المعلم بين قرارَين

-+=

لا تقوم مدرسة بلا معلم. هو مَنْ يحوّل المنهج من ورق إلى فهم، ومَنْ يقف أمام ثلاثين طفلاً كل صباح ليصنع منهم أناساً قادرين على القراءة والتفكير والعمل.

ولهذا تُقاس جدية أي دولة في التعليم لا بعدد مبانيها ولا بأجهزتها، بل بالطريقة التي تعامل بها مَنْ يقف في الفصل: هل تحترم استقرار عمله، وتقدّر تأهيله، وتشركه في القرارات التي تمسّ مهنته؟، ذلك أنّ احترام المعلم ليس مجاملة، بل شرطٌ لجودة التعليم نفسه، لأنّ معلماً لا يأمن على غده لا يستطيع أن يصنع غد غيره.

على هذا المعيار يفترض أن يُقرأ ما جرى في الكويت بين السابع والثالث عشر من سبتمبر الجاري.

القرار الأول: سبعة آلاف إشعار

أنهت وزارة التربية خدمات ٧٠١٩ معلماً ومعلمة من الوافدين، حيث بلغ كثيرين منهم القرار عبر إشعار في تطبيق «سهل» قبل أيام من بدء الدراسة… أما المبرر المعلن فهو معالجة فائض تقدّره الوزارة بنحو ٣٣ ألف معلم ومعلمة، وتوفير ٤٢ مليون دينار، وتسريع التكويت.

وإذا كان حق الدولة في تنظيم مواردها وتوظيف أبنائها أمر لا يناقشه أحد، فإنّ الاعتراض على الطريقة أمر مشروع: ذلك أنّ مَنْ ستنهى خدماتهم معلمون قضى بعضهم عقوداً في مدارس الكويت، لهم أسر وسكن وأبناء مسجلون في المدارس، بحيث وصلتهم رسالة نصية مقتضبة، من دون فترة انتقالية كافية، وبلا معايير معلنة تفسّر لماذا هذا لا ذاك؟

والأخطر أنّ القرار نُفّذ فوق خلل قائم أصلاً: سوء توزيع المعلمين بين المدارس والمناطق. إذ أنّ الفائض الذي تتحدث عنه الوزارة رقمٌ إجمالي؛ أما على الأرض فهناك مدارس تتخم بمعلمي تخصص ما، بينما تعاني مدارس أخرى عجزاً في التخصص نفسه. ومن هنا فإنه حين تُنهى الخدمات بمنطق «التخصص الفائض» دون إعادة توزيع مسبقة، ينتقل الفائض من خانة إلى خانة والعجز يبقى حيث كان… أي أن التخفيض سبق إعادة التوزيع، بحيث يدفع الطالب والمعلم الكويتي الفاتورة: فصول أكثر ازدحاماً وأنصبة حصص دراسية أعلى على المعلمين المستمرين.

القرار الثاني: سنة بلا كادر

بعد أيام تم تعديل جدول قانون الكادر ٢٨/٢٠١١، بحيث جرى استحداث وظيفة «معلم متدرب» ليقضي فيها الخريج الكويتي من كليات التربية سنة كاملة براتب فقط من دون بدلات، ولا ينتقل إلى درجة «معلم» إلا بعد «اجتياز» برنامج تدريبي.

نعم، للفكرة وجه معقول؛ التدريب قبل التمكين ممارسة معروفة، لكن هناك ثلاث مسائل تحوّلها إلى مشكلة:

الأولى، أنّ خريج كلية التربية أنهى تربية عملية معتمدة داخل المدارس كمعلم متدرب، فبأي منطق يُعامل على نحو مختلف عن طبيب الامتياز الذي يأخذ كادره من يومه الأول؟ 

الأخرى، أنّ معايير «الاجتياز» لم تُعلن، وهنا يصبح التقييم أداة محتملة لضبط الأعداد لا لقياس الكفاءة. 

