من أجل إسقاط “اتفاق الإطار” .. واعتماد خطة مواجهة وطنية شاملة للاحتلال الصهيوني في لبنان

-+=

يمرّ الوضع السياسي اللبناني بمرحلة شديدة الخطورة من جميع النواحي، في ظلّ العدوان الصهيوني المستمرّ والمتفاقم، المترافق مع التطوّرات الحاصلة على الصعيدين الدولي والإقليمي، ومع التعقيدات والتناقضات والأزمات الداخلية، وما ينجم عنها من خضوع السلطة والقوى الحاكمة للإملاءات الخارجية، الأميركية بصفة خاصة، وتبعيتها وتفريطها الفاضح بالمصالح الوطنية المشروعة  وبقضايا الشعب والوطن.

ففي المجال الداخلي، ومن دون الفصل بين القضايا، لا تزال مفاعيل الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت بلبنان مستمرة، وأبرزها الانهيار الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق والبطالة والهجرة بمعدّلات متزايدة، وغلاء الأسعار وتدنّي أو انعدام الخدمات والضمانات الاجتماعية. كما أن أزمة النظام الطائفي تتفاعل على جميع الصعد، مترافقة مع عدم حدوث أي تغيير سياسي خلال “العهد الجديد” وحكومته، مع استمرار أساليب وآليات المحاصصة الطائفية، كما التعاطي مع المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، وصولاً إلى “اتفاق الإطار” الذي عُقد في واشنطن.

هذه القضايا تطرح ضرورة الوصول إلى مشروع وطني يُحرّر البلد من الاحتلال ويعتقه من الدولة الطائفية الفاشلة، ويضعه على طريق بناء دولة المواطنة والديمقراطية والعلمانية والعدالة الاجتماعية، دولة قادرة على حماية سيادتها ومواجهة العدوان، دولة تستحدث سياسة اقتصادية جديدة تلبي طموحات أكثرية اللبنانيين. وهذا المشروع ينبغي أن يشمل كل ملفّات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والأمني للدفاع عن لبنان بما يوفّر مقوّمات القوة له في: وقف العــدوان وفرض الإنسحاب حتى خط الهدنة من دون قيد أو شرط وتحقيق العودة والإعمار وتحرير الأسرى. إن المعالجة المطلوبة هي معالجة سياسية مفتوحة على أفق إصلاح مرتكزات الدولة ومقوّماتها وتحريرها التدريجي من القيود الطبقية والموروثات الطائفية، مع التشديد على تسليح وتجهيز الجيش وفرض الخدمة المدنية والعسكرية الإلزامية على جميع اللبنانيين واللبنانيات عند سنّ معيّنة على نحو يسهم في إدماجهم وتشابكهم، تحريراً للبلد من الاحتلال ومن النظام الطائفي.

 وفي التفاصيل المتعلّقة بالعدوان، فإن العدو الصهيوني المدعوم من الإدارة الأميركية يستمر في احتلاله لأجزاء واسعة من جنوب لبنان، مُطلقاً عليها تعبير “المنطقة الصفراء” أو “الخط الأصفر”.  تضمّ  المنطقة الخاضعة للإحتلال ما يقارب السبعين بلدة،  تمّ تهجير سكّان الغالبية العظمى منها، وهي تمتدّ على طول الحدود مع فلسطين المحتلّة بعمق يراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات، بما فيها أجزاء تقع شمال نهر الليطاني. وقد استحدث جيش العدو قواعد عسكرية فيها، مما يشير إلى نيّة الاستمرار في الاحتلال، وهو ما لا تخفيه التصريحات الصادرة عن قادة الكيان العنصري التوسّعي، خاصة مع اقتراب انتخابات “الكنيست”.    إضافة إلى ذلك يعمد العدو  إلى التوسّع  في احتلاله، من خلال تلاحق محاولات “القضم التدريجي”، مستمراً في عمليات التفجير والتدمير الممنهج وشبه الكلّي للبلدات الواقعة تحت الاحتلال، وفي إستهداف يومي للبلدات والمدن المحاذية تهديداً وقصفاً من البرّ والجوّ والبحر، وإغتيالاً للمواطنين الصامدين.

