
الصمود والمقاومة في مواجهة الاستيطان والإبادة والتهجير
عقيدة جابوتنسكي تمر القضية الفلسطينية في واحدة من أخطر مراحلها منذ النكبة الفلسطينية وإعلان قيام الكيان الصهيوني على 78% من أرض فلسطين التاريخية، إذ نشهد
44 عاماً على إعلان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» من قلب بيروت المقاوِمة في 16 أيلول/ سبتمبر العام 1982… تاريخ نعود إليه فنجذب إلى أهازيج الزمن المتقدِّم دوماً اليافع أبداً… زمن الرد الثوري على الاحتلال الصهيوني.
“أيها اللبنانيون الحريصون على لبنان بلداً عربياً سيداً حراً مستقلاً. إلى السلاح استمراراً للصمود البطولي دفاعاً عن بيروت والجبل، عن الجنوب والبقاع والشمال. إلى السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريراً لأرض لبنان من رجسه على امتداد هذه الأرض من أقصى الوطن إلى أقصاه.
إن واجب الدفاع عن الوطن هو أقدس واجب. إن شرف القتال ضد المحتل هو الشرف الحقيقي الذي ينبغي لكل وطني أن يفاخر به”. هو نداء انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بتوقيع الحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي، وحزب العمل الاشتراكي. فهبَّ أبطال وبطلات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية إلى تلبية النداء وجعلوا من كل حبة رمل في بيروت وفي كل أرض محتلة من الوطن اللهيب المقدس الذي أحرق جيش العدو الصهيوني مع عملائه وهزموا الجيش الذي قيل “إنه لا يهزم”.
إنهم طمي الأرض… جذور السنديانة الحمراء… “يعبرون الجسر في الصبح خفافاً”… نحو التحرير والتحرر الوطني وفي القلب القضية المركزية: فلسطين.
بمناسبة مرور 44 عاماً على انطلاقة «جمول» كان هذا الحوار السياسي الشامل مع د. ماري ناصيف – الدبس نائب الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني والمنسقة السابقة للقاء اليساري العربي، حوار عن حصار بيروت وصمودها في وجه الهمجية الصهيونية، إعلان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وتحريرها لبيروت ومعظم الأراضي اللبنانية المحتلة، في الحوار أخذتنا د. ماري ناصيف – الدبس إلى كيف أن العين غلبت مخرز الاحتلال… وفي الحوار معها وضعت قراءتها السياسية لأسس مواجهة المشروع الأميركي – الصهيوني الإمبريالي في منطقتنا.
حاورها: ربيع ديركي – سكرتير التحرير
شن العدو الصهيوني اجتياحه للبنان في شهر حزيران/ يونيو 1982، د. ماري ناصيف – الدبس كيف كانت الأوضاع السياسية، العامة، في لبنان قبل الاجتياح الصهيوني، وهل كانت لدى الحزب الشيوعي اللبناني تقديرات لإقدام العدو على تنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد لبنان؟
د. ماري الدبس: شهد القسم الأول من عام 1981 تطورين مهمين على الصعيد الدولي كان لهما تأثير بارز على الحرب الأهلية الدائرة في لبنان وكذلك على قرار الاجتياح الصهيوني للبنان. التطور الأول يكمن في عودة الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة إلى المركز الأول عبر انطلاق الولاية الأولى لرونالد ريغان، أما التطور الثاني فيتمثل في وصول تحالف اليسار، ممثلاً بفرانسوا ميتران، إلى رئاسة الجمهورية في فرنسا. والاثنان كان لهما موقف متقارب مما يدور في الشرق الأوسط، خاصة بالنسبة للموقف من الوجود السوفياتي في المنطقة، وكذلك من الكيان الصهيوني. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى اعتبار إدارة ريغان، عبر “اتفاقية التعاون الاستراتيجي”، هذا الكيان كركيزة أساسية في استراتيجية الحرب الباردة في الشرق الأوسط… كذلك، شكّل قرار ميتران إعادة العلاقات إلى مجراها الطبيعي مع تل أبيب (وزيارته لها كأول رئيس فرنسي) موقفاً واضحاً على التغيّر العميق في السياسة الفرنسية تجاه العالم العربي، وإن يكن ميتران قد أثار في تلك الزيارة مسألة الدولة الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
