الصمود والمقاومة في مواجهة الاستيطان والإبادة والتهجير

-+=

عقيدة جابوتنسكي 

تمر القضية الفلسطينية في واحدة من أخطر مراحلها منذ النكبة الفلسطينية وإعلان قيام الكيان الصهيوني على 78% من أرض فلسطين التاريخية، إذ نشهد يومياً تصاعد وتيرة “الاستيطان والإبادة” في ثنائية لم تتوقف منذ 78 عاماً، لكنها أصبحت أكثر توسعاً وتوحشاً، في ترجمة شبه حرفية لتعاليم “زئيف جابوتنسكي” الأب الروحي لليمين الصهيوني المتطرف، ومُلهم مؤسسي حزب الليكود، وصاحب عقيدة “الجدار الحديدي” وفرض إقامة “دولة اليهود” بالقوة العسكرية وكل وسائل البطش، وأن “الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يوافق بموجبها العرب على دولة يهودية في فلسطين هي القوة التي تسحقهم وتذعنهم”، فحلم إسرائيل الكبرى من منظوره يمتد على ضفتي نهر الأردن، وصولاً إلى الفرات شرقاً والنيل غرباً.   

من هذه التعاليم يستقي “نتنياهو” قناعاته التي يضعها حيز التنفيذ عبر الضغط العسكري المفرط والتدمير الوحشي طريقاً وحيداً لضمان “أمن إسرائيل”. 

لقد عمل نتنياهو على إنهاء “اتفاقيات أوسلو”، المرفوضة من غالبية شعبنا وقوى مقاومته، بسبب ما فيها من تنازلات من منظوره الصهيوني المتطرف، وهو ينطلق من اعتبار “عملية السلام” مع الفلسطينيين نوعاً من “التسوية السلمية غير المقبولة” التي حذر منها “جابوتنسكي”، وأن الحل الوحيد بالنسبة لجابوتنسكي، الذي يتبناه نتنياهو، هو “دولة يهودية قوية ترفض أي تنازلات، وتتصدى للتهديدات التي تواجهها باستعراض واستخدام القوة الغاشمة والمدمرة، فالقوة العسكرية الساحقة هي التي تضمن البقاء للدولة اليهودية وتجبر العرب على الخضوع لها”.

الاستيطان والتهجير

في ظل هذه المرجعية الفكرية الصهيونية العنصرية الاستعمارية، وأداة تنفيذها المباشرة في المرحلة الراهنة، وزير مالية كيان الاحتلال “بتسلئيل سموتريتش” مسؤول ملف الاستيطان، شهدنا تصعيد الاحتلال الصهيوني لوتيرة عدوانه ضد شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، وإمعانه في تدمير ما تبقى من بنى تحتية، بما فيها الواقعة داخل المناطق التي تقع تحت سيطرته من مساحة قطاع غزة، واستمرار اقترافه لجرائم الإبادة والتطهير العرقي، ما يؤكد إصرار الاحتلال على القضاء على ما تبقى من مقومات الحياة والبقاء، ومنع إعادة الإعمار، سعياً منه لكسر “إرادة الوجود”، والدفع باتجاه ممارسة كل أشكال الضغط والترهيب لتنفيذ مخطط التهجير، وتفريغ قطاع غزة وتطهيره من الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض والحق التاريخي. ولا يخفي نواياه في إعادة بناء المستوطنات والهيمنة على ثروات بحر غزة وفي مقدمتها احتياطيات الغاز الضخمة، والتمهيد لشق “قناة بن غوريون” بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وأقصر المسارات وأيسرها طبوغرافياً تنتهي بأرض وبحر غزة، ما يؤكد النوايا الحقيقية والمباشرة وراء العدوان والإبادة ومخطط التهجير. 

الأونروا وحق العودة

يضاف إلى هذه التحديات السعي لتقويض مقومات صمود شعبنا في غزة، وتوجه ما يسمى “بمجلس السلام العالمي” لإلغاء دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، الشاهد الأممي – القانوني والسياسي الأبرز على النكبة والحق في العودة، والسجل الحي للاجئين الفلسطينيين، في سعي بائس من “مجلس السلام” لطي صفحة الحق العربي الفلسطيني في العودة، وآخر اعتداءات الاحتلال المنسجمة مع توجهات “مجلس السلام”، إخلاءه كلية قلندية للتدريب المهني القريبة من القدس بالقوة، وقراره بهدمها لاحقاً، وهي آخر مؤسسات “الأونروا” التي كانت قائمة في محيط مدينة القدس، وكانت تُخَرِج سنوياً قرابة 300 مُتَدرِب من أبناء لاجئي شعبنا داخل الضفة العربية، في 16 تخصصاً مهنياً.

