فنزويلا: الانتقال الهادئ إلى الحضن الإمبريالي

-+=

شافيز والثورة البوليفارية

كان فوز القائد الثوري الشاب، هوغو شافيز، في انتخابات ديسمبر/كانون الأول عام ١٩٩٨، انتصاراً في الوقت نفسه للثورة البوليفارية المعادية للإمبريالية، التي حضّر لها داخل المؤسسة العسكرية، وفجّرها في الرابع من شباط/فبراير عام ١٩٩٢ بتمرد عسكري للإطاحة بالنظام اليميني التابع للولايات المتحدة. وقد تدخلت الولايات المتحدة وأحبطت التمرد في مراحله الأخيرة، أي عندما كانت القوات المسلحة الثورية المتمردة بقيادته على أبواب القصر الجمهوري.

بعد وصول شافيز إلى الحكم، حاولت الإدارة الأميركية احتواءه من جديد، بشكل مباشر وبأساليب ترغيبية متعددة، لكنها، أمام إصراره وجرأته، فشلت، مما دفعها إلى التصعيد عن طريق عملائها ووكلائها في الداخل للإطاحة به بالقوة العسكرية، مستغلة سيطرتهم على قيادة الجيش، وشركة النفط الوطنية، والعديد من النقابات والمؤسسات.

تُوِّج هذا التصعيد بقيام قيادة الجيش، بمشاركة الغرفة التجارية والنقابات، وبدعم أميركي ـ صهيوني، بانقلاب الحادي عشر من أبريل/نيسان. طلبوا من شافيز الاستقالة، لكنه رفض، فقاموا بنفيه إلى إحدى الجزر من أجل إعدامه. إلا أن التحرك السريع للقوات الموالية، وخاصة الحرس الجمهوري، بالتزامن مع تحرك شعبي شامل وزحف تاريخي على القصر الجمهوري، فاجأ الانقلابيين وحاصرهم، مما أجبرهم على الاستسلام وإعادة الرئيس شافيز إلى الحكم بعد مرور أقل من ٢٤ ساعة على نفيه.

لقد فتح هذا الانتصار الفنزويلي الآفاق، وحطّم العوائق أمام القوى الثورية للوصول إلى السلطة في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية.

استهداف الثورة الفنزويلية

منذ ذلك الحين، أخذت الإدارات الأميركية الإمبريالية المتعاقبة، وأداتها الحركة الصهيونية، تعمل بكل الطرق والوسائل للإطاحة بالثورة الفنزويلية، التي قال عنها فيدل كاسترو، خلال مشاركته في التنصيب الأول للرئيس شافيز في شباط/فبراير عام١٩٩٩، إنه “من الآن فصاعداً أصبح مصير الثورة في كل أميركا اللاتينية، بما فيها الثورة الكوبية، يعتمد على انتصار واستمرارية الثورة الفنزويلية وتمكينها من إجراء التحولات الثورية الضرورية”.

رصدت الدوائر الاستخبارية الأميركية الرئيس شافيز وتابعته عن كثب، وعملت على التخلص منه حتى لا يتكرر النموذج القيادي الكوبي الذي تجسّد بفيديل كاسترو، حيث تلعب شخصية القائد المؤسس وكاريزميته دوراً محورياً ومقرراً في تطور العملية الثورية.

وبكل أسف، ما لم يتمكنوا من تحقيقه في كوبا، تمكنوا من تحقيقه في فنزويلا. إن تغييب القائد الفذ شافيز جسدياً عن طريق “اغتياله” مبكراً بالسرطان، عرقل بداية التطور الثوري ليس فقط في فنزويلا، بل في القارة، ومن ثم “التخلص” منها تدريجياً.

وكما نرى الآن، وبعد مرور ما يقارب ثلاثة عشر عاماً على غيابه، تنتقل فنزويلا بهدوء إلى أحضان البيت الأبيض والإمبريالية، بعد أن أنهكها الحصار، وأثخنتها جراح الفساد والتواطؤ والمهادنة.

الموقع الجديد لفنزويلا

إن هذا الموقع الجديد والمؤقت لفنزويلا كحليف وصديق للإمبريالية الأميركية لا يمكنه أن يمحو تاريخها النضالي والتقدمي والثوري، أو أن يجردها من إرث المناضل الثوري الراحل هوغو شافيز، بل سيشكل هذا الإرث، الذي ما زال حياً كالجمر تحت الرماد، وقوداً للوثوب الثوري والتحرر من جديد.