رغم ذلك، لم يكن الاحتلال والتوسّع بالأمر السهل على جيش العدو، المزوّد بأحدث الأسلحة والتكنولوجيات، والمستند إلى الدعم الأميركي اللامحدود،  فقد واجهته مقاومة بطولية شديدة في كل البلدات والمحاور، مستبسلة في إعاقة تقدّمه لفترات طويلة، مقدّمة التضحيات الكبيرة من الشهداء والجرحى والمفقودين، ومستندة  إلى إصرار الجنوبيين على التمسّك بأرضهم والدفاع عنها. 

 وقدّ أدّى هذا الإحتلال وما رافقه من تدمير ومن إرتكاب للمجازر وتهديم للبلدات وللبيوت على رؤوس ساكنيها إلى تهجير ما يقارب المليون نازح من البلدات المحتلّة ومن البلدات التي تتعرّض للتهديد والقصف والإجرام الصهيوني الذي لا يتوقّف. وبالتالي إستجدّت  قضيةُ  ينبغي أن تولي الأهمية القصوى، بوصفها قضية وطنية وسياسية واجتماعية، وهي قضية النازحين والمهجّرين، ممن أُرغموا على ترك بيوتهم وبلداتهم وسبل عيشهم وممن  قدّموا الشهداء والجرحى والمفقودين، ودفعوا أثماناً باهظة من دمار المنازل والعمران والمرافق والأراضي الزراعية،  مما  يستوجب الدفاع عن حقوقهم والوقوف معهم كواجب وطني واجتماعي، مع تحميل الدولة مسؤولية العمل على توفير الخدمات العامة لهم، في السكن والصحة والتعليم والنقل، والتعامل معهم بوصفهم شركاء في اتخاذ القرار في قضاياهم، وخاصة فيما يرتبط بالإغاثة وحقّ العودة والإعمار.

 أما  “وقف إطلاق النار” المعلن في ٢٠ يونيو/ حزيران ٢٠٢٦، والذي جاء عقب ما توصّلت إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية، فإنه بقي صوَرياً، إذ لم تلتزم به سوى وحدات المقاومة من الجانب اللبناني، فيما كانت السلطة اللبنانية، مدفوعة بالإملاءات الأميركية، تندفع إلى “استجداء” مفاوضات مباشرة مع الإحتلال، جرت تحت النار، برعاية “الوسيط” الأميركي، تحت إدعاءات أن “الحرب لم تحقّق شيئاً” وأن “الحلول لن تتأتى إلّا عبر المفاوضات المباشرة” وأننا “لا نقبل أن يفاوض أحد عنا”.  

 جرت الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة على مستوى السفراء في مقرّ وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن في ١٤ إبريل/ نيسان ٢٠٢٦، ثم تلتها جولات أخرى شارك فيها سياسيون وعسكريون، وأفضت إلى توقيع ما يسمى بـ”إتفاق الإطار” في ٢٦ يونيو/ حزيران ٢٠٢٦ بزعم “إنهاء حالة الحرب وبدء مسار تسوية شاملة”، بما يعني فتح الباب أمام احتمال التوصّل إلى إتفاق دائم وعلاقات  تطبيعية بين لبنان و”إسرائيل”.

نسجّل في البداية أن الاتفاق الذي جرى توقيعه في واشنطن بين وفد السلطة اللبنانية و”العدو الإسرائيلي” شكّل سابقة خطيرة، إذ أخذ الاعتراف الرسمي الفوري بـ”دولة إســرائيل” من خلال المفاوضات المباشرة التي رفضناها ونرفضها، ومن خلال التوقيع.

