
غسان كنفاني: الذات المتعددة على جبهة الوعي
غسان كنفاني الشهيد من صنف أصحاب الذات المتعددة ليس بوسعهم أن يموتوا؛ فهم لا يرحلون عنا بل يرحلون إلينا، يسكنون وعينا وذاكرتنا، ويتكاثرون في المعرفة
الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس هو أحد أشهر شعراء العصر العباسي، تميز بفصاحته اللغوية قال عنه الجاحظ: “ما رأيت رجلاً أعلم باللغة من أبي نواس، ولا أفصح لهجةً”. ويُعد من المجددين في أساليب الشعر، كما تميز بتنويع موضوعات الشعر الذي نظمه وخروجه على التقاليد الشعرية القديمة.
أبو نواس من بين الشخصيات الأدبية في تراثنا العربي – الإسلامي التي كتب عنها الشهيد حسين مروه ضمن مجموعة من المقالات والأبحاث تناول فيها بالدراسة والتحليل جوانب أدبية وفلسفية ومنهجية في تراثنا لدى مجموعة من الشعراء والفلاسفة والعلماء، جمعها في كتابه بعنوان ” تراثنا.. كيف نعرفه” الصادر من مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت. وهي بالأساس مواد كتبها حسين مروه لمجلتَي “الثقافة الوطنية” و”الطريق” من عام ١٩٥٥ حتى عام ١٩٨٠.
كتب حسين مروه عن أبي نواس دراسات ومقالات حلل فيها جوانب رئيسة من نتاجه وارتباطه بالواقع الاجتماعي الذي وجد فيه، عناوينها: “أبو نوّاس.. والشعوبية“، “ نظرية النقد الأدبي خمريات أبي نؤاس بين التحليل «الفرويدي» والواقعية الجديدة“، “ظاهرات فنية في شعر أبي نواس“، وهي مجموعة في كتابه ” تراثنا.. كيف نعرفه” سابق الذكر.
في سياق الإضاءة على جوانب من نتاج فلاسفة وشعراء في تراثنا، في ضوء منهجية تبرز ما هو محجوب في نتاجهم وتعطي قراءة شاملة عنه وارتباطه بالواقع المادي الذي وجدوا فيه وتطوره ومدى تأثيره عليهم، تنشر منصة “ تقدُّم “ بعض ما كتبه الشهيد حسين مروه عن أبي نواس في دراسته:” نظرية النقد الأدبي خمريات أبي نؤاس بين التحليل «الفرويدي» والواقعية الجديدة” المبحث المتعلق بشخصية أبي نواس، لابراز الارتباط بين نتاجه والبيئة التي وجد فيها وتعبيره عنها في شعره. ولكن قبل ذلك هناك مسألة منهجية مركزية أضاء عليها حسين مروه محورها النقلة النوعية التي قام بها في دراسته للتراث العربي – الإسلامي وتطور فكره التي تمثلت في كتابه “النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية“، حيث يُبرز ميزة المنهج المادي العلمي في قراءة التراث والتعامل معه، وبماذا يتميز عن المدرسة الواقعية الجديدة الذي في ضوئه كَتَبَ حسين مروه، في تلك المرحلة من نتاجه، عن شخصيات تراثية وجوانب من تراثنا الثقافي العربي، ويحدّد حسين مروه، منهجياً، أنه “وكان من أخطاء هذه التجربة (…) أنها كانت تبالغ، أكثر الأحيان، بأثر العامل الذاتي المحض في تكوين الطابع الفكري أو الأدبي عند المفكر أو الأديب، في حين هي تَغفل عن أثر العامل الاجتماعي الذي هو الأصل في توجيه الفكر والمواهب الشخصية، كما تقول المدرسة الواقعية الجديدة التي كانت تجربتنا هذه تحاول أن تسير في ضوئها” ( مروه حسين، تراثنا.. كيف نعرفه، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط ١٩٨٦، ص. ١١). ومن ثم ما مثله عمله في مرحلة لاحقة، مرحلة قراءته للتراث وبحثه في ضوء المنهج المادي العلمي، من “الإصرار على مَنْهَجةِ التعامل مع التراث على أساس من الفكر المادي، حافزاً آخر لتجذير العلاقة مع المنهج في كلا حقليه: النظري والتطبيقي” (المرجع نفسه ص. ٦). يكمل حسين مروه في إظهاره لتلك المسألة المنهجية وموقع فصول كتاب “تراثنا.. كيف نعرفه” في مسيرة بحثه التي توجت في كتابه “النزعات المادية...” عن ذلك يقول “لهذه الفصول إذن، موقعُها شبه الحاسم في مسيرة البحث هذه، وهو موقع «التَّحضير»، منهجياً وتطبيقياً، لتلك النقلة النوعية في وجهة التعامل مع التراث: من كونها وجهةَ تعاملٍ جزئي أو تجزيئي، إلى كونها وجهة تعاملٍ كلّي أو شمولي.
هذا الموقع نفسه، هو ما يضفي على فصول الكتاب علاقة التماسك في ما بينها أولاً، ثم علاقة التماسك بينها وبين ما سبقها وما لحقها من كتابات تحمل مني همَّ البحث الجادِّ الدَّؤوب عن معرفة للتراث تقوم على الفكر العلمي، لا على الفكر الغيبي، أي تقوم على النظر إلى التراث في واقعيته، أي في تاريخيته، أي في كونه واقعاً تاريخياً تكوَّن وتطور وتَمظْهَر بفعل قوانين واقعية، مادية، موضوعية، وكونيّة، ضمن قوانين «الخصوصية» التاريخية للمجتمع المعَّين الذي ينتسب إليه”(المرجع نفسه، والصفحة نفسها).
