تحية إلى أحمد فؤاد نجم في ذكرى رحيله:” يا فلسطينية والثورة هيَّ الأكيدة بالبندقية نفرض حياتنا الجديدة”

-+=

الشاعر الثوري أحمد فؤاد نجم حوّل الكلمة… الشعر… إلى أداة من أدوات النضال ضد الاستغلال والاستبداد… ومقاومة العدو الصهيوني… أنزلها من أبراجها العاجية لتحكي بلهجة الناس العامية همومهم وطموحاتهم وثورتهم… لتكون لسان حال المناضلين الثوريين من أجل التغيير والاستقلال والتحرر الوطني والمقاومين ضد الاحتلال… 

الفاجومي وبداية رحلته الشعرية

ولد أحمد فؤاد نجم في 22 أيَّار/ مايو العام 1929 في محافظة الشرقية في دلتا مصر، عاش حياة من الفقر ومقاومته.. وأدخل إلى ملجأ الأيتام في الزقازيق بقي فيه من سنة 1936 إلى 1945، خرج منه وهو في سن السادسة عشر ليبدأ مسيرة الكفاح من أجل تأمين متطلبات الحياة حيث عمل في العديد من المهن… وعلى الرغم من شظف الحياة وصعوباتها علَّم نفسه القراءة والكتابة.

عمل في معسكرات جيش الاحتلال الانكليزي، وفي نهاية العام 1951 ترك العمل فيها مع آلاف العمال المصريين الذين استجابوا لنداء حكومة “الوفد” وتركوا عملهم فيها لإجبار المحتلين على الرحيل عن أرض مصر بعد أن ألغت الحكومة معاهدة العام 1936، شارك في مظاهرة للطبقة العاملة المصرية ضد الاحتلال البريطاني. عن تلك المرحلة التي عمل فيها في مجموعة من معسكرات الاحتلال في منطقة القنال قال أحمد فؤاد نجم بأن أهم محطة فيها كانت في مدينة الاسماعيلية حيث أظهر مقاومة الشعب المصري للاحتلال الانكليزي يقول “سكنت شارع الفن الشهير وشفت بعيني الأطفال وهما بيخطفوا سلاح العسكر لنجليز فى عز النهار! كان العيل يضرب النحلة أم قطان فى الأرض تنزل دايرة وبعدين يشقطها على كف إيده ويشقطها للعسكرى الإنجليزى على كفه وهي دايره برضه ويقول له

تعرف تعمل كده،

العسكرى يركن سلاحه ويمسك النحلة يلف القطان عليها ويضربها فى الأرض ممكن ينجح وممكن يفشل وفي الحالتين يعاود المحاولة باطمئنان وفجأة وأثناء انهماكه فى لف القطان على النحلة يختفى العيل ومعاه سلاح العسكرى… (…) وأثناء حصار قوات البوليس المصرى داخل مبنى المحافظة وقفوا ولاد شارع الفن وقفة فرسان وبقوا يهربوا الأكل والشرب والأسلحة والذخيرة للمحاصرين… ودى صفحة سرية مجيدة من تاريخ كفاح الشعب المصرى الخالد ضد الاحتلال” (أحمد فؤاد نجم، الفاجومي، السيرة الذاتية الكاملة، دار الأحمدى للنشر، القاهرة، ص. 162).

أحمد فؤاد نجم لم يساوم.. سليط اللسان.. صلب الموقف ضد الاستغلال والقمع والظلم. متجذر في مقاومة الاحتلال… يرفض الخنوع والهزيمة.. سجن في العديد من السجون المصرية. وكان ديوان شعره الأول “صور من الحياة والسجن” قد كتبه في سجن “قره ميدان”، يقول أحمد فؤاد نجم إنه من الزنزانة رقم 3 بدأت رحلته الشعرية الطويلة. كتاب يتضمن مجموعة قصائد باللهجة العامية، طبع قبل خروجه من السجن عام 1962، كتبت مقدمته الكاتبة المصرية سهير القلماوي. 

يقول أحمد فؤاد نجم عن اللقب الذي أطلقه على نفسه “الفاجومي” إنه لقب “يستخدم في العامية المصرية للدلالة على الشخص المندفع الذي يقول ما يريد بسهولة ودون خوف”، وكتب عن لقبه “أنا الفاجومي.. مواطن غلبان.. شايل في قلبه وطن… الاسم: أحمد فؤاد نجم.. المهنة: شاعر..”. 

