هل نعيش التناقض أم نحلّه؟ .. التنافر المعرفي في المجتمعات العربية

-+=

نحب أن نصف أنفسنا بأننا مجتمعات تتمسك بالقيم. نتحدث عن العدالة، والكرامة، والدين، والأسرة، والهوية، والسيادة، والتعليم، والتقدم. لكن المثير للاهتمام ليس وجود هذه القيم بحد ذاته، بل ما يحدث عندما تتعارض مع واقعنا، أو مع مصالحنا، أو مع أنظمة اجتماعية وسياسية اعتدنا الدفاع عنها… هنا يظهر مفهوم “التنافر المعرفي“.

التنافر المعرفي، في علم النفس، هو حالة من التوتر الداخلي تحدث عندما يحمل الإنسان فكرتين متناقضتين، أو عندما يتعارض سلوكه مع قناعة يؤمن بها. ولأن الاعتراف بهذا التناقض قد يكون مؤلماً، يحاول العقل غالباً تخفيفه بطريقة أو بأخرى: بتغيير السلوك، أو مراجعة الموقف، أو (وهو الأكثر شيوعاً) بإعادة تفسير التناقض حتى يبدو منطقياً.

المدخن الذي يعرف أن التدخين مضر لكنه يستمر فيه قد يقول لنفسه إن “كل شيء مضر في النهاية”، والشخص الذي يرى نفسه عادلاً لكنه يتصرف بظلم قد يعيد تعريف ما فعله بحيث لا يراه ظلماً أصلاً.

لكن ماذا يحدث عندما لا يكون التناقض فردياً فقط؟

ماذا لو أصبحت جماعة كاملة قادرة على إعلان قيمة ما، وفي الوقت نفسه التعايش يومياً مع نقيضها؟

في مجتمعاتنا العربية، يبدو التنافر المعرفي أحياناً أكثر تعقيداً من مجرد ازدواجية أو نفاق. فنحن نعيش داخل شبكة متداخلة من الانتماءات: الدين، والأسرة، والمجتمع، والدولة، والطبقة، والجنس، والتقاليد، والهوية الوطنية، والإرث الاستعماري، والعولمة، والاقتصاد الحديث، وفي أحيان كثيرة، تطلب منا هذه المنظومات أشياء متعارضة.

فنحن نريد أن نكون حداثيين ومحافظين في الوقت نفسه، أحراراً ولكن منضبطين اجتماعياً، ناقدين للسلطة ولكن مطيعين لها، متمسكين بالهوية ومندمجين في العالم، مدافعين عن العدالة ولكن فقط عندما لا تهدد موقعنا داخل النظام، وعندما يصعب حل هذه التناقضات، نتعلم ببساطة كيف نعيش معها.

السياسة: العدالة التي تتغير بتغير موقعنا منها

لعل السياسة من أكثر المجالات التي يظهر فيها هذا التناقض بوضوح، قد يرفض الإنسان القمع عندما يقع على جماعة يتعاطف معها، لكنه يجد المبررات نفسها مقبولة عندما يقع القمع على خصمه السياسي. وقد يطالب بحرية التعبير حين يُمنع صوته، لكنه يرى في إسكات الطرف الآخر “حماية للمجتمع”، نطالب أحياناً بالديمقراطية، لكننا نتردد أمام نتائجها إن منحت السلطة لتيار لا نوافقه. نرفض التدخل الخارجي في شؤون بلداننا، لكن بعضنا يرحب به عندما يخدم موقفاً سياسياً معيناً. ندين ازدواجية المعايير الدولية، بينما نعيد إنتاج ازدواجية مشابهة داخل مجتمعاتنا.

هنا لا يختفي المبدأ….. بل يعاد تعريفه.

