لا للحروب العدوانية

-+=

فيما تشتعل مجدداً نيران الحرب في منطقتنا، يصبح من الضرورة بمكان وضع هذه الحرب في سياقها الواقعي والتاريخي من حيث الدوافع والأبعاد والتداعيات، وعدم الانخداع بمحاولات التضليل الإعلامي والإيهام النفسي والتوصيف الأخلاقي المتكاذب لتصويرها على خلاف حقيقتها. 

ونحن، وإن كنا بشكل عام نقف ضد الحروب كوسيلة لحل الخلافات الدولية والإقليمية وبين الدول، وذلك لما تنطوي عليه من مخاطر وخسائر ودمار ومآسٍ إنسانية وتهديدات وتوترات تعصف بالسلم العالمي… إلا أنّ الحروب بالنسبة لنا لا تخضع لقاعدة جامدة من حيث الأسباب والدوافع والأبعاد والتداعيات، فهناك حروب عدوانية، وهي بالتأكيد حروب ظالمة وغير عادلة نرفضها وندينها… وهناك في المقابل حروب عادلة… والفوارق بينهما ليست فروقاً أخلاقية، ولا يحددها ما يسمى “مبادئ القانون الدولي” ونصوصه الجامدة، وإنما هي فروق يحددها الواقع وصراعاته وتناقضاته من حيث الطبيعة الطبقية للأنظمة السياسية المشاركة في الحروب وتوجهاتها وتحالفاتها وأهدافها، بالإضافة إلى أسباب النزاع والعوامل التي أشعلت الحرب وخلفياتها التاريخية.

فالحرب العالمية الأولى بين ١٩١٤و١٩١٨ كانت على سبيل المثال حرباً غير عادلة نشبت بين الضواري الإمبريالية لاقتسام وإعادة اقتسام العالم، وكذلك كان شأن الحرب العالمية الثانية في بداياتها، ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة للاتحاد السوفياتي، الذي خاض حرباً عادلة بعد عدوان ألمانيا النازية واحتلالها الأراضي السوفياتية في ١٩٤١ بحيث تغيّرت طبيعة تلك الحرب عقب تشكيل التحالف العالمي المناهض للنازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية… والأمر ذاته نراه كذلك على سبيل المثال في العدوان الثلاثي، الذي شنّه العدو الصهيوني والإمبرياليتان البريطانية والفرنسية على مصر في العام ١٩٥٦ بعد تأميمها “قناة السويس”، ولكن تلك الحرب كانت في المقابل حرباً عادلة لمقاومة العدوان بالنسبة لمصر وشعبها، وهذا ما ينطبق أيضاً على الحرب الفيتنامية، التي كانت حرباً عدوانية ظالمة شنّها الإمبرياليون الأميركان، فيما هي حرب تحرير وطني عادلة أطلقها الشعب الفيتنامي في جمهورية فيتنام الديمقراطية بالشمال وجبهة التحرير الوطني بالجنوب.

ومن جانب آخر علينا ألا نتجاهل حقيقة أنّ الصهيونية ذات طبيعة عدوانية عنصرية توسعية متأصلة، وكذلك هي طبيعة الدول الإمبريالية، التي تشنّ الحروب العدوانية للاستحواذ على ثروات الشعوب ولبسط هيمنتها عليها وإخضاعها، ولمحاربة حركات التحرر الوطني، ناهيك عن أنّ إشعال الحروب والإنفاق العسكري وإنتاج آلات الحرب تمثّل أبرز وسائل النظام الرأسمالي الإمبريالي لتصريف أزماته ولحسم التنافس بين القوى الإمبريالية ولتقسيم وإعادة تقسيم العالم ولتحقيق ما يسمى “التراكم عبر الهدر”.