وقال الشاعر الفرنسي الشهير لويس أراغون عن أحمد فؤاد نجم “إن فيه ثورة تسقط الأسوار”، تسقطها لأنها ولدت من طمي الأرض من عرق العمّال والفلاحين والمثقفين الثوريين المقاومين للظلم والاحتلال.

“مجلس قيادة السطوح”

بقي أحمد فؤاد نجم وفياً لطبقته بالرغم من شهرته التي تجاوزت مصر نحو العالم العربي، وكانت غرفة “مجلس قيادة السطوح” مكان سكنه في أحد أحياء القاهرة الفقيرة، حوش قدم، مع رفيقه الشيخ إمام، ملتقى للمثقفين والمناضلين الوطنيين واليساريين، وقد سار أحمد فؤاد نجم مع الشيخ إمام، على مبدأ الوفاء للفقراء وحمل قضيتهم وقضية التحرر الوطني ضد الظلم والاحتلال وعدم تحويل أعمالهما إلى سلعة تجارية. 

كتب صلاح عيسى في تقديمه لكتاب أحمد فؤاد نجم “الفاجومي”، “كان آخر ما يمكن ان نتصوره، هو أن يكون هذا الشاعر الصعلوك هو صوت الغضب القادم، وأن تكون تلك الغرفة الفقيرة العاطلة عن الجمال والجلال هي مجمع احزاننا المستجدة وبئر أحلامنا العميقة.. مع أنها – مكاناً وسكناً – تكاد تخلو من كل المؤهلات التقليدية التي تجعلها صالحة لذلك” (أحمد فؤاد نجم، الفاجومي، السيرة الذاتية الكاملة، مصدر سابق، ص.14).

لقاء الشعر.. واللحن.. والصوت

“أنا أتوب عن حبك أنا” 

1962 كان عام لقاء أحمد فؤاد نجم مع الشيخ إمام، نجم سأل إمام خلال اللقاء لماذا توقفت عن التلحين، أجابه إمام لم أجد القصيدة التي تستحق التلحين وكانت “أنا أتوب عن حبك أنا” أول قصيدة لأحمد فؤاد نجم يلحنها الشيخ إمام ويغنيها.. وبدأت مسيرتهما في عالم التحام الشعر مع اللحن والصوت الشجي… مسيرة في مواجهة دعوات “الفن للفن”. أحمد فؤاد نجم يكتب القصيدة في الصباح والشيخ إمام يلحنها ويغنيها في الظهيرة. إنه التلاحم الرفاقي بين الشعر واللحن والصوت. معاً اخترقا الأسوار وحلقا فوق قضبان السجون ثنائي صوت الفقراء، الطبقة العاملة ضد الظلم والاستغلال، صوت الثائرين.. صوت مقاومة العدو الصهيوني… بعد عام 1967، عام “النكسة”، ظهر في عالم الأغنية والشعر كلمة التمرد وصوته المُلحن ظاهرة نجم / إمام التي دخلت إلى البيوت والمقاهي واخترقت الحدود لتصل إلى العالم العربي.  كتب الفاجومي قصيدة “الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا” انتقد فيها “نكسة” 1967. وبسبب الكلمة المتمردة على القمع الملحنة والمغناة الرافضة للهزيمة والقهر، تعرضا للسجن والاعتقال لمرات عديدة وأصبحا أول فنانَين يسجنان بسبب القصيدة والأغنية. 

من السجن خرجت معظم قصائد الفاجومي

“شيد قصورك على المزارع”

لم يستطع السجن والاعتقال من منع قصائد أحمد فؤاد نجم من الوصول إلى الجماهير ولا منع صوت الشيخ إمام من الانتشار على لسان الناس في مصر وخارجها، فقد خرجت معظم قصائد أحمد فؤاد نجم من السجن كما لحن معظمها رفيق دربه في النضال والاعتقال الشيخ إمام. أخرجها من الاعتقال وظلماته إلى الهواء الطلق المساجين الذين أطلق سراحهم وحفظوا كلماتها عن ظهر قلب.

من القصائد التي ألهبت الجماهير وحملت النقد الطبقي – الاجتماعي ضد الطبقة الحاكمة قصيدة “شيد قصورك على المزارع” التي كتبها الفاجومي في معتقل القناطر عام 1973 ولحنها وغناها رفيقه الشيخ إمام الذي كان في المعتقل نفسه.  

