لِمَ النسوية الماركسية؟

كمرأة من الجزيرة العربية تخوض غمار نضالها النسوي لا بد وأن تجد نفسها في مرحلة ما تعيش وسط تناقضات تتمثل في أيديولوجيات نسوية متعددة يطغى عليها، بلا شك، الطابع الليبرالي التنظيري الذي لا يلامس صميم معاناتي ويحلل ويفكك هيكلية العائلة والمجتمع بنظامه الذكوري واقتصاده الاستغلالي ومؤسساته السياسية التي تهضم حقوقنا وتحافظ على ديمومة اضطهادنا.

فالنسوية الليبرالية تتجنب الضرب في عمق جذور التمييز ضدي (الاقتصادي الذي هو حتماً سياسي) تنظّر وتتحرك وهي تدور في فلك النظام الرأسمالي وتدين له بالولاء لنجد أنفسنا في ساحة معركة المرأة البيضاء ونناقش ونحلل مشاكل العالم “الأول” مستهلكين جهودنا في معارك طبقة لا ينبغي لها أن تكون محور نضالنا فلا موقعنا الطبقي ولا سياقنا التاريخي ولا الاجتماعي ولا السياسي ولا الأيديولوجي متشابه، مما يؤثر في عملية مراكمتنا للوعي النضالي لموقعنا كنساء من الجنوب العالمي الذي تغض النسوية الليبرالية الطرف عن الانتهاكات الرأسمالية والاستغلالية التي تحدث فيه من سرقة للموارد وتفقير للسكان، وتشغيل النساء والأطفال في المعامل والمناجم في ظروف غير إنسانية وبأجور زهيدة، حتى وإن أشارت إليها فإنها لا تنظر إليها كجزء رئيسي من نضالها الفوقي، بل تستغلها كدعاية رئيسية باسم تحرر المرأة للترويج للآلة الحربية الاستعمارية الغربية (أفغانستان والعراق) نموذجاً نرى نتائجه اليوم فلا حقوق مرأة ولا حقوق إنسان ولا بنية دولة حتى !

كمرأة تعيش هذا التناقض في خضم معركة ضروس ضد الذكورية والرأسمالية الإستغلالية معاً شكّل ذلك عندي وعياً نضالياً جديداً استطعت من خلاله الفهم أن النسوية ليست لوناً واحداً يجب أن نصطبغ به كلنا وإلا تم نزع غضبنا النسوي منّا، فكانت النسوية الماركسية الملاذ الفلسفي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يسعى ويقدم تحليلاً فلسفياً مادياً تاريخياً جدلياً، يعطي التنظير السياسي المعرفي الحقيقي لتفكيك معاناة المرأة ومن ثم فهم كيفية تحريرها من امتهان الذكورية واستغلال وتسليع الرأسمالية معاً.

وذلك لا يكون إلا بمراكمة وعينا عن ذواتنا وفق سياقات وضعنا التاريخي والاقتصادي والسياسي لنشكّل على أسس ثابتة التضامن العابر لحدود المستعمر نتشارك فيه ذات أهداف المعركة التحررية في نضال تقاطعي متلاحم لا يقصي أحداً مع تقديم الدعم غير المشروط للجميع.

ما يُشكل عائقاً اليوم بالنسبة لي هو أن الأيديولوجيا الماركسية تم طمسها عمداً في منطقتنا، في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث تمت شيطنتها ودعم الدين السياسي كأيديولوجيا مضادة للمد الاشتراكي متمثلاً في الإتحاد السوفييتي سابقاً (وهنا قصة طويلة لا يسع المجال لذكرها). 

إلا أن مفاهيم نسوية مثل “التقاطعية” و”الشخصي سياسي” هي مفاهيم نتجت من مراكمة تجاربنا التي اشتبكنا فيها وتصادمنا مع واقعنا لنصل لهذا التغيير الكيفي لتجربتنا النضالية لنراعي فيها ظروفنا الموضوعية في منطقة شبه الجزيرة العربية وما يترتب عليها من مطالب شعبية تَفرِض أحقيتها من غير تدخلات غربية تملي علينا ماهية حراكنا أو شكله أو تحدد سيرورته، وهذا يعتبر تمثيلا واقعيا واضحا لأحد ركائز النظرية الماركسية (المادية الجدلية) هذا الجدل الذي خضناه أنضج تجربتنا وطوّر مفاهيمنا الثورية، وعليه فإن بناء نضال نسوي ماركسي في منطقتنا أمر ليس مستحيلاً رغم شح المصادر المعرفية وشيطنة الماركسية وإقصائها مقارنة بالآلة الليبرالية الإعلامية المهيمنة التي تفرض نفسها على الجميع وبكل الوسائل المتاحة، إلا أن مقاومتها لخلق نضال يمثلنا ويعبّر عنا نستطيع من خلاله بناء أرضية نضالية صلبة نتمكن من خلالها من تحرير أنفسنا هي ضرورة حتمية.

Author

  • بيداء

    منصة نسوية اشتراكية من شبه الجزيرة العربية، تهدف لخلق حالة من التغيير الإيجابي في الحراك النسوي وإكمال النضال التحرري المناهض للرأسمالية

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

بعد إلغاء العذر التخفيفي لجرائم الشرف ورفع سنّ الزواج… نساء الكويت بين الاستجابة الجزئية لمطالبهن وما يتعرضن له من تمييز

هناك مفارقة لافتة للانتباه وتدعو إلى الاستغراب والتساؤل، ففي الوقت، الذي تضررت فيه عشرات آلاف النساء في الكويت من زوجات الكويتيين الحاصلات على الجنسية الكويتية

يوم المرأة العالمي بين الاحتفاء بالإنجازات ومواجهة التحديات

هذه التحديات تتطلب النضال المشترك من أجل إقامة نظام اجتماعي عادل تكون فيه المرأة حرة، آمنة، ومتساوية في الحقوق والفرص ويجعل قضية تحرر المرأة جزءاً لا يتجزأ من النضال لأجل التحرر الوطني والاجتماعي.

حماية المرأة من العنف في اليوم العالمي للمرأة

يحتفل العالم بالمرأة في الثامن من مارس كل عام، للتأكيد على التقدير والاحترام للدور الذي تقوم به النساء، في سبيل تقدم وبناء ونهضة وتطور العالم في جميع المجالات سياسياً واقتصادياً واجتماعياَ، بعدما خرجت المرأة للعمل ووصلت لمناصب صنع القرار.