قراءة سياسية للمشهد اللبناني: تحدّيات مواجهة العدوان الصهيوني في ظل التركيبة السلطوية المستجدة

يمرّ الوضع اللبناني بمرحلة شديدة الخطورة على جميع الصعد، فمن ناحية ما زال العدو الصهيوني يحتلّ عدداً من المواقع الحدودية، بما يشكّل انتهاكاً سافراً  لاتفاق “وقف الأعمال العدائية “، كما يقوم بالاعتداءات المتكرّرة  جواً وبراً بذرائع شتّى، حيث تمّ تسجيل ما يزيد عن ألف وخمسمائة خرق، مستنداً إلى التغطية الأميركية، ومنتشياً بالتغييرات والتبدّلات الحاصلة في العالم والمنطقة وفي لبنان، كما تتزايد الضغوط الخارجية الأميركية وسواها التي تهدف إلى جرّ لبنان إلى التطبيع مع العدو، بدءاً بطرح المفاوضات المباشرة، أو المفاوضات عبر لجان ذات طابع سياسي، بما يفتح مساراً تطبيعياً. وتدخل ضمن الضغوط الشروط المتعلقة بتمويل إعادة الإعمار. ويترافق ذلك مع تبلور التركيبة السلطوية “الجديدة – القديمة”، المتمثلة بانتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل الحكومة برئاسة نواف سلام، ومع التحديات المطروحة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

 جاء اتفاق “وقف الأعمال العدائية” بين لبنان و”إسرائيل”  في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بعد الحرب العدوانية الصهيونية على لبنان، التي استمرت منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وتصاعدت في همجيتها خاصة بعد 23 أيلول/ سبتمبر 2024، وتركّزت على القصف الجوي للمناطق اللبنانية كافة، خاصة في الجنوب وضاحية  بيروت الجنوبية وبعلبك – الهرمل، وصولاً إلى العاصمة، إضافة إلى محاولات التقدّم البري جنوباً، بالاعتماد على سياسة “الأرض المحروقة” وتدمير البنى التحتية وإحراق الأحراج والمزارع  والمواقع التراثية والأثرية والقتل والتهجير والاغتيالات.. وفي مقابل التوحّش والهمجية الصهيونيين، خاض المقاومون معارك شرسة وبطولية في التصدّي للتوغّل البري وإعاقته، وفي الردّ على العدوان في مناطق الداخل الفلسطيني المحتل، كما أًفشل الشعب اللبناني بغالبيته، رغم كلّ الصعوبات، خطط إثارة التصادم الأهلي الطائفي، من خلال الصمود الشعبي والوحدة الوطنية التي تجلّت في “احتضان النازحين”، وفي مواجهة العدوان وأهدافه.

لكن اتفاق وقف إطلاق النار حمل دلالتين، فقد شكّل، من جهة أولى، “إنجازاً” تحقّق بفضل  الصمود البطولي الذي منع، في ظلّ موازين القوى، العدو الصهيوني من تحقيق أهدافه بإخضاع لبنان وشعبه ومقاومته، وفرض عليه وقف هجماته البربرية التدميرية، ومجازره وحربه النفسية ضد المدنيين، لكنه، من جهة ثانية، شكّل تجاوزاً للقرار 1701 من خلال  التعديلات التي أُدخلت على النصّ، ومن خلال معظم البنود المفروضة على لبنان، في آلية المراقبة والتنفيذ التي صوّرت لبنان وكأنّه هو المعتدي، فشكلت بذلك عملية تبرئة للعدو الصهيوني من كل الجرائم التي ارتكبها بحق لبنان وشعبه. وقد تبيّن ذلك في تشكيل لجنة “المراقبة والتنفيذ” وترئيس الولايات المتحدة لها، وهي المنحازة والداعمة للعدو.

اتفاق وقف إطلاق النار حمل دلالتين، فقد شكّل، من جهة أولى، “إنجازاً” تحقّق بفضل الصمود البطولي الذي منع، في ظلّ موازين القوى، العدو الصهيوني من تحقيق أهدافه بإخضاع لبنان وشعبه ومقاومته، وفرض عليه وقف هجماته البربرية التدميرية، ومجازره وحربه النفسية ضد المدنيين، لكنه، من جهة ثانية، شكّل تجاوزاً للقرار 1701 من خلال  التعديلات التي أُدخلت على النصّ، ومن خلال  معظم البنود المفروضة على لبنان