شكّل هذان الحدثان، إذاً، إعادة وضع الشرق الأوسط، ومنه لبنان بالتحديد (خاصة من خلال وجود منظمة التحرير الفلسطينية)، في أولوية القضايا، الأمر الذي شجّع قيادة الكيان على توسيع رقعة غاراتها وصولاً إلى العاصمة بيروت، وبالتحديد حي الفاكهاني في منطقة الطريق الجديدة، والاتفاق مع حلفائها اللبنانيين، الذين كانوا يتلقون السلاح والتدريب من جيشها، على خطة تؤدي إلى تصفية منظمة التحرير، من جهة، وتنصيب رئيس للبنان يعمل على تطبيع العلاقات مع الكيان…
من هنا نفهم سرعة التطورات الأمنية الدموية والتفجيرات المتتالية، وأهمها الغارات الوحشية التي طالت منطقة الفاكهاني (تموز/ يوليو 1981) والتفجيرين في سينما سلوى على كورنيش المزرعة (أيلول/ سبتمبر 1981) وخاصة في شارع عفيف الطيبي (في الأول من تشرين الأول /أكتوبر 1981) الذي أودى بحياة العشرات من الشيوعيين ومن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إضافة إلى عدد من التفجيرات التي تمت في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه. كما نفهم، كذلك، لماذا ازدادت الضغوط الاقتصادية والمالية على المناطق التي تتواجد فيها الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية.
في تلك الفترة المتفجرة على كافة المستويات، حصلت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني على معلومات هامة (أعادت تأكيد توقعات كانت قد طرحت في المؤتمر الرابع للحزب) مفادها أن اجتماعات عسكرية وسياسية حصلت في الولايات المتحدة وطرحت فيها خطة على مستويين: إما احتلال صهيوني يصل إلى منطقة الأولي، شمال مدينة صيدا، أو توسيع الاحتلال إلى البقاع الغربي والجبل وصولاً إلى بيروت، مع إعطاء الأرجحية للاحتمال الثاني(1). على هذا الأساس، بدأنا بالتمهيد سياسياً والتحضير عسكرياً لمقاومة الاحتلال…
بناء على تلك التقديرات كيف كانت تحضيرات الحزب الشيوعي اللبناني للمواجهة ومقاومة العدو الصهيوني؟
د. ماري الدبس: أولاً، ضمن أطر ضيقة، ما بين العامين 1979 و1981. لكن سرعان ما اتسع نطاقها تدريجياً بعد التقرير الصادر في آذار/ مارس 1982(2)، ومن ثمَّ، خاصة، في التعبئة العامة التي دعا إليها الحزب في الأشهر الأولى من العام 1982 والتي طالت المئات من الكوادر والمناضلات والمناضلين من داخل الحزب وكذلك من الأصدقاء واستمرت حتى قبل بضعة أيام من بدء العدوان. وقد لمست قيادة الحزب آنذاك مدى الحماس لدى الشيوعيين ومدى استعدادهم للسير قدماً في الطريق الذي بدأت بوادره في قيام “الحرس الشعبي” لحماية القرى الحدودية (1969) ومن ثم في تأسيس “منظمة الأنصار” (1970) كنتيجة للموقف السياسي الذي أقر في المؤتمر الثاني للحزب إنْ حول القضية الفلسطينية أم حول الصراع العربي-الصهيوني. وأذكر أن التوجه الذي وضعه المكتب السياسي آنذاك، وبالتحديد الرفيق المسؤول عن الإعلام، والذي نفذناه في صحافة الحزب، بدأ منذ تلك الأيام، خاصة من خلال نشر مجموعة من التجارب العالمية للمقاومة، وبالتحديد المقاومة السوفياتية والمقاومة الفرنسية اللتين كان لهما شرف مجابهة المدّ النازي منذ بداياته… هذا، عدا عن مجموعة من السير الذاتية لأبطال حفظ التاريخ أسماءهم (3).
