النظام الرأسمالي وأزماته: نشأة الإمبريالية

-+=

الرأسمالية هي نظام اقتصادي اجتماعي سياسي عمره خمسة قرون؛ بدأ منذ القرن الخامس عشر (عصر النهضة)، ثم القرن السادس عشر حتى منتصف القرن السابع عشر (الإصلاح الديني)، ومنذ منتصف القرن السابع عشر وحتى الثورة الفرنسية قرب نهاية القرن الثامن عشر (عصر التنوير). تميزت تلك القرون بإحياء الآداب والعلوم القديمة اليونانية والرومانية، وترجمة ونقل الكثير أيضاً من إضافات العرب العلمية، مع الكتابات اللاتينية. كما تميزت الفترة بالكشوف الجغرافية، باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، ثم باكتشاف قارتي الأميركيتين. كان الفكر التنويري هو الأساس لفكرة الدولة القومية الحديثة، والديمقراطية السياسية، والنظام الانتخابي البرلماني، وفكرة العقد الاجتماعي لروسو. مثلت الثورة الفرنسية قمة تلك المرحلة (١).

تم صنع القرن التاسع عشر على يد فرنسا وإنجلترا ! قدمت فرنسا تطور النظام العسكري والجيوش الحديثة، والنظام القانوني والقضائي، والإصلاح الزراعي أو مختلف أشكال درجات الحد من كبار الملاك الزراعيين وإعطاء حقوق للفلاحين. تجمع أنصار النظام القديم والملكيات الأوروبية على حدود فرنسا لوأد الثورة، فانتفضت فرنسا ضدها، وبرز نجمها نابوليون، ووضع أسس التنظيم العسكري للجيوش الحديثة، وأخضع المناطق التي احتلها، من ألمانيا وأجزاء من إمبراطورية النمسا وإسبانيا وطبق فيها الإصلاحات القانونية والزراعية التي طبقت في فرنسا. رغم هزيمة نابوليون، إلا أن الدول التي انسحب منها، بل والدول التي لم يدخلها، أخذت بالإصلاحات الثورية التي ولدت من الثورة الفرنسية، كوسيلة لبناء دولة حديثة تستطيع التصدي لفرنسا.

كان الأساس الإنتاجي الذي قام عليه النظام الرأسمالي هو الورشة الحرفية manufacture، ولكن إنجلترا قدمت المكون الثاني الذي صنع القرن التاسع عشر: ألا وهو الثورة الصناعية باختراع الآلة البخارية. لم تستخدم الآلة البخارية في إدارة ماكينات المصانع وحدها، بل خلقت ثورة وسائل النقل باختراع السفينة البخارية والقطار. يهمنا هنا توضيح الأساس الاقتصادي الجوهري للرأسمالية، ألا وهو الاقتصاد السلعي. يتفق في هذا كل من ماركس في رأس المال، وكذلك الموسوعة البريطانية! هدف الإنتاج الرأسمالي هو الربح، ولهذا ينتج من أجل السوق، على العكس من الأنظمة السابقة على الرأسمالية، حيث الاقتصاد الطبيعي، الذي اتسم بندرة التجارة الواسعة، واقتصارها على سلع ترف كمالية، مثل حرير الصين وبهار الهند وعاج وأبنوس وأخشاب أفريقيا!.

إذا كان ما سبق يمثل وجهاً تقدمياً للنظام الرأسمالي عما قبله، فلا يجب أن نغفل أن الرأسمالية نظام متناقض يحمل أيضاً الكثير من الشرور للبشرية. تبدأ تلك الشرور بالاستغلال البشع للعمال، وساعات عمل بلا حدود حتى كان أحد مطالب الإضرابات المبكرة قصر ساعات العمل على 10.5 ساعة يومياً فقط! أيضاً من أهم الشرور هي ارتباط الرأسمالية بظاهرة الاستعمار، بحثاً عن أسواق تصريف المنتجات، والحصول على الخامات. أوضح أحد الإنجليز قانون المرحلة: “في البدء نرسل السفن التجارية، ووراءها سفن الحراسة، ثم الجيش والأسطول للاحتلال”. برزت إنجلترا كقوة كبرى منذ القرن السادس عشر والسابع عشر. تدعم هذا باختراع الآلة البخارية، ثم بانتصارها النهائي على أقوى منافسيها، فرنسا، في الحروب النابوليونية عام 1815. ظلت إنجلترا تتسيد المعسكر الرأسمالي العالمي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حينما تسلمت أميركا منها الشارة الإمبريالية!