يظهر نص حسين مروه ميزة المنهج المادي العلمي وتطور فكره في دراسة التراث ومدى أهمية الفترة السابقة التي ارتكز فيها على المدرسة الواقعية في النقد الأدبي في مسيرة تطوره الفكري.
«شخصية أبي نواس»
أظهر حسين مروه في جانب من مادته بعنوان ” نظرية النقد الأدبي خمريات أبي نؤاس بين التحليل “الفرويدي” والواقعية الجديدة” (١٩٦٣)، التي ناقش فيها محمود عباس العقاد، و د. محمد النويهي، الارتباط بين شخصية أبي نواس والبيئة الموجودة فيها وتأثرها بها، وكيف كان يُعبر عن ذلك في شعره إن سلباً أو ايجاباً، في منهجية مختلفة عن العقاد والنويهي، فقد كتب حسين مروه “فاذا رجعنا الى شخصية أبي نواس، وأخذنا بنظرية النقد الواقعي هذه في دراسة نشاطه الفني، كان لنا أن نرى في شعره، وخمرياته بالخصوص، تأثراً واضحاً بمكتسبات بيئته وعصره، سلباً وايجاباً.. فمن جهة نراه قد اكتسب من انحرافات كانت شائعة في مجتمعه، ومن جهة ثانية تراه قد اكتسب ايضاً من ثقافة هذا المجتمع وتطوره الحضاري، وقد كان هو من كبار مثقفيه، متمثلاً مختلف صنوف ثقافته العلمية والأدبية والفلسفية..
ومن هنا تظهر في شعره كل هذه المكتسبات.. فكانت حاسته الجنسية وحاسته الفنية الجمالية في صراع حاد خلال ذاته وخلال شعره معاً، وكان شعره دائماً تعبيراً عن تجاربه الذاتية وتعبيراً عن تجارب مجتمعه في آن واحد على نحو من التفاعل الطبيعي.. فحيناً كانت تتغلب إحدى الحاستين على الأخرى، فيأتي شعره، في هذه الحال، اما جنسياً مادياً خالياً من المتعة الجمالية الفنية، واما متألقاً بجمالية الفن والمتعة الروحية، كما نرى في بعض شعره الغزلي والوجداني، ولا سيما شعره في جنان التي أحبها بصدق وعافية.. وحيناً آخر تتساوق الحاستان، بل تنسجمان انسجاماً رائعاً، وذلك في معظم خمرياته، فاذا شعره حافل بمباهج الحاسة الجنسية ومباهج الشاعرية، يتزاوج بعضها مع بعض في وحدة متكاملة الأسباب والجوانب..
ولا شك ان الرجل كان يعاني مشكلة عميقة الأثر في سلوكه وسيرته وشعره معاً، ولكن مشكلته لم تكن ذاتية فردية خالصة، فقد كان يدرك، أولاً، مغبة انزلاقاته في انحرافات كانت تشين مكانته في مجتمعه.. وكان يدرك، ثانياً، محنة القلق والمظالم والاضطرابات النازلة في جانب من معاصريه، ولا سيما فئة المثقفين منهم، محنة الانحلال الشائعة في أوساط نافذة من مجتمعه ترافقها ظاهرات متناقضة عجيبة، منها الرياء والنفاق مثلاً..
غير أن أبا نواس كان يعالج المشكلة بالهروب.. بالامعان في متعه، يغرق فيها مشاعر القلق والنفرة والأسى حيناً، ويتحدى بها متناقضات الناس تحدياً صارخاً حيناً آخر..
والهروب في شعره، ليس ظاهرة سلبية دائماً، بل كثيراً ما كان الهروب نفسه دخولاً في صميم المشكلة من حيث لا يقصد..
(…) وتتوضح قيمة هذا الهروب «الإيجابي»، حين نذكر كيف كان مجتمعه يومئذ يعاني محنة الحروب والفتن والاضغان.. فهل تراه هرب من مشكلة العصر الّا وهو ممسك بعنان المشكلة يوسعها تقريعاً، ولكن بهذه الطريقة الطريفة البهيجة اللابسة لبوس العبث في ظاهراته..
ومن هنا، أي من كون أبي نواس كان يحس مع اهل بيئته وعصره محنة البيئة والعصر، ويلمس اطراف المحنة بهذا النحو من اللمس الطريف البهيج «الهروبي»- من هنا احبه اهل بيئته وعصره حباً خالطه الاجلال والعطف كلاهما معاً، ولم يأخذوه بسلوكه المنحرف، كما كان يفعل معه المراؤون المنافقون النافذون فيهم..” (مروه حسين، تراثنا.. كيف نعرفه، مرجع سابق، ص.ص ٢٨٩- ٢٩١).

غسان كنفاني الشهيد من صنف أصحاب الذات المتعددة ليس بوسعهم أن يموتوا؛ فهم لا يرحلون عنا بل يرحلون إلينا، يسكنون وعينا وذاكرتنا، ويتكاثرون في المعرفة

وضعت ثورة يوليو بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر نصب عينيها الاهتمام بتحقيق مصالح الأغلبية من الشعب المصري وعملت على تضييق الفوارق بين الطبقات

لم تكن ثورة 14 تموز/ يوليو حدثاً عابراً أو رد فعل انتقامي أو إرادوي لحفنة من الثوار، بل جاءت كضرورة موضوعية وحاجة ملحة أملتها الظروف الصعبة آنذاك، وهيمنة أقلية حاكمة مستبدة، ربطت العراق بالأحلاف العسكرية والتبعية للاستعمار، وانتهجت سياسة معادية لشعبنا ولشعوب المنطقة

راؤول الرجل الذي أمضى حياته في خدمة فكرة آمن بأنها ستبقى بعده وبعد جيله، لأن قوتها الحقيقية لا تكمن في القادة، بل في الشعب الذي يحملها