إن ما يجري هو جزء من مشروع سياسي عدواني، يهدف إلى إعادة تعريف قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتجريدهم من المؤسسة التي تجسد مسؤولية المجتمع الدولي عنهم، تمهيداً لفرض ترتيبات سياسية تتجاوز (تُلغي) الأسس القانونية التي تأسست عليها الوكالة. ويأتي استهداف الأونروا كذلك، ضمن مسعى إعادة صياغة الملف الإنساني للاجئين الفلسطينيين خارج إطار الأمم المتحدة، وإقصاء الوكالة عن المشهد المستقبلي لقطاع غزة وإعادة الإعمار، على طريق تصفية حق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها وفقاً للقرار الأممي ١٩٤.

اليمين الصهيوني والخطر الوجودي

إن تصعيد العدو الصهيوني عدوانه ضد شعبنا في قطاع غزة، وارتفاع معدل ارتقاء الشهداء اليومي، والتدمير الوحشي لما تبقى من بنى تحتية في القطاع الصامد، يشكل استمراراً لحرب الإبادة، التي لم تتوقف منذ الثامن من أكتوبر 2023، إلى جانب إصرار الاحتلال على إفشال البدء بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بعد أن توصلت فصائل المقاومة إلى صيغة اتفاق نهائي مع الوسطاء للشروع بتنفيذها ومعالجة كل ما يتعلق بها من أبعاد. 

لا شك أنه في قلب الأسباب المباشرة لهذا التصعيد تبرز الأجندة الانتخابية لنتنياهو، التي تشكل دافعاً رئيسياً يسعى من خلاله إلى تعديل الرأي الانتخابي في المجتمع الصهيوني الذي تحول لترجيح كفة معارضيه، من اليمين المتطرف أيضاً، ويحرمه من فرص تشكيل حكومة بعد انتخابات الكنيست القادمة، وكل هذا في ظل عدم تنفيذ ترامب وإدارته لتعهداتها بضمان انجاز مراحل وقف إطلاق النار، وعدم ممارسة الضغوطات الكفيلة بإجبار نتنياهو على تنفيذها والشروع بانسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة.

إن هيمنة اليمين الصهيوني المتطرف في كيان الاحتلال، حكومة ومعارضة، أصبح مظهراً مقرراً في المجتمع الصهيوني وسياسات حكومته، بمختلف مؤسساتها تجاه شعبنا الفلسطيني في الضفة وغزة والمناطق المحتلة عام 1948، وفي قلب أسباب صعود وهيمنة اليمين الصهيوني المتطرف، نجد حالة غير مسبوقة من اليقين الجمعي “بالخطر الوجودي”  المحدق بكيان الاحتلال و”دولته”، وانكشاف عناصر الخلل والعجز الاستراتيجي في بنية جيشه، وانكسار عقيدته الأمنية، التي بناها خلال عقود، بعد صمود المقاومة في غزة لأكثر من عامين عقب السابع من أكتوبر،  وبعد فشل حربه بالشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية ضد إيران وقوى جبهة المقاومة، وتحول قوى جبهة المقاومة إلى واقعٍ، فَشِلَ العدوان في القضاء عليها واحتوائها. 

بالاستناد إلى قراءات بحثية موضوعية، نجد أن بنية ومكونات الكيان الصهيوني الفسيفسائية، ونزوعها نحو اليمين المتطرف، باتت تشكل ما بين 85 – 90% من مجتمعه، وهو، بكافة مكوناته، مُجْمِعٌ على رفض الحقوق الفلسطينية بأدنى صورها، بل ويلتقي على هدف التهجير كمخرج له من تحدي الوقائع الديمغرافية العنيدة، إذ أن تعداد الشعب الفلسطيني في المنطقة الجغرافية الواقعة بين نهر الأردن وشاطئ البحر المتوسط الفلسطيني (فلسطين التاريخية، وتضم غزة، الضفة، ومناطق 48) وصلت إلى 7.5 مليوناً، بينما لا يتجاوز عدد الصهاينة المستوطنين 7.2 مليوناً. ما يؤكد تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه، ورفضه تكرار تجربة اللجوء، وأن الصراع مع هذا الاحتلال هو صراع وجود. ولم يعد ممكناً الحديث عن “برنامج وطني فلسطيني” بعيداً عن الخيارات التي تؤدي لإنهاء وتفكيك المشروع الصهيوني وكيانه الاستعماري الاحتلالي برمته.

