
مقارنة بين نتائج قمتي بكين وواشنطن
في ظل الترقب للانتخابات النصفية الأميركية، وسعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز أوراقها الخارجية قبيل الاستحقاقات السياسية اللاحقة، وفي خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما
جعل ألبير كامو من “سيزيف” صورةً للإنسان الذي يدفع صخرته وهو يعرف أنها ستتدحرج من جديد، ظلّ التكرار قريناً للعبث، والاستمرار قريناً للتمرّد دون كلل أو ملل أو استسلام. بل إصرار عنيد على تحقيق الانتصار والوصول إلى القمة. ولعل الفلسطيني عاش هذه المفارقة في أقسى صورها: نكبات تتكرر، واحتلالات تتمدد وتتجدد، ومقاومة تعود كلما أعاد التاريخ نفسه إلى نقطة البداية. لكن «طوفان الأقصى» وما تلاه من حرب وإبادة وضع هذه الدورة أمام سؤال مختلف: هل يكون التكرار قدراً، أم يمكن أن يتحول الاستمرار إلى لحظة تغيير؟ لم يعد السؤال فقط كيف نحمل الصخرة من جديد، بل كيف نغيّر موقعها، ومعنى حملها، واتجاه الطريق. ومن هنا يتشكل سؤال المستقبل: كيف يتحول الاستمرار من إعادة إنتاج الماضي إلى صناعة التاريخ؟
كشفت الحرب الصهيونية عن وجهها القبيح والتي مهما بلغت وحشيتها لا يتمخض عنها بالضرورة نتيجة سياسية، وأن القدرة على تدمير المكان لا تعني القدرة على إخضاع إرادة الإنسان. فقد أحدثت “إسرائيل” دماراً هائلاً في قطاع غزة، لكنها لم تستطع أن تجعل من الحرب نهايةً للقضية الفلسطينية، ولا أن تعيدها إلى موقعها السابق بوصفها ملفاً أمنياً قابلاً للاحتواء والإدارة. وفي المقابل، اتسعت فلسطين خارج حدود الجغرافيا المحاصرة، لتصبح حاضرةً في السياسة والقانون والجامعات والنقابات والمؤسسات الدولية وفضاء الرأي العام. كلما اتسع نطاق التدمير، اتسع نطاق السؤال، وكلما حاولت القوة إغلاق القضية، عادت القضية لتفتح أمام العالم سؤال الاحتلال والحقوق والعدالة.
على امتداد عقود، قامت الاستراتيجية الصهيونية على محاولات تصفية القضية تحت مسمى التسوية، وإبقاء الصراع تحت النار أو تحت سقف أمني يسمح باستمرار الاحتلال، مع تأجيل الأسئلة السياسية المتعلقة بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وكان الرهان أن يؤدي التفوق العسكري والاقتصادي والدبلوماسي، مدعوماً بالمساندة الإمبريالية العالمية، إلى فرض واقع دائم يمكن التحكم به. لكن «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ كشف حدود هذه المعادلة: إدارة الصراع لا تغلق الصراع المفتوح، وتأجيل حل القضية لا ينهيها، والقوة تستطيع فرض الوقائع، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج حل عادل.
وتزداد المعضلة تعقيداً حين تتقاطع أهداف يصعب الجمع بينها على المدى الطويل: استمرار الاحتلال والسيطرة على الجغرافيا الفلسطينية، والتحكم بالديموغرافيا لتحصين الطابع اليهودي للدولة، وبقوانين وممارسات عنصرية وفاشية والحفاظ في الوقت نفسه على الشرعية الدولية والدعم الغربي. فكلما طال الاحتلال واتسخت أدواته، اتسعت التناقضات بين هذه الأهداف. تستطيع القوة حماية السيطرة، لكنها لا تحسم سؤال الشرعية؛ وتستطيع الحرب تدمير البنية المادية، لكنها لا تنتج استقراراً سياسياً؛ ويمكنها أن تدير نتائج الصراع، لكنها لا تمنع عودة الصراع بأشكال جديدة طالما بقيت أسبابه.
أما في غزة، فلم تستهدف الحرب البنية المادية وحدها، بل أصابت شروط الحياة نفسها: البيوت، والمستشفيات، والمدارس، والمياه، والطاقة، والاقتصاد المحلي، وأنتجت نزوحاً واسعاً وفقداناً للأمن الغذائي والصحي، وتركت آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة. ولذلك، فإن مواجهة نتائج الحرب لا يمكن اختزالها في إعادة الإعمار المادي؛ فالأولوية هي حماية الإنسان الفلسطيني، ومنع التهجير، وتثبيته في أرضه، ثم إعادة بناء شروط الحياة والمجتمع والمؤسسات، بما يحول دون تحويل الدمار إلى واقع ديموغرافي وسياسي جديد.