شيد قصورك ع المزارع 

من كدنا وعمل إيدينا والخمارات جنب المصانع

 والسجن مطرح الجنينة واطلق كلابك في الشوارع

 واقفل زنازينك علينا وقِلّ نومنا في المضاجع

 أدي احنا نمنا ما اشتهينا.

“شرفت يا نيكسون بابا”

ما أن يطلق سراح الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام حتى يعودا إلى الاعتقال والسجن، لأن سنوات الاعتقال لم تنلْ من عزيمتهما ولأنهما صوت المستَغَلين ضد الظلم فيكتب الفاجومي قصيدة ويلحنها الشيخ إمام ويغنيها… تغضب السلطة وتعيدهما إلى السجن، ومن القصائد التي أرجعتهما إلى السجن قصيدة “رجعوا التلامذة”، فقد شهدت مصر في كانون الثاني/ يناير العام 1972 تظاهرات طلابية دعت إلى الحرب ضد الكيان الصهيوني لتحرير الأرض، وقصيدة “مصر يا بهية” وغيرهما من القصائد. 

في العام 1974 زار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون مصر، وكانت قصيدة أحمد فؤاد “شرفت يا نيكسون بابا” (القاهرة 1974)، التي رفض فيها الترحيب برئيس رأس حربة الإمبريالية العالمية نيكسون والاحتفاء به لحنها الشيخ إمام وغناها… فتم اعتقالهما بسببها. من كلماتها: 

شرفت يا نكسون بابا

يا بتاع الووتر جيت

عملولك قيمه وسيما

سلاطين الفول والزيت

كتب أحمد فؤاد نجم قصيدة “الفول والطعمية”، “وهما مين واحنا مين”، أظهر فيها طبيعة السياسات الاقتصادية – الاجتماعية المتبعة لزيادة إفقار الفقراء وتجويع الشعب، في المقابل يزداد الأثرياء ثراء وهي قصيدة كان لها دورها الكبير في انتفاضة الخبز 19 كانون الثاني / يناير العام 1977 ضد السياسات الاقتصادية – الاجتماعية التي رفعت سعر الخبز بنسبة 50% والسكر 25% وغيرها من السلع الأساسية تنفيذاً لوصفات صندوق الدولي التي تحمِّل الفقراء أعباء خروج النظام الرأسمالي من أزماته البنيوية وتنقض على حقوق العمال والفلاحين وأصحاب الدخل المحدود، وتكرس التبعية للنظام الرأسمالي العالمي. وقد تعرضت الانتفاضة إلى حملة اعتقالات واسعة في صفوف المتظاهرين.

وفي قصيدة “بيان هام” (1976) عرّى الفاجومي دعوات السلام مع العدو الصهيوني، ألقى نجم القصيدة جامعة عين شمس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1977 وبسبب طريقة إلقاء القصيدة حكم عليه بالسجن.

“جيفارا مات”

 و” شوف عندك يا سلاملم”

في العام 1968 كتب أحمد فؤاد نجم قصيدة ” جيفارا مات” تحية للثائر الأممي أرنستو تشي جيفارا رمز النضال ضد الامبريالية ولحنها وغناها الشيخ إمام. الثائر الأممي جيفارا أسر في بوليفيا وهو يقاتل من أجل التحرير والتحرر الوطني وأعدم في 9 تشرين الأول/ أكتوبر العام 1967. في قصيدته أبرز أحمد فؤاد نجم مفهوم النضال الحقيقي ورموزه الخالدة في ضمير المناضلين والمثقفين الثوريين، وهي قصيدة توضح أن قصائد أحمد فؤاد نجم لا تقتصر على انتقاد السلطة وسياساتها، بل أنه يكتب، أيضاً، للثوار ضد الاستغلال والمشاريع الإمبريالية، ومن خلال قصيدته فاجم الفاجومي دعاة النضال بالكلام فقط بانتقاده للمثقفين الخاضعين. 