 كما انطوى، بصيغته المعلنة، إذا استثنينا وجود ملاحق أمنية سرّية للاتفاق المعلن، على تنازلات كبرى قدّمها الوفد اللبناني، وصلت إلى حدود الخضوع والاستسلام، فهو يسلّم ببقاء الاحتلال الصهيوني لأجزاء واسعة من جنوب لبنان، ولا يذكر كلمة إنسحاب ولا حتى جدول زمني لذلك. لقد أخذ العدو الصهيوني ما يبتغيه في الجانب السياسي من دون الالتزام بوقف العدوان والانسحاب، اذ لا يوجد نصّ يلزمه بذلك، بدليل إستبدال الإنسحاب الفوري بمصطلح “إعادة الانتشار” المشروط بـ”التحقق من تنفيذ لبنان التزاماته”، و”إعادة الإنتشار” قد تعني “تبديل المواقع”، أو “إعادة تنظيم الاحتلال”. ويبقى كلّ ما ورد في “الإتفاق” من دون ضمانات، فـ”الراعي” الأميركي ليس محايداً ولا يشكّل ضمانة للبنان، وهو المعروف بانحيازه المطلق العــدو. 

وبموجب هذا “الإتفاق”، يتخلّى لبنان عن حقّه في مواجهة ومقاومة الاحتلال في الأراضي المحـتلّة، وعن مقاضاة العدو على جرائمه وانتهاكاته في المحافل الدولية، كما ورد في الفقرة ١٣ منه. والأخطر من ذلك ما تضمنه من إلتزام “الحكومتين” بإنشاء مجموعة تنسيق عسكرية، بدعم ومشاركة الولايات المتحدة، لضمان التنفيذ الشامل لهذا “الإطار”، بما يُظهر تعاوناً وتنسيقاً بين الطرفين الموقّعَين ضد طرف لبناني داخلي، وضد حقّ الشعب اللبناني في المقـاومة لتحرير أرضه، محوّلاً العدو الصهيوني إلى حليف ينبغي التعاون معه، ولو أدّى ذلك إلى صراع داخلي مرفوض لا يخدم سوى العدو الصهيوني. إن مسألة “حصر السلاح” والأمن الوطني هي مسألة يُقرّرها اللبنانيون فيما بينهم، من ضمن خطة وطنية للدفاع عن لبنان وشعبه وأرضه، وبالتلازم مع مقاومة الدولة والشعب للاحتلال بكل الوسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، بهدف تحقيق الانسحاب الكامل للعدو من الأراضي اللبنانية التي إحتلّها، وضمان وقف الاعتداءات الجويّة والبريّة والبحريّة على القرى والبلدات والمواطنين. ولا تُحلّ هذه المسألة تحت ضغط الاحتلال، ولا عبر إختبار أمني يقرّره “العدو الإسرائيلي” أو الأميركي، ولا بتحويل الجيش إلى أداة صدام داخلي. إن الاحتلال استوجب ويستوجب المقاومة وفق كل المواثيق الدولية والشرائع الإنسانية.

لقد صيغ “الاتفاق” بما يجعل المعتدي حَكَماً يقرّر متى يعود الناس ومتى تنتهي “المنطقة الأمنية” ومتى يصبح لبنان جديراً بسيادته، وهو ينقل المشكلة من “الاحتلال الإسرائيلي” إلى الداخل اللبناني، ويجعل انسحاب العدو من الأراضي اللبنانية مشروطاً بما يعتبره، هو والولايات المتحدة، نجاحاً لبنانياً في نزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية.

 لقد تخطّت السلطة اللبنانية كل الاعتبارات الداخلية والخارجية، بما فيها الدستور اللبناني الذي تنصّ المادة الثانية فيه على أنه  “لا يجوز التخلّي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه”، مهرولةً نحو “اتفاق الإطار” تنازل مذلّ للبنان، إذ لم تلتزم باتفاق الهدنة وما يتضمّنه من تثبيت للحدود الدولية بين لبنان وفلسطين المحتلة.