ومن هنا فإنّ ما نشهده اليوم من تصاعد النزعة الإمبريالية نحو الحرب والعسكرة لا يمثّل استثناءً عابراً، وإنما هو جزء بنيوي من الرأسمالية الاحتكارية في طور أزمتها، ذلك أنّ الرأسمالية لا تستقر إلا في الحرب، ولا تتجدد إلا عبر تفجير النزاعات وإثارة الصراعات وشنّ الحروب، فالمجمع الصناعي العسكري، بتحالفه العضوي مع رأس المال المالي، لا يرى في النزاعات سوى فرصاً لإعادة توزيع النفوذ والأسواق والثروات… أما ما يحدث من تهدئة وقتية وتسويات جزئية في بعض الجبهات الحربية، التي أشعلتها الإمبريالية فهي لا تعدو كونها تكتيكات وترتيبات مؤقتة اضطرت لها الإمبريالية، وليست تبدلاً في نزعتها نحو الحرب والعسكرة.

واستناداً إلى ما سبق، فإنّ ما يجري في منطقتنا هذه الأيام يمثّل تصعيداً خطيراً لا يهدد أمن المنطقة واستقرارها فحسب، وإنما هو تصعيد ينذر بتوسيع رقعة الصراع، ويضع الأمن والسلم الدوليين أمام تحدٍّ حقيقي، خصوصاً في ظل تهلهل المنظومة الدولية والانهيار التام لما كان يسمى النظام العالمي ومؤسساته، والاستهتار الصارخ بمواثيقه وقوانينه وقيمه.

ولا بد هنا كذلك من التحذير من مخاطر تحوّل هذه الحرب إلى بؤرة توتر وخراب ودمار وقتل ممتدة ومتسعة لتكريس الهيمنة الصهيونية على المنطقة ولفرض التبعية والخضوع على شعوبها ولمواصلة نهب مواردها والسيطرة على مقدراتها وإعادة تشكيل منطقتنا بما يخدم المصالح والمخططات الإمبريالية.  

وهنا الانتباه بوضوح إلى نقطة هامة وهي إدانتنا الاعتداءات والهجمات، التي تعرّضت لها الكويت عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة سواءً من إيران أو أي جهة… كما أننا بالتأكيد نرفض تحويل بلادنا إلى ساحة حرب وميدان للقتال وتصفية الحسابات.

وعلينا الحرص على منع جر بلداننا لهذه الحرب وعدم الإنزلاق فيها، ما يتطلب توحيد الصفوف واتخاذ مواقف جدية وملموسة لوقف هذه الحرب، وإعادة النظر في استراتيجيات الدفاع الوطني وعدم الاعتماد على الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة الذي ثبت خطر وخطأ التعويل عليه، وذلك بالشروع بتعزيز وتنويع تسليح جيوشنا والعمل على تطوير برامج صناعية للمسيرات والصواريخ لبناء جيوش نوعية ذات كفاءة واقتدار في تسليحها وجاهزيتها وتعتمد على الجمع بين آليات التطوع والتجنيد الإلزامي، وتعبئة قوات الاحتياط واشراك الشعب في منظومة الدفاع عن الوطن.

وفي الختام، فإننا في هذا الظرف الدقيق والحرج نتوجّه بالدعوة إلى شعبنا الكويتي للتمسك بوحدته الوطنية وللتصدي بحزم لمحاولات استثارة النعرات والانقسامات الطائفية، وضرورة التحلي بأعلى درجات اليقظة والوعي الوطني.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

حالة قلق كويتية !

مثلما يُصاب الأفراد بالقلق، فإنّ المجتمع يمكن أن يعاني أيضاً من حالة قلق عامة…قلق جماعي أو قلق مجتمعي يتشكّل كظاهرة نفسية – اجتماعية واسعة تترك

سنتان … نراكم الوعي بالأمل والعمل

تميّزت «تقدُّم» خلال السنتين المنصرمتين من عمرها بأنها صحافة رأي ونقد وتحليل وتفكيك للواقع المتناقض ومحاولة لإعادة تركيبه

فنزويلا وكولومبيا تستحقان التضامن

شهدت الأسابيع الماضية تصعيداً إمبريالياً أميركياً خطيراً موجّهاً ضد جمهورية فنزويلا البوليفارية وضد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، اللذين لم يكن صدفة أنهما من أبرز المتضامنين