فبدل أن نقول: “أنا أؤيد حرية التعبير إلا لمن أختلف معه”، نقول: “هذا ليس رأياً، بل خطر”. وبدل أن نعترف بأن معيار العدالة تغير، نعيد توصيف الخصم بحيث يصبح استثناءً من القاعدة، وهكذا يحافظ الإنسان على صورته الأخلاقية عن نفسه دون أن يضطر إلى مواجهة التناقض فعلياً.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما تدخل الهوية السياسية على الخط. فعندما تصبح الفكرة السياسية جزءاً من تعريف الإنسان لنفسه، فإن الاعتراف بخطئها لا يعود مجرد تغيير رأي، بل قد يبدو كأنه تهديد لهويته كلها، عندها يصبح الدفاع عن الموقف دفاعاً عن الذات.

العادات والتقاليد: حين نخلط بين القديم والسليم (أو الصحيح)

التقاليد أيضاً مساحة خصبة للتنافر المعرفي، نقول إن الإنسان يجب أن يكون مسؤولاً عن حياته، ثم نعاقبه اجتماعياً عندما يختار حياة تختلف عما رسمناه له، نقول لأبنائنا: كن واثقاً بنفسك، فكّر، تعلم، وكن مستقلاً. ثم عندما يبدأ ذلك الطفل بالتفكير فعلاً في الزواج أو المهنة أو أسلوب الحياة أو الدين أو السياسة، قد تتحول الاستقلالية فجأة من فضيلة إلى عصيان، نريد أبناء ناجحين، لكن وفق تعريفنا نحن للنجاح.

نريد بنات قويات، لكن بشرط ألا تتجاوز قوتهن الحدود التي وضعها المجتمع الذكوري، نطالب الشباب بالإبداع، ثم نخشى من كل ما لا يشبه ما عرفناه سابقاً.

المشكلة هنا ليست في وجود التقاليد. فكل مجتمع يحتاج إلى ذاكرة ثقافية وروابط ومعايير مشتركة…. المشكلة تبدأ عندما تصبح قِدَم الفكرة دليلاً على صحتها، أو حين نحاول منح كل عادة شرعية أخلاقية فقط لأنها موروثة… وعندما يصطدم التقليد بقيمة نعلن إيماننا بها (الرحمة، أو العدالة، أو كرامة الفرد، مثلاً) نجد أنفسنا أمام خيارين: إما أن نراجع التقليد ونتخلى عنه، أو أن نعيد تفسير القيمة لتتناسب مع استمرارية هذه العادات.. وغالباً تكون اعادة تفسير القيمة أسهل من مواجهة المجتمع.

الدين: بين الهوية الدينية والأخلاق الدينية

الدين أكثر حساسية وتعقيداً، لأنه لا يمثل مجرد مجموعة أفكار لدى كثير من الناس، بل هو هوية وانتماء وذاكرة وأمان معنوي، ولهذا يمكن أن يظهر التنافر هنا بصورة شديدة الوضوح.

قد يتمسك الإنسان بالهوية الدينية بشدة، لكنه يبرر في حياته اليومية سلوكيات تتعارض مع المبادئ الأخلاقية التي ينسبها إلى الدين نفسه! وقد نبالغ في الاهتمام بالمظاهر التي تؤكد هويتنا أمام الآخرين، بينما نهمل قيماً أكثر صعوبة في التطبيق لأنها تتطلب منا التضحية بمصلحة أو امتياز: العدل، والرحمة، والأمانة، ورفض الظلم، وحفظ كرامة الآخرين.

وحين يظهر التناقض، يصبح الحل أحياناً انتقائياً.

نبحث عن تفسير يريح موقفنا بدل أن نسأل إن كان موقفنا نفسه يحتاج إلى مراجعة..

وقد نقسو باسم حماية الأخلاق، أو نظلم باسم حماية الأسرة، أو نصمت عن فساد لأن مواجهته “تسبب فتنة”، مع أن القيم التي نستدعيها لتبرير الصمت قد تستخدم في سياق آخر للدعوة إلى مقاومة الظلم، وهنا يصبح السؤال مهماً:

هل نستخدم الدين باعتباره معياراً نحاكم به أنفسنا، أم باعتباره لغة تمنح اختياراتنا الحالية شرعية؟

والفارق بين الاثنين كبير.. جدًا.