وأود هنا أن أشير بالتحديد إلى التجربة التي قدمها لنا الرفيق فؤاد قازان والتي نشرت على عدة حلقات في جريدة “النداء” كتأريخ لجانب من المقاومة الفرنسية كان للرفيق فؤاد دور أساسي فيه.



إذن، إعلان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية لم يكن وليد لحظته؟.
د. ماري الدبس: سأستفيد من هذا السؤال للفت النظر إلى محاولات البعض، في السنوات والأيام السابقة، إنكار دور الشيوعيات والشيوعيين في إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي كان لها شرف تحرير قسم كبير من الأراضي اللبنانية المحتلة، بدءاً بالبقاع الغربي، مروراً ببيروت ووصولاً إلى صيدا وصور وقسم أساسي من النبطية ومن جنوبي الجنوب، غير أنهم لم يفلحوا في محاولاتهم الممجوجة والمتكررة، إذ إن شعبنا يعرف، بأغلبيته، من ساهم بشكل فعّال ودؤوب في تحريره من رجس الاحتلال، إنْ في بيروت أو الجبل أو البقاع الغربي والجنوب. وأعرف أيضاً أن شعبنا يحفظ أسماء هؤلاء الأبطال الذين كانوا من كل الوطن، من شمالي الشمال إلى جنوبي الجنوب، الشهيدات والشهداء منهم أو المعتقلات والمعتقلين الذين لا يتسع المجال لذكر أسمائهم، فكيف بأسماء الآلاف الذين شاركوا في العمليات، إنْ بالتخطيط أو الرصد أو نقل السلاح أو التنفيذ. ثم هناك من يحاول أيضاً اليوم وضع نفسه فوق الآخرين بادعاء بطولات فردية واندفاعة وليدة اللحظة، وكأنه هو من اتخذ القرار وواجه دون الحزب الذي انتمى إليه.
غير أن الوثائق التي أشرنا إليها واضحة وضوح الشمس، ومنذ ما قبل اجتياح 1978، علماً أني أود أن أشير هنا إلى أن التذكير بمزارع شبعا تم مباشرة بعد العام 1978 من خلال بعض العمليات التي نفذها الشيوعيون يومها على العدو المحتل في تلك المزارع. كما هي واضحة الوثائق التي صدرت عن اللجنة المركزية من بيروت إبان حصارها في العام 1982، والتي أعلنت موافقتها على إطلاق “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” مع كل الأحزاب والقوى والأفراد الذين يرفضون الاحتلال الصهيوني ويسعون إلى تنفيذ شعارنا الداعي إلى “تحرير كل شبر من تراب الوطن”. وكوننا لم نكن فئويين يوماً، أرخنا باسم “ج م و ل” كل عملياتنا، كما أصدرنا كتابين مهمين عبر “أنصار جبهة المقاومة الوطنية” من أجل تعميم نضالات الوطنيين (4).

حاصر العدو الصهيوني مع عملائه بيروت المقاوِمة لمدة ثلاثة أشهر متتالية… كيف كان صمود بيروت ويوميات الحصار والقصف الجوي والبري والبحري، وماذا عن دور الحزب الشيوعي اللبناني في تأمين المتطلبات اليومية للصامدين في بيروت ومقاومة العدو الصهيوني على المحاور؟
د.ماري الدبس: الاجابة على هذا السؤال تتطلّب الكثير من الكلام، خاصة وأن دور الشيوعيات والشيوعيين في صمود من تبقى من سكان بيروت كان أساسياً. فمنذ اليوم الأول للحصار، أي بعد السادس من حزيران/ يونيو، كانت خلية الصمود جاهزة وتعمل “على الأرض” من المركز الأساسي الذي كنا قد هيأناه في مقر جمعية الصداقة اللبنانية – البلغارية في منطقة الصنائع.
