إذاعة القاهرة والسياسة الأفرو-وحدوية: الإعلام والتحرر الوطني في خمسينيات القرن العشرين

-+=

شهدت منطقة شرق إفريقيا، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1953 و 1960، تحوّلاً جوهرياً في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي، اتّسم بارتفاع وتيرة المواجهة ضد الوجود الاستعماري البريطاني. وقد ترافق ذلك مع توسّع ملحوظ في قاعدة مستمعي الإذاعات المحلية والإقليمية، ما أتاح فضاءً أوسع لتداول الأفكار التقدمية والتحررية، خصوصاً عبر البرامج الموجّهة باللغات واللهجات المحلية، والتي شكلت أداة محفّزة للحركات الثورية وداعمة لمطالب الاستقلال.

لم تقتصر أهمية هذه الإذاعات على الجانب التعبوي، بل تجسّدت أيضاً في كونها منصة أيديولوجية صاغت خطاباً أفرو- وحدوياً طموحاً، ساعياً إلى إعادة تشكيل وعي الشعوب. وفي الوقت نفسه، أسهمت هذه المنصات في كشف التباينات العرقية والطبقية داخل المجتمعات الشرق إفريقية، حيث ظلت موازين النفوذ والحقوق موزّعة بشكل غير متكافئ بين مختلف الفئات الاجتماعية.

“إذاعة صوت العرب” ودورها في مناهضة الاستعمار

ثورة يوليو 1952 برزت كإحدى أبرز التحولات السياسية والاجتماعية في مصر، حاملة توجهات ورؤية أفرو-آسيوية تهدف إلى إنهاء الهيمنة الاستعمارية وتعزيز التعاون بين دول الجنوب. من خلال مؤتمر باندونغ عام 1955، عزز جمال عبد الناصر، الرئيس المصري، مكانة مصر كفاعل رئيسي في دعم الحركات الثورية الأفريقية، مقدّماً أشكالاً مختلفة من الدعم السياسي والدبلوماسي تحت شعار مناهضة الاستعمار.

في أعقاب المؤتمر، عمل عبد الناصر على إبراز البعد الأفريقي لمصر، مؤكداً أن محاولات تغذية الانقسامات العرقية بين شمال وجنوب الصحراء الكبرى ليست سوى أدوات استعمارية تهدف إلى إضعاف وحدة القارة الأفريقية. تعكس تلك المرحلة التاريخية الدور المحوري للإعلام والخطاب السياسي في دعم حركات التحرر، وكيف يمكن لهذه الأدوات أن تساهم في تعزيز الوعي بحقوق الشعوب في الاستقلال والسيادة، ممهّدة الطريق لطرح مشروع الوحدة الأفريقية.

أثبت الراديو أنه من أبرز الأدوات التي وظّفها عبدالناصر لدعم مشروعه السياسي. فقد شكّلت إذاعة “صوت العرب”، التي انطلقت في الذكرى السنوية الأولى لثورة يوليو 1952، منصة إعلامية أساسية أتاحت لمصر بناء رأي عام منظم وفاعل، وجمعت بين شرائح الجمهور المتعلم والأمي على حد سواء.

في عام 1954، أطلق الراديو المصري برنامجاً بعنوان “راديو أفريقيا”، كان يُبث يومياً باللغة السواحلية لمدة ثلاثين دقيقة عند الساعة السابعة مساءً. تضمن البرنامج نشرة أخبار يومية، تلتها فقرات اشتملت على تحليلات سياسية وثقافية تناولت تاريخ أفريقيا، مع فواصل موسيقية قصيرة.

بحلول يوليو 1955 ارتفعت مدة البث إلى 45 دقيقة، ثم إلى ساعة كاملة عام 1958، وإلى ساعة ونصف الساعة عام 1961، في انعكاسٍ مباشر لتوجّه السياسة المصرية نحو القارة الأفريقية. وإلى جانب برنامج “صوت القاهرة”، أطلقت الإذاعة المصرية في أبريل 1957 محطة جديدة باسم “صوت أفريقيا الحرة”، التي كانت تبث باللغة السواحلية إلى شرق ووسط أفريقيا، وقد أثارت هذه المحطة شكوك بعض المسؤولين الاستعماريين في كينيا بشأن مصدر البث، قبل أن يؤكد الفنيون البريطانيون لاحقاً أن الإشارة تنطلق من القاهرة.