ومن هنا تصبح معركة الوجود أيضاً معركة على الأثر. فالمشروع الاستعماري لا يكتفي بتغيير المكان، بل يسعى إلى محو دلالته، وإلى جعل الجريمة بلا شاهد، والاقتلاع بلا ذاكرة. لذلك يمكن لبقايا جدار، وصورة قديمة، واسم شهيد، وشجرة نجت، وشهادة ناجٍ، أن تتحول إلى وثيقة ضد المحو. الكتابة والفن والتعليم والتوثيق والإعلام ليست هوامش ثقافية للصراع، بل أدوات لحماية الوعي. حين يروي الفلسطيني حكايته بنفسه، ويحفظ أسماء ضحاياه وأماكنه وقراه ومخيماته، فإنه لا يحمي الذاكرة فقط؛ بل يحمي حقه في المستقبل.
وقد فتح «طوفان الأقصى» مساحة جديدة للصراع في المجال العالمي، إذ اتسعت دائرة الاهتمام بالقضية، وانتقلت الرواية الفلسطينية إلى قطاعات اجتماعية وثقافية وسياسية أوسع. ولا يعني ذلك أن التحول في الرأي العام ينتج تلقائياً تحولاً سياسياً، لكنه خلق مجالاً جديداً للفعل الفلسطيني المنظم. والمطلوب هو ألا يبقى هذا الحضور لحظة تضامن عابرة، بل أن يتحول إلى معرفة، وأرشيف، وعلاقات، ومؤسسات، وحضور قانوني وثقافي وسياسي طويل المدى.
حتى النقاشات والأعمال الثقافية التي تناولت الحرب والإبادة من داخل المجتمع “الإسرائيلي” نفسه تكشف أن ما جرى في غزة لم يعد قابلاً للحصر داخل الجغرافيا التي وقعت فيها الجريمة. فقد أصبح سؤال غزة سؤالاً عالمياً واختباراً للعالم، يطرح سؤال الرواية والمسؤولية والقانون والعدالة، وعن صورة “إسرائيل” في العالم، وعن قدرة الخطاب الرسمي على احتكار تفسير الحرب. وهنا لا تكمن أهمية الشهادة في بعدها الإعلامي وحده، بل في قدرتها على كسر احتكار الرواية، وتحويل التجربة الفلسطينية من مادة للصمت إلى قضية للبحث والدراسة والمراجعة.
لكن انكشاف مأزق المشروع الصهيوني لا يعني اكتمال المشروع الوطني الفلسطيني. وهذه هي المفارقة المركزية: قد تتسع أزمة الخصم من دون أن تتسع بالضرورة قدرة الطرف الفلسطيني على استثمارها. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يبدأ من تحويل اللحظة إلى مشروع؛ مشروع يحمي الشعب من مخططات العدو ومشاريعه الجنونية من الاقتلاع والاستيطان والتهجير، ويثبت الفلسطيني في أرضه، ويعيد بناء المجتمع، ويستعيد وحدة النظام السياسي، ويجدد الشرعية الوطنية.
ومن هنا تأتي إعادة بناء أدوات الفعل الفلسطيني من منظمة التحرير الفلسطينية والمؤسسات الوطنية بوصفها جزءاً من معركة التحرر نفسها، وإخراجها من حالة “الكوما” والعجز. المطلوب ليس مجرد تبديل أشخاص، بل إصلاح قواعد العمل السياسي، وتحديد الصلاحيات، وتجديد الشرعيات، وتوسيع قاعدة المشاركة، وضمان تمثيل الفلسطينيين في الداخل والشتات، وإعادة الاعتبار للشراكة السياسية والمساءلة. فالمؤسسة الوطنية التي لا تستوعب الاختلاف تتحول إلى جزء من أزمة الانقسام، أما المؤسسة التي تحول الاختلاف إلى تنوع مشاركة ضمن إطار الوحدة، فتتحول إلى أداة من أدوات الصمود الوطني والمقاومة الشاملة.
وفي هذا السياق، تأتي الانتخابات باعتبارها أداة أساسية لتجديد الشرعية وإعادة الشعب إلى مركز القرار، لكنها لا تنتج وحدها وحدة وطنية، ولا تعيد بناء منظمة التحرير تلقائياً، ولا تضمن شراكة حقيقية إذا بقيت القواعد السياسية والمؤسسية التي أنتجت الانقسام على حالها وما تبعها من انقسام جغرافي يضع قطاع غزة تحت الوصاية الدولية. لذلك، فإن القضية ليست انتخابات أو لا انتخابات، بل: أي انتخابات؟ وعلى أي أساس سياسي ومؤسسي؟ وبأي صيغة تضمن أن تكون الديمقراطية طريقاً لتجديد الوحدة، لا آلية لإعادة إنتاج الانقسام والانفصال؟
ومن هذه الزاوية، تكتسب «خارطة الطريق للإنقاذ الوطني» التي قدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين دلالتها باعتبارها طرحاً لترتيب الأولويات، لا لإلغاء الانتخابات أو تأجيلها. فالتوافق الوطني ليس نقيضاً للديمقراطية، وإنما شرط سياسي يجعل الديمقراطية قادرة على إنتاج شرعية وطنية جامعة في مرحلة التحرر الوطني. والمطلوب أن يسبق التوافقُ الانتخاباتَ في تحديد الإطار السياسي والمؤسسي الناظم لها، حتى لا تتحول الانتخابات إلى مجرد تنافس على مؤسسات مأزومة، بل إلى مدخل لإعادة بناء النظام الوطني على قاعدة الشراكة.