أما الاهتمامات، فكثيرة ومتعددة، بدءاً من تأمين استمرار الاتصالات مع الخارج من خلال السنترالات إلى تأمين الخبز وتوزيعه، إلى استخراج المياه من البئر الارتوازي الواقع في مجال مركز الحزب في الوتوات، إلى المستشفى الميداني في نادي الأنترانيك، إلى نظافة المدينة ورفع النفايات… وصولاً إلى التعميم السياسي اليومي الذي كان يوزع على محاور المواجهة من خلدة وكلية العلوم، مروراً بالضاحية الجنوبية وكل “خط التماس” بين جزئي بيروت المنقسمة قسراً على نفسها حتى مشارف البحر المتوسط.
كان يوم النضال يبدأ في الصباح الباكر بلقاء لتوزيع المهمات ولا ينتهي إلا في وقت متأخر من الليل حين تتم كتابة، ومن ثم توزيع، التعميم السياسي اليومي عبر اللاسلكي إلى كل المناطق اللبنانية وحتى إلى بعض دول الخارج… هذا، عدا عن الجولة اليومية على المحاور، وتبديل المجموعات، وتنظيم بعض الأمور اللوجستية في بعض المراكز والبيوت، وعقد الاجتماعات لبعض المجموعات العملانية… ولا ننسى ذكر اللقاءات مع الأهالي الصامدين وكذلك مع ممثلي القوى السياسية اللبنانية والفلسطينية.
من الذكريات الجميلة، مع بدايات الحصار، أي في الأسابيع الأولى منه، أن العالم كله كان – ونحن منه – منشداً إلى متابعة أحداث “المونديال”. لذا، كنا نتحين الفرص لمتابعة بعض المباريات. وبما أن الكهرباء كما المياه كانتا مقطوعتين عن بيروت الغربية بقرار من الولايات المتحدة الأميركية مباشرة (5)، كنا نتجمّع حول بعض أجهزة التلفاز التي نديرها على بطاريات السيارات لمشاهدة مباريات المونديال… يومها كان الفريق الإيطالي يحظى بتأييدنا، لأن عدداً من لاعبيه كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي الإيطالي؛ وعندما فاز بالمونديال، قامت “الهيصة” في الزواريب وعلى المتاريس، ولا يجب أن ننسى ما تعرضنا له من ملاحقات واغتيالات، ومن معارك لمنعنا من متابعة مهمة التحرير، وبالتحديد معركة مشغرة.
نعم، لم يدخل الملل أو الوهن إلى يومياتنا… وإنْ كان يوم النضال بلا نهاية، والرفاق، لا يهدأون لا على المحاور ولا في المراكز الخلفية. لا أدري كيف استطاع الشيوعيون والشيوعيات متابعة هذا العمل دون كلل أو هوادة، بل ودون أي تأفف أو تهاون، بل كيف انخرطوا مباشرة في المهمة الأخرى الملقاة على عاتقهم، وهي منع الاحتلال من الاستقرار في “أم العواصم” بيروت الأبية أكثر من بضعة أيام قبل أن يفروا وهم يجرون أذيال الهزيمة صارخين عبر مكبرات الصوت : “يا أهالي بيروت، لا تطلقوا النار فنحن منسحبون”.


بيروت الوطنية قاوَمت الحصار الصهيوني… صمدَت… وعندما احتل جيش العدو بيروت كان ردها الثوري إعلان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» في 16 أيلول/ سبتمبر 1982 من قلب بيروت. د.ماري حدثينا عن ولادة بيان «جمول» تحت الاحتلال وأثره السياسي؟
د.ماري الدبس: في 23 آب/ أغسطس 1982، أي بعد يومين من بداية سحب قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، أعلن رئيس مجلس النواب آنذاك كامل الأسعد “انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية اللبنانية” في ظل الحراب الصهيونية التي كانت تحيط بنا من البحر والبر والجو منزلة الموت بمن بقوا ليدافعوا عن بيروت ومستمرة في تدمير الحجر والشجر… أي أن هدفين من أصل الأهداف الثلاثة الموضوعة للعدوان قد تحققا، وهذا يعني أن ما كنا نردده في تقاريرنا السياسية وفي التعاميم اليومية من أن الكيان الصهيوني سيدخل إلى بيروت أصبح وشيكاً، وأن علينا البدء بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة المواجهة من خلال إعلان جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عبر اجتماع للجنة المركزية (أو من هو موجود من أعضائها في بيروت) ومن ثم إذاعة بيان التأسيس.