واجهت الرأسمالية العالمية في عمرها خلال تلك الفترة، نحو 135 عاماً، أربع أزمات رئيسية: كانت الأزمة الأولى هي أزمة “الذعر الكبير” أو “الكساد الطويل” من عام 1873 وحتى منتصف تسعينات القرن 19، وكان الخروج منها ببروز الإمبريالية. الأزمة الثانية كانت الكساد الكبير أعوام 1929-1933، وكان الخروج منها بالسياسة الكينزية. الأزمة الثالثة كانت الركود التضخمي 1971، وكان الخروج منها بالسياسات النيو-ليبرالية وتطورها المتمثل في العولمة. الأزمة الرابعة والأخيرة هي ما عرف بأزمة الرهن العقاري، 2008، والمخارج منها تتعلق بتعميق الأمولة؛ وسنعالج الأزمة الأولى في هذا المقال.

الأزمة الأولى: الذعر الكبير أو الكساد الطويل 1873

امتدت تلك الأزمة بين أعوام 1873 و1896، والتي عرفت بالذعر الكبير أو بالكساد الطويل(٢) تعود أسبابها النوعية إلى أحد التناقضات الرئيسية في النظام الرأسمالي، ألا وهي تناقص معدل الربح كنتيجة أساسية للانخفاض في البنية العضوية لرأس المال. يوظف الرأسمالي الصناعي مثلاً رأسماله في شراء الأرض وبناء المصنع، وشراء الآلات، والمواد الخام، وأخيراً في أجور العمال الذين يوظفهم. ربح الرأسمالي لا يتحقق إلا في القسم الأخير، أجور العمال؛ حيث إن ثمن الآلات والمباني… إلخ، يتم استرداده ضمن عناصر التكلفة في سعر البيع (معدلات الإهلاك). أما سلعة قوة العمل فهي السلعة الوحيدة التي يشتريها بأقل من قيمتها، حيث إن ربحه ما هو إلا فائض قيمة عملها.

ولكن تطور الآلات وزيادة ثمنها، وربما ارتفاع تكلفة المباني والطاقة والمستلزمات، أي زيادة نسبة تكلفة “العناصر الثابتة” في رأس المال، تؤدي لانخفاض نسبة رأس المال المنفق على بند الأجور، البند الوحيد المحقق للربح أو لفائض القيمة. هذا هو ما نعنيه بانخفاض البنية العضوية لرأس المال، وبالتالي انخفاض نسبة الربح إلى رأس المال الكلي الذي تم إنفاقه. يجدر أن نلاحظ أننا نتحدث هنا عن مرحلة رأسمالية المنافسة الحرة، حيث تمنع المنافسة أي مستثمر من رفع سعر سلعته بحرية، وإلا سيخسر العملاء لأن منتجاً آخر سينافسه بسعر أقل.

كيف خرج رأس المال من تلك الأزمة الممتدة، والتي ترجع إلى أسس الرأسمالية نفسها؟ بدأ الخروج منها بتطور ظواهر التمركز والتركز في رأس المال، نتيجة لتفوق المشاريع الكبيرة، وابتلاعها للمشاريع الصغيرة. بالطبع فهذا نشاط مربح جداً لرأس المال نتيجة لاستغلال الكساد في شراء المشروعات الصغيرة غير الناجحة في السوق بأقل من قيمتها. كما يأتي التمركز أيضاً لاندماج مشاريع كبرى مع بعضها مشكلة مشاريع أكبر، مما يساوي زيادة حصتها في السوق، ويقود للاحتكار، الذي يمكن من زيادة الربح نتيجة للربح الاحتكاري العالي.

من المعروف أن كل مصنع يحتاج إلى تجديد آلاته كل سبع سنوات في المتوسط. يفترض أن كل مستثمر يضيف لتكلفة عناصر الإنتاج معدل إهلاك الآلات، بحيث إن إهلاك الآلة يجعل استبدالها من مقابل الإهلاك المحتجز. ولكن ليس كل رأسمالي يمارس بهذه الدقة. لذلك قرر الرأسماليون أن يقيموا “جمعية تعاونية”، أي مؤسسة يدخر فيها المستثمر مقابل الإهلاك ويأخذ عليه فائدة بسيطة، 2%، بينما يقترض المستثمر الذي يحتاج إلى تجديد آلاته ثمن الآلات بفائدة 3%، وهذه المؤسسة هي البنك. فرق الفائدة الدائنة والمدينة، 1%، تمثل ربح البنك ومصاريفه الإدارية. لهذا نشأت البنوك كمؤسسة ضرورية لرأس المال الإنتاجي، وتعمل لخدمته وتحت سيطرته.