التنمية: نريد النتائج من دون شروطها

ربما تكون مسألة التنمية من أكثر صور التنافر إثارة للاهتمام في عالمنا العربي.

نريد اقتصادات معرفية، نريد جامعات عالمية، نريد ابتكاراً وتكنولوجيا وذكاءً اصطناعياً وريادة أعمال ومجتمعات منتجة.

لكن ماذا تتطلب هذه الأشياء؟ تتطلب مجتمعاً يسمح بالسؤال. تتطلب التعليم القائم على التفكير لا التلقين. تتطلب مساحة للفشل والتجربة. تتطلب مؤسسات تسمح بالنقد وتصحيح الأخطاء، تتطلب مؤسسات تستثمر في هذه الطاقات الإبداعية والمنتجة.. تتطلب شباباً قادرين على تحدي ما هو قائم، لا مجرد تكراره.

وهنا يظهر التناقض: كيف نطالب بنتائج الحداثة، بينما نقاوم بعض الشروط الفكرية والاجتماعية التي تجعلها ممكنة؟

لا يمكن أن نطلب من الطالب أن يصبح مبتكراً، ثم نعاقبه إذا شكك في إجابة المعلم، ولا يمكن أن نطالب الموظف بالمبادرة، ثم نبني مؤسسة تعتبر السؤال اعتراضاً والإبداع تحدياً أو تهديد… ولا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد إبداعي بينما يُنظر إلى الفن، والكتابة، والبحث، والمهن الجديدة باعتبارها خيارات أقل احتراماً من المسارات التقليدية.

حتى مفهوم “التطور” نفسه يعاني أحياناً من هذا التناقض.

نستورد أحدث الأبراج والهواتف والتطبيقات والمشاريع، فنظن أن ذلك وحده دليل على الحداثة، لكن الحداثة ليست فقط ما نملكه، هي أيضاً الطريقة التي نفكر بها، وكيف نبني المؤسسات، وكيف نتعامل مع المعرفة، وكيف نسمح للإنسان بأن يكون فاعلاً لا مجرد متلقٍ، منتجاً لا مجرد مستهلك.

لماذا نستمر في هذا التناقض؟

لأن الاعتراف به مكلف.

مراجعة فكرة سياسية قد تعني خسارة جماعة ننتمي إليها، ومراجعة تقليد قد تعني صداماً مع الأسرة، ومراجعة فهم ديني قد تثير خوفاً وجودياً، ومراجعة مؤسسة قد تهدد موقعاً أو امتيازاً.

لهذا فإن التناقض ليس دائماً نتيجة جهل، بل قد يكون أحيانًا وسيلة نفسية للبقاء داخل أنظمة يصعب تحديها…

الإنسان يحتاج إلى الشعور بأنه متصالح مع نفسه، ونحن لا نحب أن نرى أنفسنا ظالمين، أو متناقضين، أو خائفين، أو مستفيدين من نظام ننتقده… ولهذا نعيد كتابة القصة.

“الوضع مختلف هنا” – “الناس غير مستعدين” – “هذه ظروف استثنائية” – “هذا جزء من ثقافتنا.” – “الدين يقول ذلك.”- “الأمن أهم الآن” – “لا يمكن تطبيق هذه الفكرة في مجتمعنا” – “والدينا كانوا هكذا” 

وربما تكون بعض هذه العبارات صحيحة أحياناً، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول إلى إجابات جاهزة نستخدمها كلما اقتربنا من منطقة تتطلب منا مراجعة أنفسنا.