عقد هذا الاجتماع في سينما مارينيان بين شارع الحمراء والجامعة الأميركية، حيث قدّم الرفيق جورج حاوي، الأمين العام لحزبنا، تقريراً سياسياً وافياً مع تحديد عام للمهمات المطلوبة في المراحل الأولى للمواجهة (6). وانفض الاجتماع على هذا الأساس، فنشطت الاجتماعات في الأيام التي تلت من أجل ترتيب ما يجب ترتيبه. وأذكر أننا كنا في اجتماع لقيادة المعلمين والأساتذة بعد ظهر يوم الثلاثاء 14 أيلول/ سبتمبر عندما تم تفجير مركز حزب الكتائب في الأشرفية وإعلان مقتل الرئيس المنتخب بشير الجميل وعدد من المواطنين، ومن ثم تحديد مراسم الدفن…إلخ.
مساء اليوم الذي سبق تدنيس شوارع بيروت بدبابات الصهاينة، عقد اجتماع في بيتنا حضره قسم من قادة الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي، إضافة إلى بعض النواب الوطنيين والشخصيات المساهمة في الحركة الوطنية. جرى البحث في الخطوات السياسية والدستورية المتوجب اتخاذها في ضوء بدء العد العكسي لاجتياح القوات الصهيونية لبيروت الغربية. وبعد أن انفض الاجتماع، بدأت أصوات انفجار القنابل المضيئة تسمع في كل أحياء العاصمة، مترافقة مع أصوات الرصاص الآتي من جهة الطريق الجديدة… لساعات، تحوّل ليل بيروت إلى ما يشبه النهار. كان الهجوم الذي نظمه أرييل شارون ونفذته الميليشيات اللبنانية على مخيمي صبرا وشاتيلا قد بدأ ليسفر، كما علمنا لاحقاً، عن إحدى أبشع المجازر في تاريخ الصهيونية الدموي: أكثر من ثلاثة آلاف شهيد، القسم الأكبر من النساء والأطفال (7)… وحتى حي فرحات اللبناني الملاصق لم يسلم من الجريمة، حيث قتل الفاشيون العشرات.
بعد بضع ساعات، ومع بزوغ الفجر، بدأت تسمع أصوات المجنزرات خافتة، وكأنها تقتحم شارع مار الياس، صعوداً من السفارة السوفياتية. تركت البيت باتجاه شارع أميركا، فما كدت أصله حتى بدأت القذائف تنفجر ليس بعيداً، ولما حاولت العودة إلى كركول الدروز، كانت الدبابات الصهيونية قد سبقتني، وكانت الحرائق تشتعل… اضطررت لترك السيارة ومتابعة الطريق بين بقايا السيارات المنفجرة والزجاج المنثور…
قاوم الرفاق بما لديهم من أسلحة تقدّم القوات المعتدية، واستشهد لنا عدد من الرفاق في المواجهة. كان ذلك بينما اجتمع بعض المسؤولين في بيت الشهيد كمال جنبلاط حيث أذاع الرفيق جورج حاوي بيان “جمول“.
شكّل البيان بارقة أمل في وجه العدوان، وكانت الشرارة الأولى للرد على العدو وعملائه في العملية التي نفذت بالقرب من صيدلية بسترس باتجاه سينما الكونكورد. بعدها تتالت العمليات من مقهى الويمبي في شارع الحمراء إلى زقاق البلاط، بالقرب من محطة أيوب، إلى كورنيش المزرعة، بالقرب من مكاتب منظمة التحرير… حتى اندحار العدو نهائياً عن شوارع العاصمة، كما سبق وأسلفت.