يعني هذا أن البنوك لم تنشأ كاستمرار للنشاط الربوي الذي كان موجوداً قبل نشأة الرأسمالية، وكان اليهود من القائمين به، بل في الواقع إن البنوك قد نشأت تحديداً في مواجهته، ولإقراض الرأسماليين بمعدل ربح قليل جداً بالقياس للنشاط الربوي، حيث كان معدل الربا في المجتمعات السابقة على الرأسمالية يتراوح بين ربع إلى ثلث المبلغ المقترض، استغلالاً لحاجة المقترض أو لغفلته.

لكن مع تطور الرأسمالية وانتقالها من مرحلة المنافسة الحرة إلى مرحلة الاحتكار، بدأت العلاقة بين رأس المال المالي (ممثلاً في البنوك) وبين رأس المال الإنتاجي في التغير، انطلاقاً من الاندماج بين رأس المال الإنتاجي ورأس المال المالي، ثم سيطرة الأخير تدريجياً. حيث ارتبط نشاط إقراض كل مجموعة من الرأسماليين ببنوك محددة. صاحب تلك الظاهرة تحول هيكل ربح الاستغلال الرأسمالي في السوق الخارجية، فبعد أن كان يأتي أساساً من تصدير السلع، أصبح يأتي بشكل متزايد- من تصدير رأس المال. وبرز قلة من كبار مستثمري رأس المال المالي (أصحاب البنوك) كقيادات المجتمع، وانتشرت ظاهرة اندماج هؤلاء مع جهاز الدولة، وأصبحت مناصب الوزراء تأتي بشكل متزايد من هؤلاء القيادات، ليتحولوا من قيادات مالية إلى قيادات سياسية! وأصبحت تلك السمات كلها معاًىهي ما نعرفه بالإمبريالية، كمرحلة جديدة في تطور الرأسمالية، حلاً لأزمتها الممتدة التي أشرنا إليها.

أول من كتب عن هذه الظاهرة هو الاقتصادي الإنجليزي هوبسون (٣) في كتابه “الإمبريالية” عام 1902، مشيراً لمرحلة جديدة تنتقل إليها الرأسمالية. أما أهم دراسة للظاهرة فهي كتاب “رأس المال المالي، دراسة في المرحلة الأخيرة لتطور الرأسمالية” Finance Capital, A study in the latest phase of capitalist development الصادر عام 1910 للاقتصادي النمساوي رودولف هيلفردينج(٤)؛ وتتواصل طباعته حتى 2019! أشار هيلفردينج بعمق إلى الملامح السابق ذكرها للرأسمالية من ناحية التركز والتمركز، وسيطرة رأس المال المالي على رأس المال الإنتاجي، والانتقال من تصدير السلع أساساً إلى تصدير رأس المال. كما أشار أيضاً إلى أن الانتقال من مرحلة المنافسة الحرة إلى مرحلة الاحتكار. ارتبط أيضاً بأثر اندماج قيادات البنوك في جهاز الدولة، فأصبحوا مصدر تعيين الوزراء!

ركزت رأسمالية المنافسة الحرة على الديمقراطية والحريات العامة والانتخابات، حتى قيل إنه في الدولة الرأسمالية المثالية في مرحلة المنافسة الحرة، تمنح الانتخابات البرلمانية أغلبية الأصوات لقطاعات الطبقة الأكثر بروزاً في البورصة! بينما في مرحلة الاحتكار، مالت دولة كبار رجال رأس المال المالي إلى ارتباط الدولة بالتعبير عن كبار ممثلي رأسمالية رأس المال الاحتكاري الإمبريالي. صدر كتاب لينين “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” عام 1916(٥)، وفيه قيم لينين عالياً كتاب هيلفردينج، واصفاً إياه بأنه تحليل نظري قيم للغاية يوضح سمات المرحلة الإمبريالية، باعتبارها مرحلة جديدة من عمر الرأسمالية.