انطلاقاً من هذه  المعطيات، يتوجّب رفض أي شروط أو تنازلات على حساب لبنان وسيادته وحقوقه الوطنية براً وبحراً وجواً، وعدم إعطاء “إسرائيل” أي حق في أي “عمل عسكري وقائي”، مع التمسك بوجوب الالتزام بالانسحاب إلى الحدود الدولية وفق اتفاق الهدنة الموقّع عام 1949، مع تحميل المسؤولية لكل الذين فاوضوا ووافقوا وأقرّوا اتفاق وقف إطلاق النار وقاموا بترئيس جنرال أميركي لما أسموها لجنة “المراقبة والتنفيذ”، وهي ليست سوى لجنة للإشراف على استمرار العدوان والاحتلال، علماً أن القراءة السياسية للاتفاق تتجاوز النصّ المكتوب الذي تحوّل إلى مدخل وغطاء لما يُنفّذ على أرض الواقع، ولنا في لبنان وفلسطين والعالم العربي تجارب مريرة حول “تطبيق” الاتفاقيات.

وطوال مرحلة الستين يوماً المعطاة لتنفيذ الاتفاق  وانسحاب  جيش الاحتلال (والتي مُدّدت  ثلاثة أسابيع  إضافية من 26 كانون الأول/ يناير حتى 16 شباط/ فبراير 2025 من قبل الولايات المتحدة الأميركية)، استمرت الخروقات “الإسرائيلية” الميدانية بغطاء أميركي، في محاولة من العدو  لجعل التوافقات التي صاغها مع واشنطن، أمراً واقعاً، بل يمكن الجزم أن عمليات التفجير والتجريف والتدمير الممنهج للمنازل والمنشآت والبنى التحتية والقطاع الزراعي في “الحافّة الأمامية”  الحدودية، التي قامت بها قوات الاحتلال، خلال هذه الفترة، تجاوزت ما جرى في مرحلة الحرب،  مع ما تركته من تداعيات في موضوع العودة إلى قرى الشريط الحدودي وفي مضاعفة مشاكل  العائدين الإعمارية والصحية والتربوية والمعيشية، مع الإشارة إلى ما شهدته “أيام العودة” من تصميم وتحدّي لآلة الحرب الصهيونية، من قبل الأهالي العائدين بعشرات الآلاف إلى بلداتهم المدمّرة، رغم التهديدات وعمليات إطلاق النار والاعتقالات، وسقوط العديد من الشهداء والجرحى ومحاولات منع التجول والاستمرار في الحرب النفسية والإيهام بأن العودة هي عودة منوطة برغبات الاحتلال. 

ورغم تمديد فترة الاتفاق، فإن العدو لم ينسحب انسحاباً كاملاً من جنوب لبنان حتى الحدود الدولية، وما زال متمركزاً في ما يسمّى بـ”التلال الخمس”، مع إنشاء مناطق عازلة، كما يحتلّ النقاط الحدودية الثلاثة عشرة التي لم ينسحب منها في العام 2006، حيث لا يتطابق “الخط الأزرق” مع الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، إضافة إلى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من بلدة الغجر. وهو يستمرّ بالاعتداءات اليومية، وفي ممارسة شتّى أنواع وأشكال الإجرام والترهيب على الأهالي العائدين، الذين يتعرّضون لمحاولات القتل والخطف، ويقوم بتفجير المنازل وتسيير المسيّرات واستباحة الأجواء اللبنانية، من دون أي رادع.  إن العدو الصهيوني يؤكّد أهدافه العدوانية الخطيرة ببقاء الاحتلال مع ما ينطوي ذلك من انتهاك لسيادة لبنان، ومن أطماع توسّعية وتهجير ونهب للثروات المائية والغازية، وارتكاب للجرائم وممارسة الخداع والتنصّل من تطبيق الاتفاقات منذ إنشاء كيانه وحتى تاريخه.