تحررت بيروت وبقيت جمول تلاحق جيش العدو الصهيوني إلى أن حررت معظم الأراضي اللبنانية المحتلة محاصرة العدو مع عملائه في ما أطلقت عليه تسمية “الشريط الحدودي” الذي تحرر في الخامس والعشرين من أيَّار/ مايو العام 2000 د. ماري ما هي برأيك أبرز صعوبات تلك المرحلة وما هي مرتكزات المشروع السياسي للمقاومة الوطنية؟
د.ماري الدبس: تم تركيز عمليات المقاومة، في البداية، على توجيه ضربات مركّزة ضد القوات الغازية على أكثر من جبهة، بدءاً بالجبل، وبالتحديد الطريق الساحلي الذي يربط بيروت بصيدا، حيث كانت العمليات لا تهدأ وإصابات الجنود الصهاينة كثيفة إلى درجة أطلقوا عليها إسم “طريق هو شي مينه” تيمناً بما جرى للغزاة الأميركيين في فيتنام. كما طالت العمليات منطقة البقاع الغربي وصيدا وصور وغيرها. كانت “جمول” في كل مكان، إنما لم تكن وحيدة، إذ بالإضافة إلى الأطراف التي تتشكل منها الجبهة، كانت هناك عمليات لحركة أمل وغيرها، إضافة إلى اندفاع بعض الشباب المستقل وقيامه وتوجيهه ضربات للعدو. مئات العمليات تمت في الفترة الأولى، ولحقتها مئات أخرى (بل، ربما بضعة آلاف)، بينما كانت الانتفاضات تكثر والصمود يزداد… وهنا، لا بد لي إلا أن أحيي دور المرأة اللبنانية البطلة، من بلدة معركة وكل مناطق صور والنبطية وصولاً إلى البقاع الغربي، فقد كان لهذا الدور، إنْ في المواجهة المباشرة، أم في نقل السلاح، وجمع المعلومات، وإيواء المجموعات المقاومة، أثره الكبير في السرعة التي اندحر فيها العدو ليتمركز داخل منطقة الشريط الحدودي.
مع تقدم العمليات، انتقل التركيز من مقاومة قوات العدو ليطال العملاء الذين شكّلوا الحماية والعين المراقبة للعدو، خاصة في المعتقلات، ومنها معتقل أنصار بشكل خاص (8).


في كل هذه الفترة، لم تحد “جمول” عن المرتكزات السياسية للأحزاب التي أسستها، وفي طليعتهم حزبنا، والتي يمكن تلخيصها بالآتي: طرد العدو المحتل عن أرضنا وإزالة ما سمي بالشريط الحدودي ومعه قوات العميل أنطوان لحد، وتصفية الآثار السياسية للعدوان، أي منع العدو من تحقيق أهدافه الأخرى وفي مقدمتها تطبيع العلاقات بينه وبين الدولة اللبنانية… ولا ننسى، بالطبع، الحفاظ على الوجود الفلسطيني.
هذا، مع العلم أن العراقيل كانت كثيرة؛ فبالإضافة إلى الاحتلال (وإن يكن قد بدأ بالانحسار) ومعه استمرار الحرب الأهلية، كان علينا مواجهة الانقسامات الداخلية في المناطق المحررة، ومنها ما سمي بحروب الزواريب بين بعض المجموعات المسلحة، إضافة إلى بعض التدخلات العربية التي لم تكن يوماً في صالح قوى التغيير، بل إنها عملت على استعادة ترتيب المحاصصة الطائفية بحيث تحوّل لبنان إلى دولة برؤوس طائفية ثلاثة أدت، رغم مرور ستة وأربعين عاماً على انتهاء الحرب الأهلية، إلى تعميق الانقسامات وتركيز أسس الطائفية بدل إزالتها، الأمر الذي أدى إلى ما نحن عليه الآن. دولة فاشلة ومفلسة وتعيش عدواناً صهيونياً جديداً واحتلالاً لقسم من الأرض. كل ذلك مترافق مع سيطرة امبريالية أميركية وضعت، منذ العام 1990، مشروع الاستيلاء على منطقتنا عبر مشروع “الشرق الأوسط الكبير” و”الجديد” الهادف إلى وضع اليد على الثروات التي يختزنها العالم العربي، بعد تحويله إلى فسيفساء من الدويلات الطائفية والمذهبية والعرقية المتناحرة في ما بينها.