كان مبدأ الاستقلالية في اختيار المضمونين السياسي والثقافي واضحاً في التجربة الإذاعية المصرية الموجَّهة إلى أفريقيا. إذ يذكر سليمان مالك، أحد المذيعين الأفارقة في “صوت القاهرة” ولاحقاً في “صوت أفريقيا الحرة”، أن محمد فائق، مستشار الرئيس جمال عبد الناصر لشؤون أفريقيا، لم يتدخل في عملهم بالقاهرة، وأن المذيعين تمتعوا بـ “حرية كاملة” في إعداد برامجهم وصياغة محتواها.

برزت في الإذاعة أيضاً شخصية شريفة لمكي، المنحدرة من أسرة زنجبارية عُرفت بنشاطها الفكري والسياسي، وكانت شقيقة أحمد لمكي، الذي درس في مصر وانخرط في حركة شيوعية معارضة للملكية والاستعمار البريطاني، وهو ما أدى إلى اعتقاله وسجنه لمدة عامين. وبعد عودته إلى زنجبار عام 1953، لعب دوراً محورياً في تنظيم العمال والطلاب ضمن “جمعية زنجبار”، التي وقفت في مواجهة السياسات البريطانية القائمة على دعم المؤسسات المحلية الموالية. وفي السياق نفسه، برز أحمد رشاد، ذو الأصول الزنجبارية، الذي انضم في مطلع عام 1955 إلى فريق الإذاعة ليصبح أحد أبرز الأصوات الأفريقية فيها. فقد بدأ رشاد مسيرته المهنية مفتشاً صحياً في مدينة زنجبار، قبل أن ينتقل عام 1938 إلى عُمان ثم إلى بومباي، حيث عمل مذيعاً في محطة “صوت أونغوجا” الحكومية، وتعاون هناك مع أحمد سعيد خروصي، محرر صحيفة موونغوزي، في إعداد مواد مناهضة للاستعمار لصالح حزب حقوق الإنسان الزنجباري، وهو ما أدى إلى اعتقاله وفصله من عمله الحكومي.

حققت الإذاعة نجاحاً ملحوظاً، لتصبح من أكثر الإذاعات متابعة على طول سواحل شرق أفريقيا. يروي عبد الرحمن بابو، كاتب ومناضل ماركسي من زنجبار:

“كان كل من يتحدث اللغة السواحلية في شرق أفريقيا يستمع إلى هذا البرنامج. في زنجبار كنا نتابعه بشغف في جميع المقاهي. كان صوتاً راديكالياً أغضب البريطانيين والرجعية المحلية، لكنه منحنا الإلهام والشجاعة”.

أثارت الإذاعة قلق السلطات البريطانية في شرق إفريقيا، إذ اعتُبرت تهديداً مباشراً لهيمنتها الاستعمارية. تمحورت المخاوف حول إمكانية أن تُلهب هذه البثوث مشاعر المقاومة، وتدفع إلى اندلاع العنف ضد الإدارة الاستعمارية. ولم تكن هذه المخاوف مجرد افتراضات، فقد شهد يوم 27 يناير 1955 نقطة تحول بارزة، حين قدمت الإذاعة تغطية موسعة للحملة العسكرية الدموية التي شنها الاستعمار البريطاني ضد مقاتلي حركة “الماو ماو” في جبال كينيا.

استخدمت القوات البريطانية المدفعية الثقيلة والطيران لقصف مواقع المقاتلين، ما أسفر عن مقتل نحو 8.000 شخص، وتنفيذ أحكام إعدام بحق نحو 900 آخرين، كما تم اعتقال نحو 7.000 أفريقي وتهجير قسري لما يزيد على 600 ألف من أبناء قبائل “الكيكويو”، فضلاً عن إحراق وتحطيم أكثر من 200 ألف كوخ. ولم تقتصر الجرائم على القتل والاعتقال، بل شملت أيضاً عمليات استيطان ممنهجة. فقد عملت الإدارة البريطانية، بقيادة المفوض شارلون إليوت، على مصادرة أراضي الكيكويو الخصبة وإعادة توزيعها على المستوطنين البريطانيين ضمن مشروع “الأراضي الخصبة العالية”، الذي هدف إلى حماية خط السكك الحديدية الممتد بين مومباسا ونيروبي وصولاً إلى كمبالا.

وجد المهجَّرون أنفسهم محشورين في معسكرات أشبه بالمستودعات البشرية، مستوحاة من نظام “البانتوستانات” في جنوب إفريقيا، فيما اضطر من لم يجد مأوى إلى العمل كأقنان على أراضي المستوطنين البيض، وفق عقود تمتد بين عام وسبعة أعوام، وتنتقل تلقائياً إلى المالك الجديد في حال بيع الأرض، كما ألزم القانون كل أفريقي بحمل تصريح عمل دائم، ما عزز قبضة الإقطاعيين على حياة العمال وقيّد حرياتهم الاقتصادية والاجتماعية.