من التنافر إلى الوعي

ليست الغاية من الحديث عن التنافر المعرفي اتهام المجتمعات العربية بالنفاق، كل المجتمعات البشرية تعيش تناقضات، وكل إنسان تقريباً يفعل ذلك… السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل عندما نكتشف التناقض؟

هل نحاول فهمه؟ أم ندفنه؟ هل نقبل أن إحدى أفكارنا قد تكون خاطئة؟ هل نستطيع الدفاع عن مبدأ حتى عندما يستفيد منه شخص نختلف معه؟ هل نملك القدرة على مراجعة عادة أحببناها لأنها جزء من ذاكرتنا؟ وهل يمكن أن نفصل بين احترام الدين وبين اعتبار كل فهم بشري للدين غير قابل للنقد؟

ربما تبدأ التنمية الحقيقية من هذه القدرة بالتحديد، ليس من التخلص من الهوية، ولا من رفض التراث، ولا من استيراد نموذج جاهز من الخارج، بل من القدرة على النظر إلى أنفسنا دون خوف.

أن نقول إن لدينا قيماً جميلة، لكن تطبيقنا لها ليس دائماً يتوافق، أن بعض تقاليدنا تستحق الحماية، وبعضها يستحق المراجعة، أن بعض أفكارنا السياسية قد تكون صحيحة في موقف وخاطئة في آخر إذا تغير معيارنا الأخلاقي، وأن المجتمع القادر على الاعتراف بتناقضاته ربما يكون أكثر قوة من المجتمع الذي يقضي حياته في إنكارها.

فالتنافر المعرفي ليس المشكلة بحد ذاته… التناقض جزء طبيعي من كوننا بشراً.

المشكلة تبدأ عندما يتحول التناقض إلى نظام دائم، وتصبح مهمتنا الأساسية ليست إصلاح الواقع، بل اختراع تفسير يسمح لنا بالاستمرار داخله دون شعور بعدم الراحة.

ويبقى السؤال:

هل نعيش التناقض… أم نملك الشجاعة لنحله؟

Author

  • جواهر الرويعي

    فنانة تشكيلية وناشطة بحرينية في مجالات الوعي الاجتماعي والسياسي. تهتم بدمج التكنولوجيا والإعلام الرقمي في الحراك الحقوقي.

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

هايتي: مختبر العقاب الإمبراطوري الحديث

جزيرة هايتي تعتبر المثال الأبرز لمصطلح ”الفناء الخلفي لواشنطن“، لأنها تاريخياً كانت تشكل تهديداً وجودياً منذ عام 1804، حين تأسس أول كيان جمهوري في أميركا

عن السؤال المتكرّر والمسموم: مَن بدأ أوّلاً؟

لا ينبغي أن نجيب عن سؤال “مَن بدأ أوّلاً” بشروطهم. الإجابة عنه أيّاً كانت، هزيمة سابقة لأوانها؛ لأنّها تسليم ضمنيّ بأنّ للتاريخ أن يبدأ حيثما شاءت القوّة أن يبدأ. المطلوب ليس الفوزَ في مسابقةٍ حول نقطة الصفر، بل رفض السؤال ذاته، واستعادة السؤال الحقيقيّ الذي يحاول أن يدفنه: ليس “مَن أطلق الرصاصة الأولى في هذه الجولة؟”، بل “مَن فرض الشرط الذي يجعل الرصاص حتميّاً؟”.

جنوب أفريقيا: كيف أعادت النيوليبرالية إنتاج الأفروفوبيا؟

تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الخطابات إلى وقود لصراعات أهلية ذات طابع عرقي وإقليمي، بما يخدم مصالح النخب الساعية إلى الحفاظ على امتيازاتها. وتقتضي مواجهة هذه النزعات أن يبدأ التنظيم الشعبي من الواقع المادي الذي يعيشه الناس، ومن المشكلات التي تشكل حياتهم اليومية، وهو ما عبر عنه أميلكار كابرال حين أكد أن الجماهير تتحرك انطلاقًا من احتياجاتها المادية لا من الشعارات المجردة

كأس العالم: أفراح وخيبات أمة

أن تحمل آمال أمة وطموحها وفي نفس الوقت تحاول أن تزيل همومها وشقاءها فتلك مهمة عسيرة جداً، هذا ما حاول المنتخب المصري ونظيره المغربي أن