu Sitta)، في مقال بعنوان “إسرائيل أول من استخدم الحرب الجرثومية في فلسطين وأكبر خازن لها”، منشور في صحيفة “الحياة اللندنية”: “في ملفات الصليب الأحمر في جنيف التي أصبحت متاحة للباحثين الآن اتضح أنه مع بدء مهاجمة حيفا واحتلالها في 22/4/1948، فرّ أهلها من القذائف والقتل إلى عكا التي كانت تحت الحماية البريطانية”. وكانت مياه الشرب في عكا تأتي من القرى الشمالية عبر قناة الباشا، وتعترض طريق القناة مستعمرات صهيونية، حيث حقن الصهاينة المياه بجرثومة التيفوئيد، ما أدى إلى انتشار حمى التيفوئيد بين الفلسطينيين والجنود البريطانيين. وجراء ذلك أُخليت المدينة وهجرها معظم أهلها، ولم يتمكنوا من العودة إليها.

3- ووفقًا لكتاب “آخر المحرمات (The Last Taboo) ” لأفنير كوهين (Avner Cohen)، فإنه في 22 أيار / مايو 1948  قبض المصريون على جنديين “إسرائيليين” ينتميان إلى وحدة هاشقر من وحدات البلماخ بالقرب من آبار المياه شمال غزة، ويرتديان زي العرب ويحملان قارورة فيها ماء من مستويين: أحدهما مياه شرب عادية، والآخر سائل مليء بجراثيم التيفوئيد والدوسنطاريا أُنتج بواسطة الوحدة العلمية للهاغانا بهدف تلويث الآبار لإلحاق الأذى بجنود الجيش المصري. وبعد المحاكمة أُعدم الجنديان. وذكر كوهين في الكتاب نفسه: “تركزت في بداية ومنتصف الخمسينيات من القرن الماضي أنشطة المعهد على الأمراض المعروفة مثل داء الكلب والطاعون الدبلي والتيفوئيد، لكن لاحقاً تركز عمل المعهد على فحص كيفية نقل الأمراض باستخدام الحشرات مثل الصراصير والبعوض والبراغيث… إلخ”.

4- وورد في كتاب “لماذا يكرهوننا” لناصر بن محمد الزمل أن الهيئة العربية العليا قدّمت لهيئة الأمم المتحدة في   22/7/1948 تقريراً مفصلاً من 13 صفحة، نشره الصحفي الأميركي توماس هاملتون بعد عدة أيام في صحيفة “نيويورك تايمز”، ويتهم التقرير الاحتلال الإسرائيلي بالتخطيط والتنفيذ وإقامة المختبرات لإبادة العرب باستخدام الجراثيم والبكتيريا. ومما جاء فيه أن “إسرائيل نشرت الكوليرا في مصر في خريف 1947 وفي سورية في شباط/ فبراير 1948”. وفي ورقة بحثية لأفنير كوهين بعنوان “الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الإسرائيلية: التاريخ، الردع والحد من التسلح”، ورد فيها أن المعهد عمد إلى دراسة السموم غير الحية من مصادر نباتية وحيوانية وأنواع من البكتيريا، وبموجبها دُرس أكثر من 15 نوعاً من السموم، اعتُمد بعضها للاستخدام، منها سم مستخرج من بكتيريا ستافيلوكوكس أوريس، وهو سم فعال وقوي استخدمته الولايات المتحدة سلاحاً بيولوجياً. ويُستخلص أيضاً أن المعهد منذ إنشائه ارتبط بمجموعة من الأبحاث التي تتضمن برامج أسلحة بيولوجية هجومية، ورغم ذلك لم تُدرج الولايات المتحدة “إسرائيل” على قائمة الدول التي تمتلك أسلحة بيولوجية هجومية.

وفي عام 1992 تحطمت طائرة شحن تتبع لشركة “العال” الصهيونية في أمستردام، عاصمة هولندا، قرب مجمع سكني، ما أدى إلى مقتل 43 شخصاً وتدمير شقق سكنية. وفي محيط الحادثة ظهرت حالات مرضية غامضة، من طفح جلدي وصعوبات تنفس واضطرابات عصبية وسرطانات. وزعمت “إسرائيل” أن الطائرة كانت تنقل عطوراً وأزهاراً، لكن محامي شركة الطيران في لاهاي أعلن لاحقاً أن تفاصيل الحمولة الحقيقية لن يُصرّح بها “لأسباب لها صلة بأمن الدولة”. ويضيف مؤلف كتاب “التطهير الإثني لفلسطين” أنه بعد ست سنوات من حادثة تحطم الطائرة كشفت جريدة هولندية على صفحتها الأولى عن بيان شحن يُظهر أن الطائرة كانت تنقل مواد كيميائية خطرة جداً من الولايات المتحدة الأميركية إلى “إسرائيل”، تُستخدم لإنتاج غاز الأعصاب. لقد استغرق التحقيق الصحفي ست سنوات لفضح حقيقة أن الطائرة كانت في طريقها إلى “إسرائيل” وتحمل 190 لتراً من مادة ثنائي ميثيل ميثيل فوسفونات (DMMP) ومادتين كيميائيتين أخريين هما حمض الهيدروكلوريك وإيزوبروبانول.

القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وديع حداد، الذي يُعد العقل المدبر لتخطيط عمليات عسكرية ضد أهداف “إسرائيلية”، اغتيل في 28 آذار / مارس 1978 بواسطة سم لا تظهر أعراضه على الجسد مباشرة، وطُوّر السم في مختبرات “معهد البحوث البيولوجية الإسرائيلي”. كما حضّر المعهد السم الذي استخدمه الموساد لاغتيال زعيم حركة حماس خالد مشعل في الأردن سنة 1997، وهو أيضاً من حضّر الترياق الذي أنقذ حياته بعد اعتقال عميلي الموساد في عمّان، وأُجبرت “إسرائيل” على إرسال الترياق، ما أنقذ حياته. كما تحدثت الصحيفة البريطانية بورين ريفورت عن السم المستخدم لمحاولة اغتيال مشعل من قبل الموساد، والذي جرى تطويره في معهد بيولوجي. 

تطورت أساليب الحرب البيولوجية بشكل كبير وأكثر خطورة مما كانت عليه في السابق، فقد تطورت الأبحاث في مجال الحرب الجرثومية ومختبراتها بشكل علمي ومكثف، مما أدى إلى ظهور العديد من الأمراض والأوبئة الجديدة والفتاكة التي حصدت أرواح ملايين البشر.

يقول المؤرخون إن الجيش الألماني طوّر الجمرة الخبيثة والغدد والكوليرا وفطريات القمح، على وجه التحديد، لاستخدامها كأسلحة بيولوجية. وزُعم أن جنوده نشروا الطاعون في سانت بطرسبرغ بروسيا، وأصابوا البغال بالتهاب في بلاد ما بين النهرين، وحاولوا أن يفعلوا الشيء نفسه مع خيول الفرسان الفرنسيين. كما وُجّه الاتهام إلى ألمانيا بأنها أرسلت إلى الولايات المتحدة قطعان ماشية مصابة بمرض الحمى القلاعية، وحاولت نشر الكوليرا في إيطاليا. ورغم أنه لم يتم إثبات هذه التهم، فإنها كانت خطيرة ومثيرة للقلق، إلى درجة جعلت مؤتمر جنيف عام 1925 يحظر استخدام الأسلحة البيولوجية والكيميائية. 

لا بد من متابعة كشف أسرار وخبايا الاستراتيجية العسكرية الأميركية  في الحروب البيولوجية .  

المراجع:

(1) – مذكرة دراسة الأمن القومي رقم 200 (NSSM-200)، آثار النمو السكاني العالمي على أمن الولايات المتحدة ومصالحها، 24 نيسان 1974.

(2)  – أبو رياد مجد، حروب مميتة.. الجراثيم والبكتيريا أكثر الأسلحة فتكًا في التاريخ. الدراسة موجودة على الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.noonpost.com، 3/1/2020.

(3)- واتس شلدون، الأوبئة والتاريخ: المرض والقوة الإمبريالية»، ترجمة أحمد محمود عبد الجواد، المركز القومي للترجمة، 2017. انظر الرابط الإلكتروني:

https://www.moor-book.com

عنوان الكتاب باللغة الإنكليزية:

Sheldon Watts, Epidemics and History: Disease and Imperial Power, published by Yale University.

https://yalebooks.yale.edu/بحث: Epidemics and History – Sheldon Watts).

(4) – خدرج زهرة، آفاق التنمية والبيئة، الدراسة موجودة على الرابط الإلكتروني التالي:

https://www.maan-ctr.org، 1/10/2022.

Author

  • د. نضال الشرتوني

    دكتور في هندسة الطاقة، أستاذ جامعي من لبنان لديه العديد من الدراسات والأبحاث في اختصاصه وفي المجال الاقتصادي العام.

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

د. ماري الدبس لـ «تقدُّم»: بيان 16 سبتمبر كان شرارة الرد على العدو الصهيوني وعملائه ومواجهة العدو اليوم لا بد أن تكون مقاومة وطنية وعربية موحدة

44 عاماً على إعلان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» من قلب بيروت المقاوِمة في 16 أيلول/ سبتمبر العام 1982… تاريخ نعود إليه فنجذب إلى

سوق العمل الكويتي على مفترق طرق

إن التحديات التي تواجه العمالة الوطنية والوافدة كبيرة ومصيرية وأهمها يكمن في تشجيع اﻷيدي العاملة الوطنية المقبلة على سوق العمل على اﻻنخراط في القطاعات المختلفة في سوق العمل وإيجاد علاقة تكاملية بين العمالة الوطنية والوافدة من أجل إيجاد حالة من التجانس واﻻستقرار في تركيبة السوق بدلاً من العلاقات التنافسية القائمة حالياً.