في مواجهة هذه البنية الاستعمارية القمعية، لعبت الإذاعة دوراً تحريضياً بارزاً، إذ لم تقتصر على نقل الأخبار، بل أطلقت حملات تضامن، وقدمت برامج حوارية ومحاضرات باللغة السواحلية، إلى جانب مسرحيات وأفلام صوتية، أبرزها “الدم في القارة السوداء”، الذي كشف الأبعاد العنصرية والاقتصادية للاستيطان البريطاني، مؤسّسةً بذلك خطاباً تحررياً يستنهض وعي المستمعين ويحفزهم على النضال ضد الهيمنة الاستعمارية.

النزعة الإسلامية المناهضة للاستعمار في إذاعة صوت القاهرة

اتسم خطاب الإذاعة بحضورٍ بارز للبعد الإسلامي، غير أنه تجلّى ضمن إطار تقدمي يرفض الانغلاق الطائفي والتمييز العرقي. فقد استُخدمت مفردات دينية مثل “الجهاد” و”الأمة”، لكن توظيفها جرى في سياق أقرب إلى العلمانية السياسية، حيث أُعلِيَت قيم الوحدة الوطنية والتحرر الجماعي على أسس سياسية وقومية أكثر منها دينية خالصة. وقد برز هذا التوجه بوضوح في البرامج الموجَّهة إلى شرق أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، حيث وُظِّف الإسلام بقراءة سياسية ثورية، تمزج بين معانيه التحررية وبين رؤية قومية وحدوية.

ويُذكر أن علي محسن كتب في نصوص النشرة الإخبارية لأفريقيا الشرقية، التي كان يحررها أحمد رشاد، مؤكداً على الهدف المركزي المتمثل في وحدة أفريقيا تحت رايات حركات التحرر مثل منظمة الحرية البان – أفريقية في شرق ووسط أفريقيا  .PAFMECA وفي السياق نفسه، كان سعيد خليفة محمد يقدّم محاضرات باللغة السواحلية، رابطاً بين البعد المناهض للاستعمار والديمقراطي والقومي للإسلام، وبين مبادئ مؤتمر باندونغ ومنظمة التضامن الشعبي الأفرو – آسيوي.

كما لم تتردد الإذاعة في مهاجمة المتعاونين مع السلطات الاستعمارية تحت غطاء الدين، مستخدمةً خطاباً أخلاقياً له طابع ثوري. وقد أُعيد إنتاج مفهوم “الجهاد” في هذا الإطار ليُفهم بوصفه كفاحاً مسلحاً وفكرياً ضد الاستعمار، لا بمعناه الضيق، الأمر الذي أضفى على الخطاب الإعلامي بعداً تعبوياً يربط بين المقدّس الديني والتحرر السياسي والاجتماعي.

الهجمات البريطانية المضادة ضد إذاعة القاهرة

لم تكن المواجهة بين بريطانيا وإذاعة القاهرة مجرد صراع إعلامي عابر، بل معركة سياسية شرسة في قلب الحرب الباردة وصراع النفوذ على إفريقيا. فقد رأت لندن أن إذاعة القاهرة، التي خاطبت شعوب القارة بلهجة تحررية مناهضة للاستعمار، تهدد ركائز الإمبراطورية العجوز وتكشف عوراتها أمام الجماهير الغاضبة. ولهذا اختارت بريطانيا أن ترد لا ببلاغة تقابل البلاغة، بل بخطط مضادة تتستر وراء شعارات “الموضوعية” و”الحياد”، بينما كانت في جوهرها أدوات دعائية استعمارية.

في مايو 1958، صعّد روي ويلينسكي، زعيم اتحاد إفريقيا الوسطى (الذي جمع روديسيا الشمالية والجنوبية ونياسالاند)، ضغوطه على هارولد ماكميلان، مطالباً بميثاق دفاعي ضد ما سمّاه “التوسع الشيوعي”. لكنه في الحقيقة كان يستثمر فزع بريطانيا من صعود القاهرة كصوتٍ ثوري، محذّراً من أن الصومال قد تقع تحت “الهيمنة المصرية / السوفيتية” وأن domino effect  (تأثير الدومينو) سيجر باقي الدول الإفريقية إلى معسكر التحرر. هكذا رُوّج لفكرة إنشاء حلف دفاعي إفريقي على غرار منظمة  SEATO لكن جوهره كان سد الطريق أمام المد القاهري- العربي الثوري.