 ومن الواضح أن الاتفاق يخرق بشكل خطير السيادة اللبنانية، فهو يعطي المحتلّ زمام المبادرة وحق القبول والرفض من خلال الآليات المقترحة، بما فيها ما يتعلق بما يسمّى بـ”المناطق التجريبية” أو “المناطق النموذجية”، في “ترتيبات” تكرّس وجود واستمرار الاحتلال، ويتغافل عن هدف الإنسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط في فترة زمنية محدودة، كما أنه يضع قيوداً على حركة ومواقف لبنان في المحافل الدولية السياسية والقانونية وهو أمر غير مسبوق في خرق السيادة الوطنية.. وبالتالي يجب على لبنان التمسك باتفاقية الهدنة لعام ١٩٤٩ وبحق الشعب اللبناني بالمقاومة بجميع أشكالها وبالانسحاب الكامل وغير المشروط لجيش الاحتلال. كما يجب رفض كل أشكال الاعتراف والتطبيع والسلام مع الكيان الصهيوني العنصري الفاشي التوسّعي الذي يضرب بعرض الحائط بكل المواثيق والالتزامات والاتفاقات، وما حدث في فلسطين يشهد على ذلك.  

ونحن نرى أنه، وتحت غطاء تحقيق “السلام والأمن الدائمين”، شكّل هذا الاتفاق محطّة من محطّات الدفع باتجاه تحقيق الهدف الأميركي – الصهيوني في التوسّع والاحتلال بالقـتل والتدمير والتهجير وإخضاع المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية وإقامة “مناطق أمنية” في سوريا ولبنان ونهب الثروات النفطية والغازية والمائية، إضافة إلى استهدافاته في نقل الصراع من مواجهة مشروع التوسّع العدواني، والعمل على إسقاطه إلى خلق صراع داخلي يأخذ طابعاً طائفيّاً في ظلّ النظام السياسي الطائفي المولًد للأزمات والحروب الداخلية.  

 ومن الناحية العملية، وفي مجرى التطوّرات اللاحقة، فإن المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني التي أقدمت عليها السلطة السياسية وصلت إلى الفشل، فهي لم تحقّق شيئاً رغم كل التنازلات التي قُدّمت للعدو. فلم يضمن “اتفاق الإطار” تحت “الرعاية الأميركية”، للبنانَ وجنوبه وقف العدوان وبدء الإنسحاب وتأمين عودة السكان والشروع في إعادة الإعمار وتحرير الأسرى، بل وضَع لبنان تحت الوصاية الأميركية بفعل استسهال أطراف السلطة الإنتقال من وصاية إلى أخرى، مصحوبة هذه المرة بعملية تطبيع في العلاقات مع “إسرائيل” والاستسلام لها تحت مسمى “السلام”. لقد أخذ العدو ما يبتغيه من “الاتفاق”، الذي لم ينتزع منه إلتزاماً واضحاً وقاطعاً بالانسحاب، بل ترك الإنسحاب في مجال “الغموض” و”الإحتمال” وتنفيذ الشروط وتقييم العدو الصهيوني المحتل وحليفه الأميركي.. وما يحاوله العدو الصهيوني اليوم هو تنظيم احتلاله للجنوب لا إنهائه. فالطرح الصهيوني الجديد حول “الخط الرمادي” هو أوضح توصيف عن إعادة تعريف “الجغرافيا الأمنية في الجنوب”.. بينما لا يزال “إتفاق الإطار” مرجعية للسلطة، بالرغم من عدم تنفيذ العدو أي من بنوده.

وبناءً على هذه المسائل وغيرها، فإننا ندعو إلى توحيد جهود القوى الوطنية والتحررية من أجل إسقاط هذا الاتفاق المذلّ، والمسار الذي أفضى إليه، ووقف كل أشكال التفاوض المباشر أو التطبيع مع العدو، وإلى اعتماد خطة مواجهة وطنية شاملة للاحتلال بكل الوسائل السياسية والعسكرية والشعبية والقانونية من أجل تحرير كامل الأراضي المحتلة وفرض انسحاب العدو حتى خط الهدنة وتأمين العودة والإعمار وتحرير الأسرى.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

مقارنة بين نتائج قمتي بكين وواشنطن

في ظل الترقب للانتخابات النصفية الأميركية، وسعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز أوراقها الخارجية قبيل الاستحقاقات السياسية اللاحقة، وفي خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما

قراءة في ظروف تفجر الطوفان

يحيي الشعب الفلسطيني وشعوب العالم الحرة، في السابع من أكتوبر، مرور ثلاث سنوات على تفجر طوفان الأقصى، الذي تمكنت فيه ثلة من المقاتلين الفلسطينيين من