
«تقدُّم» تشارك في معرض الكتاب الصيفي الثامن لجمعية الخريجين الكويتية .. فسحة متميزة في الحياة الثقافية
شاركت مجلة «تقدُّم» في معرض الكتاب الصيفي الثامن الذي افتتحه جمعية الخريجين الكويتية في 24 أغسطس واستمر حتى 28 أغسطس 2025 بمقر الجمعية في منطقة
كان الحفل مهيباً يحضره لفيف من المثقفين والمبدعين والمسؤولين لتكريم صاحب العمل الأدبي الذي حاز على جائزة ” الرواية العربية” وهي 100 ألف جنيه مصري لعام 2003.
وقف صنع الله إبراهيم وسط التصفيق الحار، فصعد إلى المنصّة مصافحاً وزير الثقافة المصرية آنذاك فاروق حسني ثم تناول الميكروفون وشكر تقديرهم واحترامهم لأعماله الأدبية، وقَبْلَ أن يستلم الجائزة، انتظر التصفيق حتى يهدأ ثم أعلن رفضه استلام هذه الجائزة، فهي تمثل سلطة ونظام لديه الكثير من الانتقادات والتحفظات على سياساته، ثم خاطب الجمهور مندداً بالاحتلال الإسرائيلي، ومستنكراً استقبال العواصم العربية لقيادات هذا الكيان العنصري المحتل، مؤكداً أن المثقف الحقيقي يجب أن يكون في صف الشعوب، لا بجيب الأنظمة !
هكذا عُرف صنع الله ابراهيم بأنه مثقف متمرد جريء يتحدى المحظورات، ويكسر القيود، ويصرح بما يعتقد دون خشية من العواقب الوخيمة التي قد تطاله كالسجن مرة أخرى، فقد بدأ حياته ناشطاً سياسياً في الحركة اليسارية المصرية، وعلى أثر ذلك تم اعتقاله في سنة 1959 وبقي بالسجن خمس سنوات، وهناك عايش وحشية السجون في عهد عبد الناصر، وتعرض المساجين للتعذيب، حيث يروي صنع الله قصة تعذيب سكرتير الحزب الشيوعي المصري الشهيد شهدي عطية بسجن أبو زعبل، وضربه حتى الموت. وفي حواره مع الإعلامية الراحلة جيزيل خوري على BBC ذكر صنع الله تلك الأحداث المؤثرة والخلاف الذي وقع بين الشيوعيين والناصريين مشيراً إلى دور الصحفي المشبوه مصطفى أمين المرتبط بالمخابرات الأميركية في الترويج لدعاية ” خطر الشيوعيّين”، والإيقاع بين عبد الناصر والشيوعيين، ولربما كان صراعهما في مصر امتداداً لما جرى بين الطرفين من مواجهات وتصفيات دامية في العراق وسورية أثناء الوحدة المصرية – السورية، ورغم انتقادات صنع الله ابراهيم للعهد الناصري الذي رأى فيه الديكتاتورية وغياب الحرية والمشاركة السياسية، لكنه يُسجل لعبد الناصر الكثير من المزايا التي رسمت في عهده ملامح جديدة لمصر كدولة تطمح للاستقلال والتحرر الوطني والبناء والإصلاح وتتطلع لتحقيق العدالة الاجتماعية بين مواطنيها وإنهاء عصر الإقطاع وتوفير التعليم للجميع مقارنة بالعهد الملكي وعهد السادات وما بعده … إذن فهو يعارض عبد الناصر ولكن لا يعاديه، بل ويفتقده اليوم كما هو صرّح.
ومن رحم تلك المعاناة والتعذيب والسجون ومعايشة أحوال المساجين وسلوكياتهم وقصصهم المختلفة تشكلت لدى صنع الله ابراهيم ذاكرة جيدة مليئة بالحكايات، وقد ساهم الاطلاع والقراءة وهواية جمع الصحف في تفجير قريحة الكتابة الإبداعية لديه.
فكانت أولى رواياته “تلك الرائحة” بعد خروجه من السجن، ثم كتب بعدها رواية “67” النكسة في أواخر الستينيات وهو في بيروت حين كان ينتظر سفره إلى ألمانيا الشرقية، لكن الراحل سهيل ادريس رفض نشرها في دار الآداب؛ لاحتوائها على مشاهد جنسية تخالف سياسة الدّار، وبقيت تلك الرواية حبيسة الأدراج عقود طويلة لم يفرج عنها صنع الله إلا مؤخراً، فقد خشي أن تستُغل تلك الرواية لو نُشرت بمصر من قبل خصوم عبد الناصر في المعسكر الآخر في تلك الأيام.
إنَّ الكتابة الروائية عند صنع الله هي وسيلة شريفة يعتاش منها، ومن خلالها يرسم شخصياته ويزرع فيها أفكاراً ومواقف مختلفة من خياله الابداعي ثم يحركها، ومن خلال هذا التفاعل بالعمل الأدبي يظهر انحيازه السياسي والأخلاقي للعدالة وقيم الحق ونصرة الفقراء والمهمشين والثائرين من أجل الكرامة والحرية والخلاص من الاستبداد والاحتلال.