وهكذا تصبح مواجهة المشروع الصهيوني والأميركي لتصفية القضية مواجهةً متعددة المسارات، لكنها موحدة الهدف: مواجهة على الأرض لمنع التهجير والاستيطان والضم؛ وسياسية لحماية القرار الوطني؛ وقانونية ودبلوماسية لمساءلة الاحتلال؛ واجتماعية لحماية الناس من الانهيار؛ وثقافية لحماية الذاكرة والرواية؛ وديمقراطية لإعادة بناء المؤسسات الوطنية. لا ينبغي لهذه المسارات أن تتنافس، لأن قوتها تكمن في تكاملها. فالمقاومة لا تعني إلغاء السياسة، والدبلوماسية لا تلغي المقاومة الشعبية، والعمل الثقافي ليس منفصلاً عن حماية الأرض، وإعادة بناء المؤسسات ليست شأناً داخلياً معزولاً عن معركة التحرر.
لقد كسر «طوفان الأقصى» معادلة أن القوة الصلبة قادرة وحدها على حسم الصراع، وأظهر أن التدمير لا يحقق الحسم، وأن الاحتلال لا ينتج أمناً، بل مقاومة، وأن القضية الفلسطينية قادرة على العودة إلى مركز العالم كلما حاول المشروع الصهيوني دفعها إلى الهامش. لكن كسر المعادلة لا يعني أن التاريخ حُسم في الاتجاه الآخر. فاللحظة التاريخية لا تتحول إلى تحول تاريخي لمجرد أنها لحظة انفجار؛ تتحول حين تمتلك قوى الشعب القدرة على تنظيم نتائجها، وتحويل الألم إلى وعي، والصمود إلى سياسة، والمقاومة إلى أفق، والحضور العالمي إلى فعل مؤسسي.
سيزيف ملحمة أكتوبر هو الفلسطيني المقاوم الذي حمل صخرة التاريخ على كتفيه، وخاض في ٧ أكتوبر محاولةً لكسر دورة التكرار، ولو كان ثمن المحاولة أثقل من الصخرة نفسها.لذلك، فإن ما بعد «طوفان الأقصى» يجب ألا يكون عودةً إلى ما قبله، ولا الدوران في الحلقة المفرغة، بل إلى كسر هذه الحلقة انتقالاً إلى تأصيل وتحديث نظرية الصراع، بموضوعيته وتاريخيته ومقدماته وشروطه؛ وكذلك الانتقال من ردّ الفعل إلى المبادرة الثورية، ومن البقاء إلى بناء القدرة، وحشد الطاقات وأسباب القوة الذاتية، ومن الانقسام إلى الشراكة، ومن الشرعية المؤجلة إلى مؤسسات متجددة، ومن الذاكرة إلى رواية تصنع المستقبل. فشرف المحاولة ليس أن ندفع الصخرة مرةً أخرى، بل أن نعرف كيف ندفعها هذه المرة إلى طريق آخر. عندها فقط لا يكون الاستمرار تكراراً، بل بدايةً لتغيير وجه التاريخ.

في ظل الترقب للانتخابات النصفية الأميركية، وسعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز أوراقها الخارجية قبيل الاستحقاقات السياسية اللاحقة، وفي خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما

يمرّ الوضع السياسي اللبناني بمرحلة شديدة الخطورة من جميع النواحي، في ظلّ العدوان الصهيوني المستمرّ والمتفاقم، المترافق مع التطوّرات الحاصلة على الصعيدين الدولي والإقليمي، ومع

يحيي الشعب الفلسطيني وشعوب العالم الحرة، في السابع من أكتوبر، مرور ثلاث سنوات على تفجر طوفان الأقصى، الذي تمكنت فيه ثلة من المقاتلين الفلسطينيين من

ثاني أزمة ضخمة في عمر الرأسمالية الحديثة هي أزمة الكساد الكبير (١)، بين عامي ١٩٢٩ و ١٩٣٣، حيث انتهت في تواريخ مختلفة في مختلف البلدان،