اليوم، نواجه في لبنان مشروعاً أخطر من “اتفاق 17 أيار” الذي أسقطناه. مشروع يهدف إلى ضم منطقة جنوب الليطاني إلى الكيان الصهيوني ومعها الجولان وغزة… ولا ننسى ما يجري في الضفة الغربية المحتلة أيضاً. لذا، باعتقادي، أننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نستسلم فيزول الوطن، أو أن نعود إلى جمع القوى في مواجهة – وإن تكن تبدو غير متكافئة – مع العدو. والمواجهة لا بد وأن تأخذ طابعاً وطنياً، أولاً، إنما أيضاً طابعاً عربياً شاملاً موحداً، نظراً لشمولية المشروع الذي نواجهه. وهذا يتطلّب تفعيل دور اللقاء اليساري العربي كنواة تجتمع حولها كل الفئات المتضررة من المشروع الإمبريالي – الصهيوني الجديد.
المراجع
(1) – “لقد سبق للجنة المركزية لحزبنا أن قدمت تحليلاً شاملاً للظروف التي سبقت العدوان ورافقته. فالمؤتمر الرابع للحزب توقع حصول العدوان الإسرائيلي، وعادت اللجنة المركزية للحزب، مسترشدة بأعمال المؤتمر الرابع، لتؤكد أرجحية هذا الاحتمال، بشكل واضح، في اجتماعها، في نهاية عام ١٩٨١، وفي اجتماعها، في آذار [مارس] ١٩٨٢، حتى أن تقريري المكتب السياسي أمام الاجتماعين قد أكدا أن العدوان سيصل إلى مشارف العاصمة بيروت، وحددا أهدافه العربية والفلسطينية والداخلية.
وقد استندنا، في تقويمنا هذا، إلى المعطيات الملموسة وإلى متابعتنا الأحداث في ترابطها، من جهة، وإلى تحليلنا للوضعين الدولي والعربي، من جهة ثانية إضافة إلى التقدير بأن العدوان كان قد أصبح، بالنسبة لمجموعة من قوى التحالف الرجعي اللبناني، حاجة داخلية لبنانية عشية انتخابات رئاسة الجمهورية”. (المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي اللبناني ٣و ٦ شباط ١٩٨٧، ص. ٨، منشورات الحزب الشيوعي اللبناني).
(2)- تضمّن هذا التقرير والتقرير الذي سبقه مواقف واضحة على أن الكيان الصهيوني يحضّر لعدوان واسع على لبنان، وأن على الشيوعيين الاستعداد لمقاومته.
(3)- نذكر منهم قيادات ومناضلي حركة الأنصار السوفياتية الذين لم يهابوا القمع الوحشي من قبل النازيين، بل عملوا على إعاقته ومنعه من الثبات في الأرض التي احتلها. كما نذكر منهم بعض الأسماء اللامعة في المقاومة الفرنسية، أمثال الكولونيل فابيان، الذي تطوّع للقتال ضد الفاشية في أسبانيا، من ثم قاد مجموعات الشباب في فرنسا. كما نذكر بول فاييان – كوتورييه وزوجته ماري-كلود، وكذلك رول – تانغي…إلخ. وكنا نفخر بالانتماء إلى أمثال هؤلاء الوطنيين وكل وطني حمل أو يحمل السلاح دفاعاً عن الوطن وحريته.