رغم ذلك الاتفاق، اختلف موقف لينين وهيلفردينج، في الدلالة والمستقبل. بدأ هيلفردينج ماركسياً، وانتهى إصلاحياً، يعمل على “إصلاح النظام الرأسمالي”، ورأى في مرحلة الإمبريالية تطوراً إيجابياً. أما لينين، فقد رأى أن رأس المال المالي، غير المرتبط مباشرة بعملية الإنتاج، يفاقم الطابع الطفيلي للرأسمالية، ويفاقم أزماتها وعدوانيتها في الخارج. في العام 1900، شمل الاستعمار الكولونيالي 97% من مساحة أفريقيا و75% من مساحة آسيا، وأصبح حيازة أسواق خارجية مرتبطاً بالصراع المسلح بين الضواري الرأسماليين في الدول الإمبريالية المختلفة، وهو ما حدث في الحرب العالمية الأولى! إن ألمانيا التي حققت وحدتها القومية عام 1866، وتطورت اقتصادياً بسرعة، رأت أن عليها الحصول على حصة من المستعمرات تتناسب مع قوتها الاقتصادية والعسكرية، ونظراً لاقتسام العالم بين المستعمرين، فالطريقة الوحيدة هي شن الحرب عليهم معاً! اقترح لينين الاستفادة من هذا الوضع للثورة من أجل إقامة النظام الاشتراكي، وهذا ما نجح بالنسبة لروسيا.

أهم المصادر:

(١) – أنظر كتاب المؤرخ الإنجليزي التقدمي إريك هوبزباوم، عصر الثورة (أوروبا 1789- 1848)، ترجمة فايز الصياغ، الناشر: المؤسسة العربية للترجمة، الأردن، والموزع: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 2007. ومن الجدير بالذكر أن هذا الكتاب هو جزء من سلسلة من ثلاث كتب للمؤلف بعنوان “القرن التاسع عشر الطويل”، والجزءان الآخران مترجمان بواسطة نفس المترجم، باسم “عصر رأس المال (1848- 1875″ و”عصر الإمبراطورية 1875-1914”.

(٢) – أنظر موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية حول أزمة 1873، والمعروفة بالكساد الطويل أو الذعر الكبير، تحت عنوان “Panic of 1873” على الرابط: 

https://en.wikipedia.org/wiki/Panic_of_1873

(٣) – حول إسهام هوبسون، أنظر موسوعة ويكيبيديا (بالعربية) مادة “جون هوبسون” على الرابط: 

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D9%88%D9%86_%D9%87%D9%88%D8%A8%D8%B3%D9%88%D9%86

(٤)-   أنظر موسوعة ويكيبيديا (العربية) مادة “رودولف هيلفردينج” على الرابط: 

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D9%88%D8%AF%D9%84%D9%81_%D9%87%D9%8A%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AF%D9%86%D8%AC

(٥)-  أنظر كتاب لينين “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، ويمكن تنزيله من على الرابط: 

Chromeextension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://www.books4arabs.com/B11/BORE04-3756.pdf 

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

د. ماري الدبس لـ «تقدُّم»: بيان 16 سبتمبر كان شرارة الرد على العدو الصهيوني وعملائه ومواجهة العدو اليوم لا بد أن تكون مقاومة وطنية وعربية موحدة

44 عاماً على إعلان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» من قلب بيروت المقاوِمة في 16 أيلول/ سبتمبر العام 1982… تاريخ نعود إليه فنجذب إلى

الحروب البيولوجية استراتيجية عسكرية

تطورت أساليب الحرب البيولوجية بشكل كبير وأكثر خطورة مما كانت عليه في السابق، فقد تطورت الأبحاث في مجال الحرب الجرثومية ومختبراتها بشكل علمي ومكثف، مما أدى إلى ظهور العديد من الأمراض والأوبئة الجديدة والفتاكة التي حصدت أرواح ملايين البشر.

سوق العمل الكويتي على مفترق طرق

إن التحديات التي تواجه العمالة الوطنية والوافدة كبيرة ومصيرية وأهمها يكمن في تشجيع اﻷيدي العاملة الوطنية المقبلة على سوق العمل على اﻻنخراط في القطاعات المختلفة في سوق العمل وإيجاد علاقة تكاملية بين العمالة الوطنية والوافدة من أجل إيجاد حالة من التجانس واﻻستقرار في تركيبة السوق بدلاً من العلاقات التنافسية القائمة حالياً.