إن هذه الاعتداءات تتمّ بتغطية وتواطؤ الولايات المتحدة الأميركية التي تترأس “لجنة المراقبة”، ممّا يكشف حقيقة الاتفاق الأميركي – “الإسرائيلي” وما تضمّنه من “ضمانات” للعدو الصهيوني بارتكاب ما يشاء تحت حجج واهية، تارة بوجود مخاطر وشيكة أو متطوّرة، وطوراً بحقّه في “الدفاع عن النفس”، ويقوم المسؤولون الأميركيون بتبرير بقاء احتلال العدو، واستمرار عدوانه لتحقيق أطماعه التوسّعية، ويتمّ استخدام عدم الانسحاب ووقف المساعدات لمنع الإعمار، وعرقلة عودة الأهالي إلى قرى الشريط الحدودي، لفرض مفاوضات تطبيعية مع العدو الصهيوني،  ولا يتوانى موفدو الإدارة الأميركية عن الاستفزاز الوقح لمشاعر اللبنانيين والوطنيين ولتاريخ هذا البلد وشهدائه الذين حرّروا أرضه من الاحتلال الصهيوني من دون قيد أو شرط. ومثال ذلك ما صرّحت به المبعوثة الأميركية إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، من القصر الجمهوري عن “امتنانها وامتنان بلدها لما قامت به إسـرائيل” من حـرب عدوانية مدمّرة أودت بحياة آلاف اللبنانيين وجرحت عشرات الآلاف، وهجّرت أكثر من مليون ونصف مليون مواطن من أرضهم وبلداتهم ومنازلهم، في تعبير عن شراكة الولايات المتحدة في العـدوان، كما هي شريكة في حـرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني. ومن المؤسف سكوت السلطات اللبنانية عن هذه التصريحات، وسواها.

إن هذه الاعتداءات تتمّ بتغطية وتواطؤ الولايات المتحدة الأميركية التي تترأس “لجنة المراقبة”، ممّا يكشف حقيقة الاتفاق الأميركي – “الإسرائيلي” وما تضمّنه من “ضمانات” للعدو الصهيوني بارتكاب ما يشاء تحت حجج واهية

في مجرى التطورات المتعلقة بالعدوان الصهيوني ونتائجه، جرت جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 9 كانون الثاني/ يناير 2025، لتنهي مرحلة زمنية طويلة استمرت عامين وأربعة أشهر من الشغور الرئاسي، ولتفتح الباب أمام مرحلة مليئة بالتحدّيات التي تنتظر اللبنانيين. إن الشغور الرئاسي المتكرّر المترافق مع خرق الدستور قد كشف جانباً أساسياً من جوانب أزمة النظام السياسي الطائفي المولّد للأزمات والمخاطر التي تتزايد في ظل الاختلال في موازين القوى وفق المتغيرات الجيو – سياسية التي تعصف بالمنطقة جراء العدوان الإمبريالي – الصهيوني المستمر دون توقّف، و”توافق” أطراف السلطة السياسية على الخضوع للتدخّلات الخارجية بما يضمن إعادة إنتاج نظام المحاصصة الطائفية.

ويمكن القول إن أطراف السلطة وأوصيائهم يعيدون إنتاج نسخة جديدة للدولة الطائفية المأزومة، مع دور أكبر لقوى الرأسمال الريعي، رغم كل ما دفعه الشعب اللبناني من تضحيات. علماً أن قوى سياسية يمينية بدأت بالتحضير لمحاولة إعادة تكوين السلطة وتوزيع الحصص الطائفية في النظام السياسي اللبناني، وصولاً إلى أن بعضها يراهن على دخول لبنان مرحلة التطبيع الكامل مع “إسرائيل”.. وفي ذات الوقت، وعلى وقع الضربات التي تعرض لها “حزب الله”، وانكفاء دوره باتجاه الداخل، جاءت موافقته على اتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة تموضعه الداخلي، ومحاولة إعادة تكوين السلطة السياسية مع شركائه وفق الأسس والتحالفات الطائفية عينها، مع بقاء تمسّكه بالمقاومة بانتظار نتائج تنفيذ الاتفاق وتطوّرات الأحداث في لبنان والمنطقة.

إن أطراف السلطة وأوصيائهم يعيدون إنتاج نسخة جديدة للدولة الطائفية المأزومة، مع دور أكبر لقوى الرأسمال الريعي

طرح خطاب القسم للرئيس المُنتخب جوزاف عون عناوين عامة “واعدة ” حول معالجة المشاكل المزمنة السياسية والاجتماعية، لكنّه شكّل بحد ذاته شاهداً على فشل الدولة الطائفية وحكوماتها المتعاقبة طوال عقود في تحقيق آمال اللبنانيين في بناء مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية، دولة العدالة الاجتماعية المقاومة، الدولة القادرة على تحقيق ما ورد من عناوين ووعود.  