لا شك في أن استراتيجية الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض “لإعادة” فنزويلا من جديد إلى حظيرتها، أو إلى ما تسميه “حديقتها الخلفية”، وقطف ثمار مؤامراتها، ما كان لها أن تحقق هدفها دون أن تتزاوج مع مفاعيل ونتائج الأخطاء والتواطؤ للحكومات التي قادها الرئيس مادورو منذ رحيل شافيز حتى “اختطافه”.

وقد أدى ذلك إلى انحراف وخروج عن الاستراتيجية الثورية وعملية التحولات لبناء الاشتراكية التي وضعها القائد الراحل المؤسس، هوغو شافيز. واستبدلت حكومة الرئيسة ديلسي رودريغيز الحالية هذه الاستراتيجية بسياسة “الميلاد من جديد” لفنزويلا وإعادة بنائها، وكأنها تطرح “بيروسترويكا فنزويلية”، من أجل إعادة اللحمة والوحدة بين مختلف فئات الشعب الفنزويلي الاجتماعية.

إعادة بناء فنزويلا أم مراجعة إرث شافيز؟

إنها، بسياساتها والتحولات التي تقوم بها، تريد أن تقول: “إن البنية التي تركها الرئيس شافيز واستمر بها حكم الرئيس مادورو هي السبب في الأزمة التي عاشتها وتعيشها البلاد”.

من هنا، يبدو اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو من وسط أكثر المعسكرات تحصيناً في العاصمة كاراكاس وكأنه لم يشكل أزمة وطنية، بل بدا وكأنه انفراج لأزمة اجتماعية واقتصادية وصلت إلى مداها الأقصى، وألقت بثقلها على كاهل الفئات الشعبية، وخاصة العمالية والفلاحية، التي كانت الأكثر معاناة منها.

ومن هنا يتضح لماذا لم تكن ردود الفعل بمستوى الحدث ككارثة وطنية، ولم يترافق ذلك مع أي عمل أو تحرك شعبي، سواء أكان عفوياً أو منظماً، كما حصل مع القائد الراحل شافيز.

حتى الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم، الذي ما زال مادورو رسمياً رئيساً له، لم تكن نشاطاته وردة فعله على المستوى المفترض والمطلوب، واكتفى ببيانات وتصريحات حذرة وانتظارية، جوهرها تأييد ما تقوم به الرئيسة بالوكالة من إجراءات محلية “لعلاج الوضع المستجد”.

ترامب والإنجاز “الفنزويلي”

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من جهته، اعتبر أن من أهم إنجازاته خلال هذه الفترة هو الإطاحة بالرئيس مادورو وخطفه مع زوجته سيليا فلوريس، وفتح الطريق لقدوم نظام جديد يتخلى عن عدائه للولايات المتحدة ويتجه نحو إقامة علاقات صداقة معها. وهو يوظف هذا الإنجاز في حملته الانتخابية لتعويض فشله المدوي في حربه ضد إيران.

وفعلاً، هرولت حكومة الرئيسة بالوكالة، ديلسي رودريغيز، بشكل سريع ولافت لبناء علاقات صداقة وتعاون مع الولايات المتحدة، وتنفيذ تغييرات على تركيبة الحكومة شملت معظم الوزارات، واتبعت ذلك بإجراء تغييرات على القوانين التي تمس مباشرة البنية التحتية للمجتمع، وخاصة في مجالات أساسية: الحقوق، والبتروكيماويات، والسياسة المالية، وخاصة المصرفية، بما يسمح بإقامة علاقات “تعاون” اقتصادي وثيقة مع الولايات المتحدة، وأوقفت الثورة البوليفارية منذ أكثر من ٢٥ عاماً.

هكذا مهدت الأرضية المطلوبة للاتفاق النفطي بين الإدارة الأميركية والحكومة الفنزويلية، الذي يسمح باستخراج ٦٥ ألف مليون برميل نفط خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة.

وكما كان متوقعاً، حظي هذا الاتفاق بتأييد الحزب الاشتراكي الموحد، والقوات المسلحة، وطبعاً قوى المعارضة بكل فئاتها. بالمقابل، رُفض من جانب هام من قواعد وكوادر الحزب الحاكم وأحزاب يسارية أخرى، في مقدمتها الحزب الشيوعي الفنزويلي، الذين عبّروا عن رفضهم العلني القاطع لإخضاع البلاد للنفوذ والهيمنة الإمبريالية الأميركية.