فالعمل الروائي عنده يتفاعل فيه المكان والزمان والحدث والخيال الفني مع الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كأنه يؤرخ لمرحلة ما أو حدث معين، حيث كثيراً ما يوثق تلك الأحداث من خلال أرشيفه الصحفي الضخم والمتنوع، فتجد مثلاً في رواية “وردة ” ينتقل بالقارئ من مسرح الحدث المركزي وهو جبال ظفار وصلالة ومسقط والربع الخالي في عُمان إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان وأحداث تاريخية ومفصلية في العراق وسوريا واليمن ومصر وفيتنام وإلى اجتماعات وقرارات دولية في لندن وواشنطن وموسكو… ليثبت أممية عمله الروائي الذي يتجاوز حدود المحيط الوطني والعربي وصولاً إلى العالمية .
ولدى صنع الله القدرة على تقمص الشخصيات في رواياته، فقد جسد برواية “وردة” شخصية المرأة العُمانية المناضلة الثائرة التي تدير شؤون الرفاق وتنظم المعسكر وتحل الإشكالات، وتزيل العقبات بحنكة ومرونة وذكاء وحذر واتزان، وتدرّب المقاتلين والمقاتلات، وتمارس حياتها الطبيعية كإنسانة عادية تتبادل الحب مع رفيقها المقرب منها، فتسفر تلك العلاقة إلى الزواج ثم الانجاب، متجاوزاً هنا الثقافة التقليدية في مجتمعاتنا العربية ورؤيتهم المحدودة لدور المرأة المحصور بإدارة البيت وتربية الأولاد ورعاية الزوج.
وإلى جانب هذه الحركة الديناميكية في رواياته، تجد أيضاً لدى صنع الله حب الاكتشاف ومعايشة المجتمعات الأخرى فقد سافر إلى عُمان وبيروت وموسكو وبرلين وأميركا، وكتب عن تلك الأماكن روايات عديدة بدراية تامة ومعايشة فعلية للواقع هناك مثل رواية “برلين” وبيروت بيروت” و”أمريكانلي”
وإلى جانب أهمية رواية “وردة ” هناك عمل أدبي آخر لا يقل إبداعاً وجمالاً وإثارة وجرأةً عن أعماله الأخرى، وهي رواية “اللّجنة” وهي عمل أدبي مركب ورمزي غامض يحتمل معانٍ مختلفة وإسقاطات عديدة، حيث تتحول “اللجنة” في الرواية إلى عدة معانٍ مفتوحة للتأويل، تارة هي سلطة محلية مستبدة بيروقراطية تمارس التعسف والهيمنة مع المتقدم للاختبار، وتحول دون حصوله على الوظيفة، وتارة أخرى هي سلطة مركزية عالمية وامبريالية تتحكم بالعالم الثالث تحديداً، وتعرقل تقدمه واستقلاله اقتصادياً وثقافياً وسياسياً.
يستحق صنع الله إبراهيم الكثير من الاحترام والتقدير والتكريم، وقد نال الكثير من الجوائز على إبداعه في عالم الرواية مثل “جائزة ابن رشد” – جائزة “عويس”- جائزة “محمود درويش” فهو مبدع بامتياز، ولا يقل أهمية عن غيره من الروائيّين الكبار.
مضى أكثر من ثمانية عقود من ميلاده وهو يكتب رواياته حتى انطفأت في 13 أغسطس 2025 شمعة صنع الله إبراهيم في أصعب ظروف يمر به العالم العربي وفلسطين، وسط هول إبادة جماعية لأهالي غزّة المحاصرين حيث يرتكب العدو الإسرائيلي أفظع جريمة في العصر الحديث دون أي رادع أو اعتبار لما يُسمى بحقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية والشرعية الدولية والأمم المتحدة، فلم يعد الموت أمراً فاجعاً كما كان سابقاً، وكأننا قد اعتدنا عليه يومياً في نشرات الأخبار، و أصبحنا أصناماً بلا مشاعر، لا نكترث للفقد، ولا نتألم لموت الأبرياء ورحيل مَن نحب، ولانتحرك لنجدة أطفال يموتون جوعاً، ولم يكتبوا قصصهم ورواياتهم وقصائدهم بعد.
شاركت مجلة «تقدُّم» في معرض الكتاب الصيفي الثامن الذي افتتحه جمعية الخريجين الكويتية في 24 أغسطس واستمر حتى 28 أغسطس 2025 بمقر الجمعية في منطقة
صدر عن منشورات تكوين كتاب “هل نولد عنصريين؟” (إضاءات جديدة من علم الأعصاب وعلم النفس الايجابي). تحرير جيسون مارش، ورودولفو مِندوزا دينتون، وجيرمي آدم سميث.
فريدريك إنجلز: في مجابهة الميتافيزيقا يجب تطوير الطابع العام للديالكتيك بأنه علم عن الترابط الشامل، عن القوانين العامَّة لكل حركة، عن قوانين تطوّر الطبيعة والمجتمع والفكر
صحيح أن الفن لا يورث ، لكن زياد ورث الكثير من عبقرية والده الموسيقية ، وأخذ الكثير من طيبة والدته فيروز وأصالتها النقية وحبها للناس