وجاء تكليف القاضي نواف سلام، وهو شخصية من خارج النادي السياسي التقليدي، بعد “إبعاد” مرشحي طرفي النظام نجيب ميقاتي وفؤاد مخزومي، ليمثّل خطوة رمزية في كسر احتكار السلطة. لكن هذا التكليف هو خطوة لا يمكن أن تحقّق أهدافها من دون رؤية سياسية وطنية واضحة تترجم الى إجراءات ملموسة بعيداً عن أي مساومات أو صفقات أو أي تدخّلات وضغوط خارجية، بما يعطي الأولوية لمصلحة الوطن والشعب، ويحدث خرقاً في النظام السياسي ويرسي أسس مرحلة انتقالية لبناء الدولة الوطنية، دولة المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، الدولة المقاوِمة المسؤولة عن حماية شعبها عبر جيشها الوطني، وعبر حق شعبها في مقاومة الاحتلال والاعتداءات الصهيونية كواجب وطني.

  ولا يمكن الوصول إلى هذه الأهداف إلا من خلال العمل وفق المتطلّبات التالية:

  • مقاومة الاحتلال الصهيوني بكل الوسائل لفرض انسحابه الكامل دون قيد أو شرط حتى الحدود الدولية وفق اتفاق الهدنة.
  • إعادة الإعمار، دون الخضوع للشروط الأميركية والخارجية، من أجل إعادة النازحين إلى قراهم في المناطق اللبنانية التي طالها العدوان الصهيوني، مع تقديم التعويضات الكافية عمّا لحق بهم من خسائر وما دفعوه من تضحيات وبما يحفظ كرامتهم ويعزّز صمودهم.
  • إقرار القوانين الإصلاحية، وأبرزها قانون انتخابي عادل على أساس النسبية وخارج القيد الطائفي والدائرة الواحدة أو الموسّعة، وقانون استقلالية القضاء.
  •  إقرار القوانين الرامية إلى بناء الاقتصاد المنتج عبر تغيير السياسات الاقتصادية – الاجتماعية وتأمين حقوق الطبقة العاملة والمتوسطة والفئات الشعبية، وأصحاب الودائع الصغيرة وتصحيح الرواتب والأجور ومعاشات التقاعد وتعويضات الصناديق الضامنة ووقف نزيف هجرة الكوادر والكفاءات الشابة وتعزيز دور القطاع العام في التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية والإدارة العامة ومؤسّساتها.

تشكّلت الحكومة الجديدة بعد مرور فترة زمنية شهدت مساومات تحاصصية، وتدخّلات وإملاءات خارجية، وهو ما يتكرّر حالياً في التعيينات الأمنية والإدارية. وتضمنت التشكيلة الحكومية فريقاً في الوزارة آتياً من شركات كبرى و”خلفيات رأسمالية” وجنسيات مزدوجة، بما يشير إلى أننا قد نكون قادمين على قرارات حكومية ذات كلفة اجتماعية عالية. 

وفي هذا الصدد فإن قراءة البيان الوزاري للحكومة المشكّلة، وبغضّ النظر عمّا ستنجزه هذه الحكومة فعلياً، تشير إلى المسائل التالية:

  • يكرّر البيان فكرة الدولة، دون تحديد مضمونها، ولا يلتزم صراحة بتنفيذ البنود الإصلاحية، لا سيما تلك المرتبطة بتجاوز الطائفية السياسية وإقرار قانون انتخاب من خارج القيد الطائفي.
  • رغم التزام الحكومة بالدفاع عن وحدة لبنان وسلامة أراضيه وتحريره الكامل من الاحتـلال الإسـرائيلي، فإنها تربط ذلك بالضمانات الخارجية، بدل ربطه بوجود قرار سياسي وطني يرمي إلى حشد الموارد الاقتصادية والمالية والبشرية لبناء الجيش وتسليحه بأحدث الأسلحة، ومن مختلف المصادر، وتأمين عديده، بما يخرجه من الوصاية الأميركية – الفرنسية على تسليحه، وبما يدعم قيام الدولة الوطنية المقـاومة المحصّنة باستراتيجية عسكرية وأمنية، مع التأكيد على حق الشعب اللبناني بمقاومة الاحتلال وتحرير أرضه من دون قيد أو شرط.
  • إن تعزيز موارد الدولة، يتطلّب القيام بإصلاح ضريبي جذري يجسّد مبادئ المواطنة ويعزّز قدرات الدولة على إنتاج وتمويل الخدمات العامة، ويسهم أيضاً في تحقيق العدالة الضريبية وفي نقل العبء الضريبي من القطاعات والمؤسّسات والموظفين والعمّال المنتجين إلى القطاعات الريعية. 
  • إن حلّ أزمة الودائع المصرفية لا يتمّ عبر الوعود المضلّلة، بل عبر سياسة شاملة تضمن حقوق صغار المودعين الذين يشكّلون حوالي الـ 90 % من المودعين، مع التوزيع العادل للخسائر المالية بدءاً بمّن تسبّب بها وأثرى عبر تدفّقات الفوائد الزائدة والهندسات المالية، وتهريب الأموال إلى الخارج. كما يتطلب ذلك إعادة هيكلة المصارف ومحاسبة المنتفعين وعدم تحميل الأصول العامة التي تعود ملكيتها إلى الشعب اللبناني مجتمعاً أية كلفة. 
  • يشير البيان بصيغ عامّة إلى ضرورة “إنشاء نظام حماية اجتماعية شامل”، إلّا أنه يركّز عملياً على مقاربات نيوليبرالية تنحصر في برامج التخفيف من حدّة الفقر، وتتجاهل مسألة تأمين الخدمة العامة، وإعادة توزيع الثروة والدخل لصالح الطبقة العاملة والفئات المتوسطة وما دون المتوسطة، وصولاً إلى القضاء على الفقر كهدف استراتيجي طويل الأمد. ولا يطرح البيان إشارات واضحة حول مسألة تصحيح الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية وتعويضات الصناديق الضامنة التي تشكّل الادخار الأساسي للفئات المنتجة والطبقات المتوسطة والعاملة والتي خسرت معظم قيمتها بسبب انهيار العملة الوطنية. 
  •  مواكبة الاقتصاد اللبناني للتطورات والتحوّلات الحاصلة في مجال التكنولوجيا الحديثة والعلوم لا يمكن أن تتحقّق عبر ميكانيزمات الأسواق التي ستعيد إنتاج الاقتصاد المتدنّي الإنتاجية والريعي نفسه، بل أنها تحتاج إلى سياسات صناعية وعلمية محدّدة لنقل التكنولوجيا وتطوير المؤسسات المنتجة ذات القدرة التنافسية العالية وإلى ربط التطوّر العلمي بالإنتاج. 
  •  جاء الطرح حول دور المرأة والشباب في المجتمع اللبناني إنشائي الطابع ومشبعاً بالعموميات. فالشباب اللبناني تُهدر طاقاته إما بالهجرة أو بالبطالة المقنّعة أو في عدم الحصول على التعليم الجيّد النوعية، وتعاني المرأة اللبنانية من التهميش الاقتصادي والسياسي، بالإضافة إلى القوانين المجحفة بحقّها، لا سيما قوانين الأحوال الشخصية. 
  • من الضروري التعامل بحذر شديد مع تفاصيل الوصفات الجاهزة الصادرة عن صندوق النقد الدولي والتي أدّت إلى كوارث اقتصادية واجتماعية في الكثير من البلدان. 
  •  الكلام حول التعليم الرسمي يتطلّب بلورة خطة وطنية واضحة المعالم والأهداف ويتطلّب موارد إدارية ومالية وبشرية ومؤسسية، بما في ذلك زيادة الإنفاق الحكومي على الجامعة اللبنانية وعلى المنشآت الجامعية والمدرسية وعلى الأبحاث والتطوير وجذب الكفاءات العلمية العالية.

ومن اللافت أن مجلس الوزراء المنعقد في 6 آذار/مارس الماضي قرّر إصدار موازنة 2025 التي أعدّتها الحكومة السابقة، وهي موازنة تقشفية، بمرسوم، تحت مبرّر عدم تأخير الحاجات العامة، ممّا يطرح السؤال حول مدى التغيير في السياسة الاقتصادية والاجتماعية الذي تتحدّث عنه الحكومة.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

مأزق ترامب وأزمة نتنياهو أمام صمود غزة

انقلبت الإدارة الأميركية على اتفاق وقف إطلاق النار بمراحله الثلاث والذي كان بوساطتها مع مصر وقطر وقد دخل حيز التنفيذ بين المقاومة الفلسطينية وحكومة الاحتلال

كيف يسرق العدو الصهيوني المياه اللبنانية

إنَّ الأطماع الصهيونية في المياه اللبنانية لها تاريخها الطويل، ذُكر بعضها في اللمحة التاريخية عن الأطماع “الإسرائيلية” في المياه العربية وسرقتها (في العدد الرابع عشر

السيف.. والمحراث.. والمستقبل السوري

في المنعطفات الكبرى، مَن يضع الأهداف، ومَن يحدّد الأولويات، ومَن يقطف الثمار، ومَن يدفع الثمن؟ لن نجد الجواب إلا بالبحث عن العامل الاجتماعي الرئيسي في