(4) – الكتاب الأول “سنتان” (1984) الذي أعطى صورة عن الغزو ومجازر صبرا وشاتيلا . كما تضمن ملخصاً عن العمليات (استخدمت بعض الكتب الصادرة حديثاً هذا التأريخ الملخص) ومقارنة بين المناطق اللبنانية المحتلة والضفة الغربية الفلسطينية المحتلة…إلخ. أما الكتاب الثاني”الاحتلال والمقاومة – دراسات ووقائع”، فصدرت طبعته الأولى في العام 1985، واستند فيه إلى أرشيف الجرائد والمجلات اللبنانية والأجنبية وإلى العديد من الكتب والتقارير الدولية… وهو كتاب يبدأ بفصل عن أحداث المنطقة وينتهي بفصل عن اتفاق 17 أيار/ مايو 1983، أو “الاتفاق الذي سقط”.
(5) – في تلك الفترة، حضر السفير ذو الأصل اللبناني فيليب حبيب إلى بيروت لمتابعة العدوان الصهيوني وتسديد خطى من قاده ومن دعمه من القوى الفاشية اللبنانية. وأذكر أنه كان في بعض تصريحاته يحدد ماذا على جيش شارون أن يقوم به، أو إذا كان هنالك وقف مؤقت لإطلاق النار أم لا. من تصريحاته الشهيرة، كان التصريح المتعلق بقطع المياه عنا، إضافة إلى إيقاف ما كان يصل من كهرباء إلى بعض الأحياء القريبة من خطوط التماس. هذه الصلافة ممن هم من أصول لبنانية نجدها اليوم في وقاحة توم باراك بإعلانه ضرورة ضم وطننا إلى سوريا، كما نجدها في السفير الأميركي الجديد الذي طلب إلينا الرحيل من لبنان إن كنا لا نرضى بما يخططه رئيسه الأميركي.
(6)- أما المهمات المحددة، خاصة مسألة قيادة المقاومة وقيادات الظل في المنظمات، فكانت منظمة سلفاً…
(7) – لم نعرف سوى بعد يومين ما جرى في مخيمي صبرا وشاتيلا، عندما بدأت جموع النساء والأطفال الفلسطينيين واللبنانيين تتجمع بالقرب من منزل صائب سلام لتروي المجازر الوحشية التي تعرض لها أبناء المخيمين من فلسطينيين ولبنانيين…
(8) – كان للحزب الشيوعي بضعة مئات من المعتقلين في أنصار. وقد أسس الحزب، بعد خروج أول دفعة منهم، “تجمع معتقلي أنصار” الذي أضاف إليه معتقل عتليت في الأرض المحتلة في ما بعد. كما جمع قسماً من التراث الذي صنعه المعتقلون، لافتاً إلى هذه القضية المهمة عبر نشرات ومقالات ووفود إلى العالم. كما تم تركيز عناوين مشاركتنا في عيد جريدة “الأومانيته” الفرنسية (وهو عيد يضم مئات الوفود العالمية) على قضيتي المقاومة والمعتقلين.

عقيدة جابوتنسكي تمر القضية الفلسطينية في واحدة من أخطر مراحلها منذ النكبة الفلسطينية وإعلان قيام الكيان الصهيوني على 78% من أرض فلسطين التاريخية، إذ نشهد

الرأسمالية هي نظام اقتصادي اجتماعي سياسي عمره خمسة قرون؛ بدأ منذ القرن الخامس عشر (عصر النهضة)، ثم القرن السادس عشر حتى منتصف القرن السابع عشر

تطورت أساليب الحرب البيولوجية بشكل كبير وأكثر خطورة مما كانت عليه في السابق، فقد تطورت الأبحاث في مجال الحرب الجرثومية ومختبراتها بشكل علمي ومكثف، مما أدى إلى ظهور العديد من الأمراض والأوبئة الجديدة والفتاكة التي حصدت أرواح ملايين البشر.

إن التحديات التي تواجه العمالة الوطنية والوافدة كبيرة ومصيرية وأهمها يكمن في تشجيع اﻷيدي العاملة الوطنية المقبلة على سوق العمل على اﻻنخراط في القطاعات المختلفة في سوق العمل وإيجاد علاقة تكاملية بين العمالة الوطنية والوافدة من أجل إيجاد حالة من التجانس واﻻستقرار في تركيبة السوق بدلاً من العلاقات التنافسية القائمة حالياً.