“جيفارا مات”

مات المناضل المثال

يا ميت خسارة عَ الرجال

مات الجدع فوق مدفعه جوّه الغابات

جسّد نضاله بمصرعه

ومن سُكات

لا طبالين يفرقعوا

ولا اعلانات

ما رأيكم دام عزكم

يا انتيكات

يا غرقانين

فِ المأكولات والملبوسات

يا دفيانين

ومولعين الدفايات

يا محفلطين

يا ملمّعين يا جيمسنات

يا بتوع نضال آخر زمن

فى العوامات

ما رأيكم دام عزّكم

وانتقد أحمد فؤاد نجم جائزة “نوبل” التي منحت المجرم الصهيوني مناحيم بيغن جائزة السلام، من كلمات القصيدة: 

شوف عندك يا سلاملم

واتفرج يا سلاملم

اتفرج يا سلام

على شقلب يا سلام

لنا محانم جيبن يادخ

زايجة لوبن

يعنى مناحم بيجن

ياخد جايزة نوبل

تبقى النوديا يعنى الدنيا

ماشيه بتحدف بالمندار

يبقى الشهر اتناشر ساعه

يبقى اليوم ليلتين ونهار

يبقى القاتل شخص ضحية

والمقتول مجرم جبار

شفتوا ازاى ؟

أحمد فؤاد نجم (الفاجومي)، صاحب قصائد ألم الناس وانتقاد الاستبداد والظلم وتكريس الفوارق الطبقية، من الصعوبة الإلمام بكل نتاجه.. فكلمات قصائده تحفر عميقاً في وجدان شعوب العالم المناضلة ضد الإمبريالية والاحتلال… وتبقى قصائده ملهمة للثوار والمقاومين لتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني… نردد كلمات قصيدته: “الخط ده خطّي”

الخط ده خطّي .. و الكلمة دي ليَّ

غطّي الورق غطّي .. بالدمع يا عينيّ

شط الزتون شطّي .. و الأرض عربية

نسايمها أنفاسي .. و ترابها من ناسي

وإن كنت أنا ناسي .. ما حتنسانيش هيّ

الخط ده خطّي .. و الكلمة دي ليَّ

لاكتب على عيني .. يحرم عليكي النوم

واحبس ضيا عيني .. بدموعي طول اليوم

قبل الوفا بديني .. زَي الصلا و الصوم

ده الدين في عُرف الحر .. هم و مذلة و مر

وشجون تصون وتجر.. أحزان مخبِيَّة

الخط ده خطّي .. و الكلمة دي ليَّ

وكلمات قصيدته  “يا فلسطينية”: 

يا فلسطينية والبندقاني رماكو ..

بالصهيونية تقتل حمامكو فِ حماكو

يا فلسطينية وأنا بدي أسافر حداكو

ناري بإيديا وإيديا تنزل معاكو

على راس الحية وتموت شريعة هولاكو

يا فلسطينية والغربة طالت كفايا

والصحرا أنّت من اللاجئين والضحايا

والأرض حنّت للفلاحين والسِقايا

والثورة غاية والنصر أول خطاكو

يا فلسطينية والثورة هيَّ الأكيدة

بالبندقية  نفرض حياتنا الجديدة

والسكة مهما طالت وبانت بعيدة

مد الخطاوي هو اللي  يسعف  معاكو

يا فلسطينية فيتنام عليكو البشارة

بالنصر طالعة من تحت مية ألف غارة

والشمعة والعة  الامر كان بالخسارة

راجعين حيارى عقبال ما يحصل حداكو

توفي أحمد فؤاد نجم “الفاجومي” في 3 ديسمبر العام 2013 فإليه تحية حمراء ووردة.. 

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

مئة عام.. وعام… الحزب الشيوعي السوري الموحد في ذكرى تأسيسه يتابع نضاله من أجل الوطن.. والشعب

مئة عام.. وعام مرّت على تأسيس الحزب الشيوعي السوري، حزب الوطن.. حزب العمال والفلاحين.. حزب الجلاء والاستقلال.. والخبز والدفاع عن طموحات الشعب السوري بوطن حرّ ديمقراطي علماني.. وشعب سعيد

بيان من كتّاب وصحفيين من الكويت في ذكرى عملية طوفان الأقصى يدين جرائم الاحتلال الصهيوني ويؤكد مواصلة الرسالة الإعلامية لكشف جرائم العدو

بمناسبة مرور عامين على عملية طوفان الأقصى البطولية، في السابع من أكتوبر عام 2023، أكد كتاب وصحفيون في دولة الكويت، في بيان صادر عنهم إدانتهم