هنا برزت مسألة إذاعة القاهرة بوصفها “الخطر الأخطر”. ورغم أن بريطانيا كانت موقّعة على قرارات الأمم المتحدة التي تحظر التشويش، لجأت هي وواشنطن سراً إلى تقنيات التشويش على البث. ومع ذلك، سرعان ما اكتشفت لندن أن كلفة تعطيل بث القاهرة وحدها ستصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات سنوياً بحلول 1959، خاصة إذا عززت الإذاعة قوتها وأوسعت نطاق تردداتها. كان ذلك يعني أن القاهرة، بصوتها الموجه إلى إفريقيا، قد أرهقت الإمبراطورية أكثر من أي بندقية.

وبدلاً من الغرق في معركة تقنية خاسرة، اتجهت بريطانيا إلى الدعاية المضادة. فقد خلص خبراء وايتهول منذ 1957 إلى أن أفضل رد على إذاعة القاهرة هو بث برامج “خفيفة” مزيج من الأخبار والتسلية، تُغلّف السم الاستعماري بعسل الترفيه. وبعد هزيمة العدوان الثلاثي، سارعت وزارة المستعمرات لإطلاق خدمة بي بي سي بالسواحلية عام 1958 لتكون “الرد الحضاري” على ما وصفوه بـ “البث التخريبي من القاهرة”.

وفي أواخر 1958، دشّن قسم البحوث الإعلامية بوزارة الخارجية مشروعاً سرّياً باسم Transmission X: تعليقات سياسية يومية بلا توقيع، تُرسل خلال 48 ساعة إلى عشرات الدول الإفريقية، ليقوم ضباط المعلومات البريطانيون بتوزيعها في الصحف والإذاعات المحلية. لكنها غالباً ما كانت نصوصاً باردة، بعيدة عن قضايا الشعوب الإفريقية، وأقل تأثيراً بمراحل أمام صوت القاهرة الحار الملتهب.

هذا الفشل لم يُخفَ على حكام المستعمرات أنفسهم. فقد طالب ريتشارد ترنبل، حاكم تنجانيقا، في أواخر الخمسينيات بأن يتبنى مكتب المعلومات في لندن موقفاً أكثر “حزماً” في مواجهة “تيار التشهير المستمر من القاهرة”. لكن تلك المطالب بقيت بلا جدوى؛ إذ لم تستطع بريطانيا أن توقف نزيف هيبتها أمام خطاب إذاعة القاهرة.

ومع بداية الستينيات، كانت موازين القوى قد تغيرت. صعود حركات التحرر، وانطلاق موجات الاستقلال، جعلت إذاعة القاهرة تتحول من “كابوس استعماري” إلى مجرد صوت ثانوي في حسابات لندن. لكن الحقيقة التي لا ينكرها التاريخ هي أن صوت القاهرة، ولو لفترة وجيزة، أرعب الإمبراطورية وفضح هشاشتها أمام شعوب إفريقيا.

المصادر والقراءات:

1. Brennan, James Robert. Radio Cairo and the Decolonization of East Africa, 1953–1964.

2. Lynch, Marc. The Voice of the Arabs: The Radio Station That Brought Down Colonialism.

3. Hourani, Albert. Whose Voice? Nasser, the Arabs, and ‘Sawt al-Arab’ Radio.

4. Brennan, James Robert. Radio and the Art of Political Invective in East Africa, 1940–1965.

5. New Lines Magazine. Radio Cairo and Egypt’s Battle for East Africa.

6. Oxford Research Encyclopedia of Politics. Radio as a Political Medium in Africa.

7. Stanford University Press. The Politics of Melodrama: Introduction.

8. Anonymous. Voice of the Arabs Radio Service Speaks: Theorizing an Occidental Interpretation.

Author

  • كريبسو ديالو

    مترجم وباحث في العلوم السياسية المتعلقة بالشأن الأفريقي. كاتب في العديد من المجلات والصحف الأفريقية. شارك في طبعات مترجمة باللغة العربية والإنجليزية في عدة مراكز بحثية بأفريقيا

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

مئة عام.. وعام… الحزب الشيوعي السوري الموحد في ذكرى تأسيسه يتابع نضاله من أجل الوطن.. والشعب

مئة عام.. وعام مرّت على تأسيس الحزب الشيوعي السوري، حزب الوطن.. حزب العمال والفلاحين.. حزب الجلاء والاستقلال.. والخبز والدفاع عن طموحات الشعب السوري بوطن حرّ ديمقراطي علماني.. وشعب سعيد