ومنهم من اعتبر الاتفاق إذعاناً للإملاءات والتهديدات العسكرية الأميركية العلنية أو المباشرة للمسؤولين في الحكومة الفنزويلية، بمن فيهم الرئيسة بالوكالة السيدة ديلسي رودريغيز.

رفض “اتفاق الإذعان”

من أبرز الرافضين للاتفاق إيليا حوا ميلانو، النائب السابق للرئيس الراحل هوغو شافيز، مفجر الثورة البوليفارية، الذي لم يكتفِ برفضه “لاتفاق الإذعان”، كما وصفه، بل دعا إلى النضال من أجل “التحرير الوطني”، وصيانة الاستقلال والسيادة، وعدم السماح للإمبريالية الأميركية بإعادة سيطرتها على البلاد وثرواتها، وخاصة النفطية منها.

إن المتتبع لاتجاه تطور الأزمة العامة في فنزويلا يدرك أن هذا الاتفاق وغيره من التفاهمات بين الإدارة الأميركية وحكومة السيدة ديلسي رودريغيز لم يأتِ من الفراغ، ولا فقط بسبب تهديدات ترامب وإدارته، وخاصة من وزير خارجيته ماركو روبيو، ذي الأصول الكوبية ـ اللاتينية.

بل جاء استجابة لمجموعة من التحولات باتجاه تعزيز البنية الرأسمالية التي لم تتضرر بشكل جوهري من سياسة “البناء الاشتراكي” التي وضع “لبنتها ونموذجها” الرئيس الراحل هوغو شافيز.

تراجع مشروع “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”

وقد تبين أنه برحيل القائد المؤسس، شافيز، رحلت معه نظريته الشهيرة “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”، التي طرحها كبديل عن الاشتراكية الواقعية التي فشلت وانتهت بانهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية.

هذا على الصعيد النظري، أما على أرض الواقع، فقد أُفرغت الشركات والمؤسسات الإنتاجية من محتواها، وحُرّفت عن أهدافها النبيلة، وظهرت وكأنها إرث من الأعباء، وحُمّل بعد رحيله مسؤولية بناء بعضها أو تأميم بعضها الآخر، بحجة أن الظرف لم يكن ناضجاً لتلك السياسة الاقتصادية.

والحقيقة أن تلك المشاريع والشركات قدمت في عهده خدمات كبيرة للشعب، ووفرت فرص عمل، وساهمت في تطوير الإنتاج المجتمعي.

ولكن بعد رحيله تمت “خصخصتها” بشكل غير رسمي، وأصبحت مجالس إدارتها المالك الفعلي لها وليس الدولة، وبغضّ الطرف عن هذه السياسة من الحكومة نفسها، لكسب الولاءات والتأييد.

وهكذا، وبهذه الطريقة، دُمّرت البنية التي تركها الراحل شافيز، وكل إنجازاتها المادية والمعنوية التي تحققت في عهده، ولم يكن من الممكن أن تصمد طويلاً أمام الانحرافات والتجاوزات والفساد.

مادورو وصعود البرجوازية الجديدة

نعم، لقد فشل خليفة القائد الراحل شافيز، نيكولاس مادورو، في الحفاظ على إنجازات المرحلة التي سبقته، فما بالك في تطويرها، مما ساهم في تسارع نمو برجوازية جديدة ريعية، وتراكم رؤوس أموال ملوثة بالفساد، لا يهمها الوطن، وتنظر إلى المواطن “كسلعة”.

وتوجهت هذه البرجوازية إلى التصالح مع الطبقة البرجوازية “القديمة”، التي لم تكن طرفاً في الحكم، لكنها شكلت على الدوام جزءاً من النظام القائم.

وقد تم هذا التزاوج بين مكونات الطبقة البرجوازية الواحدة بشكل نهائي في فترات حكم الرئيس مادورو، وانعكست هذه العلاقة الطبقية ـ الاقتصادية بين كل شرائح هذه الطبقة في العلاقات السياسية العامة، وفي بروز ما عُرف أو سُمّي بـ “المعارضة الديمقراطية البرلمانية”، التي وطدت شرعية الرئيس مادورو، الذي اتُّهم بالتزوير وبانعدام الشرعية من قبل المعارضة اليمينية الفاشية في الخارج، ومن قبل جميع الأنظمة الرجعية في القارة وحكومات الأنظمة الإمبريالية.

