
قراءات حول كتاب “أطر الحرب” للكاتبة جوديث بتلر .. سياقنا السوداني كنموذج تحليلي
في كتابها “أطر الحرب” تفتح الكاتبة جوديث بتلر نافذة أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الفكر المعاصر: كيف تنتج السلطة تصورنا لماهية الإنسان ولماذا
تفتح رواية «الحبل» لإسماعيل فهد إسماعيل، التي تدور أحداثها في مدينة البصرة بالعراق عام ١٩٦٢، باباً لقراءة شخصية بطلها في ضوء كراسة لينين «مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية». ففي حواره مع مجلة «البيان» (العدد ٨٥، أبريل ١٩٧٣)، أشار إسماعيل فهد إسماعيل إلى غياب الشخصية التي تمثل «الإنسان الملتزم الذي يمثل العمل الجدي الخلّاق» عن أعماله. ويتجسد هذا الطرح بوضوح في بطل «الحبل»، وهو رجل يُسجن للاشتباه بانتمائه السياسي، على الرغم من أنه ليس حزبياً، ليتجه بعد خروجه إلى الثأر الفردي، فيتسلل إلى منازل الضباط والأثرياء لسرقتها مستخدماً «حبل الغسيل».
وتتجلى عبقرية إسماعيل فهد إسماعيل في توظيفه المتكرر لعبارة «مرض الطفولة»؛ إذ تفتح الرواية العبارة على دلالتين متداخلتين: الأولى تحيل إلى طفولة البطل واعتياده المبكر على السرقة، والثانية تستدعي أطروحة لينين ونقده للأفعال الفردية المنفصلة عن الوعي والتنظيم والعمل الجماعي. وهكذا تلتقي سلبية البطل مع تشخيص لينين لليسارية الطفولية، لتقدم الرواية قراءة لمأزق الفرد وحلوله القاصرة.
أوهام التمرد المعزول: حين انكسر البطل أمام «ابن الحارس»
يتناول لينين في كراسته «مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية» نزعة التيارات اليسارية التي تزدري العمل المنظّم والحزبية، محذراً من أن إنكار التنظيم يقود إلى التشتت والتذبذب، وهي سمات ترتبط في نقده بمواقف البرجوازية الصغيرة.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة مأزق بطل رواية «الحبل». فهو ليس حزبياً، ويواجه واقعاً قاهراً من موقع الفرد المعزول، من دون إطار تنظيمي يمنحه الحماية أو يوجّه طاقته نحو فعل جماعي. وهكذا، لا تتحول رغبته في التغيير إلى مشروع سياسي منظَّم، بل تتجسد في مغامرات فردية تكشف محدودية الفعل المنعزل أمام الواقع القائم.
وتتجلى هذه المفارقة في مقارنة البطل نفسه بابن الحارس العجوز، الشاب الملتزم بحزبه، الذي يصمد داخل السجن ويرفض تقديم كتاب براءة يتنازل فيها عن انتمائه. وفي مقابل هذا الثبات، يستحضر البطل موقعه السياسي الهش، معترفًا:
«هو ينتمي إلى الحزب… أما أنا… حتماً سيكون أفضل مني»
إن إسماعيل فهد إسماعيل يضع هنا نموذجين متقابلين، فرداً يواجه القمع السياسي من خارج التنظيم، وشخصية يمنحها الانتماء الحزبي قدراً من الصلابة والصمود. وفي قراءة ماركسية، تكشف هذه المقارنة حدود التمرد الفردي، فالرغبة في التغيير، مهما بلغت حدّتها، لا تعوّض غياب التنظيم والعمل الجماعي، ولا تحوّل المغامرة الفردية وحدها إلى فعل ثوري قادر على تغيير الواقع.
«عباءة كاسترو الزائفة»: كيف يتحول الرمز الثوري إلى مُبرِّرٍ للصوصية وللسرقة؟
تتبدى الأزمة الفكرية والطبقية للبطل في محاولته التغطية على عجزه وانحرافه الفردي عبر استعارة رموز وشعارات سياسية كبرى، ليمنح أفعاله غطاءً أيديولوجياً زائفاً. فالبطل لم يكن مناضلاً أو عضواً في حزب، بل كان موظفاً تسحقه الظروف. وما إن سُجن ووُجهت إليه تهمة الانتماء إلى «حزب خطر»، حتى انقطع عن مجتمعه وخرج مأزوماً ومحطماً. وبدلاً من أن تدفعه تجربة القهر إلى الوعي والتنظيم الحقيقي، سقط في اليأس والانتقام الفردي، محاولاً التعويض عن واقعه المأزوم بالقفز على أسوار المنازل لسرقة البيوت مستخدمًا حبل الغسيل.
وهنا يهرب البطل من مواجهة حقيقة مسلكه الفردي عبر ابتكار “شرعية أيديولوجية” تزيّف واقعه، فيسعى إلى إقحام الرموز الكبرى وتوظيفها لمصلحته الذاتية، حين يقول:
«أجد التبرير في أن كاسترو كان يسرق الأغنياء لكنه فعل من أجل الثورة»
فهو لا يستحضر تجربة كاسترو في سياقها الثوري والتاريخي، بل يختزلها في فعل السرقة، محولاً الرمز السياسي إلى مبرر شخصي لسلوكه.
ويتقاطع هذا السلوك مع تشريح لينين لمأزق البرجوازي الصغير حين يقع تحت طائلة الاضطهاد ويفتقر إلى الصبر والانضباط التنظيمي. ففي نقده للتيارات التي توهمت أن الفعل الفردي المباشر يمكن أن يحل محل النضال الجمعي، يرفض لينين الإرهاب الفردي بوصفه تعبيراً عن ثورية زائفة، ويؤكد أن الماركسية ترفض اتخاذ الاغتيال والفعل الفردي معياراً للثورية.
ومن هذا المنظور، لا تكمن المقارنة في مساواة سرقة البطل بالإرهاب الفردي من حيث طبيعة الفعل أو نتائجه، بل في المنطق الذي يقف وراءهما، أي تحويل الفعل الفردي إلى بديل عن العمل الجماعي، وإضفاء شرعية سياسية على سلوك لا يستند إلى مشروع تغييري منظم. فكما تلجأ بعض التيارات إلى تبرير الإرهاب الفردي باسم اليسار، يستدعي البطل تجربة كاسترو ويختزلها في السرقة، ليحوّل المفهوم الثوري من مشروع لتغيير الواقع إلى شماعة “أخلاقية” يغطي بها انحرافه السلوكي وثأره الشخصي بعد تجربة سجنه وضياعه الوظيفي.
الزوجة وصوت الماركسية: البوصلة التي عرَّت «مرض الطفولة»
قد يبدو دور الزوجة في الظاهر دوراً هامشياً في مجرى الأحداث، غير أن قراءة عميقة للنص تكشف أنها الشخصية الأكثر قوة وحضوراً فكرياً، بل تفوق البطل نفسه في وزنها الدرامي والمفهومي. فهي لم تكن مجرد هامش في حياة رجل مأزوم، بل كانت البوصلة اليسارية الماركسية الحاسمة التي تعرّي شطحاته، وتلعب دوراً يشبه دور لينين في توبيخ اليسار الطفولي وتفكيك أوهامه.
تتجلى جسارة هذا الدور حين ترفض الزوجة التعامل مع مسلكه من منظور أخلاقي مجرد، وتتصدى لمحاولاته تحويل القهر الاجتماعي إلى ذريعة للانحراف السلوكي والانشغال بالقشور. فهي تحسم الموقف برفض قاطع للسرقة، ولو كان البديل هو الموت جوعاً، هاتفةً في وجهه:
«اترك السرقة!… الأفضل لنا أن نموت جوعاً من أن تحترف اللصوصية!»
وتوبخه حين يشغل نفسه بالسطحيات:
«الأحرى بك أن تفكر بالضروريات لا بالكماليات!»
وتسدد الزوجة ضربة قاضية لتبريراته المزيفة حين تنزع القناع عن إقحامه للرموز والشعارات، فتجيبه بحزن صلب يختصر الجوهر الفكري:
«بل هو مرض الطفولة… اليساري الحقيقي… لا يسرق»
وهي بذلك تعيد رسم الحدود الفاصلة بين النضال المبدئي الواعي وبين اللصوصية الفردية والنزق البرجوازي الصغير.
تترك هذه الصرامة أثراً عميقاً في وجدان البطل، فيحس بعزلته وانكشافه الفكري التام، متسائلاً في سره ومقراً بوعيها:
«أهي على حق؟»
غير أن هذا الإدراك لا يقوده إلى ممارسة النقد الذاتي، بل يدفعه إلى المكابرة والهروب فوراً إلى التبرير، قائلاً:
«ثم أجد المبرر: هم سرقوني… ويسرقوني»
وهنا تعرّي الرواية منطق التبرير الواهي الذي يتصادم حتى مع ما سمعه البطل من المناضلين حوله، بأن:
«المناضل الصلب هو الإنسان الذي لا يرصد وقته وإمكانياته لإمتاع نفسه»
لينطبق عليه وصف النص:
«ما أسهل الكلام، وما أيسر التبرير».

في كتابها “أطر الحرب” تفتح الكاتبة جوديث بتلر نافذة أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الفكر المعاصر: كيف تنتج السلطة تصورنا لماهية الإنسان ولماذا

صدر عن منشورات تكوين والدار العربية للعلوم – ناشرون رواية “حارس سطح العالم” للروائية بثينة العيسى، رسوم: محمد المهنا. الطبعة الـ ١١. فازت الرواية بجائزة

بيروت – «تقدُّم» ضمن فعاليات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الدورة الـ ٦٧، وفي جناح دار الفارابي، وقَّع الروائي والكاتب الفلسطيني مروان عبد العال، يوم

عقدت جائزة الشيخ يوسف بن عيسى الثقافية مؤتمرها الصحفي للإعلان عن تفاصيل دورتها الثانية (٢٠٢٦-٢٠٢٧)، مساء الثلاثاء ١٣ أكتوبر، على مسرح المركز الأمريكاني الثقافي في