ذاكرة النكبة من جديد 

إن استمرار مسلسل الاستيطان الصهيوني وتصاعده في عهد نتنياهو ووزير ماليته الإرهابي “سموتريتش” وصل إلى حد الاستيلاء على أكثر من مليون دونم من مساحة الضفة الغربية، حَوَل معظمها إلى بؤر استيطانية جديدة، يستخدمها المستوطنين “للزراعة والرعي”، في سياق مخططٍ أعلنه نهاية العام 2025 للاستيلاء على 82% من مساحة الضفة الغربية، وشطب أربع مدن فلسطينية: سلفيت، طوباس، بيت لحم، وقلقيلية، وتحويل ما تبقى من الوجود الفلسطيني إلى معازل على مساحة لا تتجاوز 18% من مساحة الضفة الغربية. وفي سياق متصل يستمر بناء آلاف الوحدات الاستيطانية ضمن مخططٍ لبناء 47 ألف وحدة سكنية استيطانية جديدة في مختلف مناطق وبلدات الضفة الغربية، بالتزامن مع هدم مئات المنازل لأبناء شعبنا الفلسطيني، وتهجير ونزوح داخلي لأكثر من 40 ألفاً في الضفة الغربية وحدها، ومنع قرابة 33 ألفاً من العودة لمنازلهم في مخيمات شمال الضفة: مخيم جنين، مخيم طولكرم، ومخيم نور شمس، وتهجير أكثر من 20 تجمعاً فلسطينياً بدوياً في مناطق الأغوار، بفعل اعتداءات المستوطنين المستمرة، الذين أطلقت سلطات الاحتلال العنان لعصاباتهم المسلحة والمتطرفة، ينكلون بأبناء شعبنا، يحرقون منازلهم ومزارعهم، ويسرقون مواشيهم بحماية جيش الاحتلال الصهيوني. ما يعيد إلى الذاكرة إرهاب العصابات الصهيونية قبل وخلال نكبة العام 48.

في ذات السياق يمعن الاحتلال في عمليات تهويد الأقصى ونقل مسؤولية حراسته لليهود الحريديم، الأكثر تطرفاً، لتفريغ المسجد الأقصى من الفلسطينيين وفرض السيادة الصهيونية عليه، وتغيير الواقع التاريخي والقانوني في مدينة القدس، العاصمة الأبدية لفلسطين، تمهيداً لبناء الهيكل المزعوم.

مهمة تاريخية

 عربياً، كل هذا يستدعي موقفاً عربياً رسمياً وشعبياً حازماً يضع حداً لهذه الانتهاكات، وينتصر لفلسطين ومقاومة شعبها بالأفعال المؤثرة.

فلسطينياً، في ظل هذه التحديات الوجودية التي يواجهها شعبنا الفلسطيني، أصبحنا أمام مهمات ملحة على عاتق كافة فصائل المقاومة والقوى الفلسطينية الحية، تحتاج إلى جرأة الشروع بمراجعات كبرى تؤدي لبناء وحدة وطنية على أساس برنامج مقاومة شاملة بكل ما هو متاح، كمهمة تاريخية راهنة لا تحتمل التأجيل، لقطع الطريق على مخطط التهجير، وتمكين شعبنا من البقاء والصمود الذي يُعتبر بحد ذاته مقاومة للاحتلال، وأحد أهم عوامل الانتصار على هذا الاحتلال ودحره.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

د. ماري الدبس لـ «تقدُّم»: بيان 16 سبتمبر كان شرارة الرد على العدو الصهيوني وعملائه ومواجهة العدو اليوم لا بد أن تكون مقاومة وطنية وعربية موحدة

44 عاماً على إعلان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» من قلب بيروت المقاوِمة في 16 أيلول/ سبتمبر العام 1982… تاريخ نعود إليه فنجذب إلى

الحروب البيولوجية استراتيجية عسكرية

تطورت أساليب الحرب البيولوجية بشكل كبير وأكثر خطورة مما كانت عليه في السابق، فقد تطورت الأبحاث في مجال الحرب الجرثومية ومختبراتها بشكل علمي ومكثف، مما أدى إلى ظهور العديد من الأمراض والأوبئة الجديدة والفتاكة التي حصدت أرواح ملايين البشر.

سوق العمل الكويتي على مفترق طرق

إن التحديات التي تواجه العمالة الوطنية والوافدة كبيرة ومصيرية وأهمها يكمن في تشجيع اﻷيدي العاملة الوطنية المقبلة على سوق العمل على اﻻنخراط في القطاعات المختلفة في سوق العمل وإيجاد علاقة تكاملية بين العمالة الوطنية والوافدة من أجل إيجاد حالة من التجانس واﻻستقرار في تركيبة السوق بدلاً من العلاقات التنافسية القائمة حالياً.