الشرعية والديمقراطية في الحسابات الإمبريالية

الآن لم يعد موضوع الشرعية مطروحاً، بل إن الاعتراف بشرعية حكومة السيدة ديلسي، التي شغلت منصب نائبة الرئيس مادورو منذ أن انتُخب رئيساً لولاية ثالثة في الثامن والعشرين من تموز/يوليو عام ٢٠٢٤، هو، بشكل أو بآخر، اعتراف بشرعية الرئيس مادورو.

وهذا دليل على أن الإدارة الأميركية وغيرها من الإدارات الإمبريالية لا يعنيها لا الديمقراطية ولا الشرعية ولا الحرية، بقدر ما تريد حكومات تخدم مصالحها وتؤيد سياساتها وتصطف معها، حتى تكتسب شرعية يمنحها إياها النظام الرأسمالي المهيمن عالمياً، وتنال رضاه مقابل إطلاق يديه لنهب وسرقة خيرات ورؤوس أموال شعوبها بحرية أيضاً.

الاتفاق النفطي وربط الاقتصاد الفنزويلي بالولايات المتحدة

الرئيسة ديلسي، في محاولة منها لإقناع الرأي العام الفنزويلي بالاتفاق، قالت في كلمة موجهة إلى الشعب، بالمناسبة:

“فنزويلا تملك احتياطياً من النفط يقدّر بـ ٣٦٥ ألف مليون برميل، ولكن لا فائدة منها ما دامت مخزنة في باطن الأرض. إننا توصلنا إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لاستثمار ١٠٠ ألف مليون دولار في حقول النفط، وسيدخل إلى الخزينة ٢٠٩ آلاف مليون من الضرائب، مقابل إنتاج ٦٥ ألف مليون برميل من قبل الشركات الأميركية وأخرى خلال الـ ٢٥ سنة المقبلة”.

وهذا يظهر مدى وعمق ربط الاقتصاد الفنزويلي بالعجلة الاقتصادية للولايات المتحدة، مما يفقده القدرة على الحفاظ على استقلاله وسيادته السياسية والأمنية، ويفتح الباب على مصراعيه لأدوات الإمبريالية، وخاصة الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني، الذي قطع الرئيس المناضل هوغو شافيز العلاقات معه بشكل كامل، واصفاً “إسرائيل” بأنها “ملعونة” و”دولة إبادة وفصل عنصري”، منذ العام ٢٠٠٩، بسبب عدوانها على قطاع غزة ـ فلسطين.

ميزان القوى والرهان على “البيئة الطبيعية”

إن الظروف الموضوعية من جهة، والعامل الذاتي من الجهة الأخرى، غير ناضجين للمواجهة مع الولايات المتحدة أو عملائها في الداخل، وميزان القوى يميل بشكل كبير لصالح دعاة العلاقات مع الولايات المتحدة، بحجة أن هذه هي “بيئتها الطبيعية”، مما سيساهم في حل مشاكلها الاقتصادية والمالية، ويجعلها تنهض وتسير في ركب التطور!

إن داعمي هذه السياسة وهذه الفرضية، سواء من المدنيين أو العسكريين، سرعان ما سيكتشفون حجم الوهم الذي تم بيعه لهم من قبل الماكينات الإعلامية الإمبريالية والمأجورة، مما سيساهم في قلب الطاولة وإعادة الأمور إلى نصابها، بدور خاص للمؤسسة العسكرية التي تعتبر عقيدتها البوليفارية ـ الشافيزية متميزة بثوريتها ووطنيتها.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

د. ماري الدبس لـ «تقدُّم»: بيان 16 سبتمبر كان شرارة الرد على العدو الصهيوني وعملائه ومواجهة العدو اليوم لا بد أن تكون مقاومة وطنية وعربية موحدة

44 عاماً على إعلان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» من قلب بيروت المقاوِمة في 16 أيلول/ سبتمبر العام 1982… تاريخ نعود إليه فنجذب إلى

الحروب البيولوجية استراتيجية عسكرية

تطورت أساليب الحرب البيولوجية بشكل كبير وأكثر خطورة مما كانت عليه في السابق، فقد تطورت الأبحاث في مجال الحرب الجرثومية ومختبراتها بشكل علمي ومكثف، مما أدى إلى ظهور العديد من الأمراض والأوبئة الجديدة والفتاكة التي حصدت أرواح ملايين البشر.