الثالثة، أنّ هناك خشية من فتح الباب أمام اقتطاعات لاحقة بالطريقة نفسها.

الجمع بين القرارَين: قرار إنهاء الخدمات وقرار “المعلم المتدرب” يرسم صورة واحدة: خروج معلم مكتمل الخبرة من باب، ودخول معلم بأجر أدنى من الباب الآخر – وقد أُرجئ تعيين هؤلاء أسبوعين أيضاً – وتوفيرٌ يتحقق مرتين على حساب طرفَين.

الجمعية الغائبة

واللافت هنا أنّه في هذه المعمعة ثمة طرف لم يظهر: جمعية المعلمين الكويتية. خلال أسبوع القرارَين لم يُرصد لها بيان يعترض أو يستفسر أو حتى يطمئن. الأصوات التي طالبت بكادر المتدرب جاءت من كتّاب رأي، لا من الهيئة التي وُجدت لتقول هذا.

الغياب هنا ليس تفصيلاً. فالجمعية مؤلفة النص الذي عُدّل؛ صاغت مسودة قانون ٢٠١١ ونجحت في الدفع نحو تعديله عام ٢٠١٧. فحين يُستبدل جدوله في ظل غيابها، ومن دون أن تشير إلى ذلك، فإنّ المسألة تتحول إلى امتناع عن إبداء الموقف لا عجزاً عن الفهم. وقد يُقال إن عضويتها للكويتيين وأن قرار الإنهاء لا يمسّهم؛ لكن علينا أن نتذكر أن اسمها جمعية المعلمين الكويتية وليس الكويتيين، وأنّ جانباً من الأثر المباشر لقرار إنهاء الخدمات يقع على أعضاء الجمعية من زملاء المهنة الكويتيين: عبء أكبر، وزملاء جدد بأجر أدنى، وسابقة تحويل المعلم خريج كليات التربية، التي تدرب تحت إشرافها إلى متدرب… ومَنْ يصمت عن إخراج سبعة آلاف زميل بإشعار هاتفي، لن يجد مَنْ يسمعه حين يُخرَج المعلم الكويتي نفسه من الكادر.

ثم إن الجمعية سبق أن أشادت بخطط التكويت، وهو موقف مشروع، لكنها لم تقرنه يوماً بالسؤال الضروري: هل التكويت إحلال المواطن بشروط المواطن؟ أم بشروط أدنى؟ ولأنها لم تسأل حين كان السؤال ممكناً، وصلتها اليوم الإجابة جاهزة.

ما كان ينبغي أن يُقال

لم يكن مطلوباً رفض التكويت، بل هناك خمسة مطالب تقع في صميم دور أي هيئة مهنية: 

١- إعادة توزيع المعلمين قبل إنهاء الخدمات لا بعده.

٢- فترة انتقالية مناسبة لمن تُنهى خدماتهم.

٣- معاملة خريج كليات التربية معاملة طبيب الامتياز.

٤- إعلان معايير الاجتياز سلفاً.

٥- تحديد أثر إنهاء خدمات المعلمين الوافدين على أنصبة المعلمين المستمرين من الجدول المدرسي قبل تنفيذها.

في الختام، مهنة يزيد عدد العاملين فيها عن تسعين ألفاً تُدار اليوم ملفاتها الكبرى في ظل غياب مَنْ يفترض أن يمثّل المعلمين.

نعم، قد تكون الوزارة وفّرت ٤٢ مليون دينار؛ لكن ما خسرته ثقة مَنْ يقف في الفصل بأنّ مهنته محترمة ومستقرة، وهي خسارة لا تظهر في بنود أي ميزانية، وسيسددها على الحساب كل من الطالب والمعلم.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

عبد الناصر… بين التشويه ورد الاعتبار

تعددت الأساليب والأسباب والدوافع وبقي الهدف هو إسقاط رمزية ومشروع عبد الناصر في نفوس الجماهير بشكل أساسي. هذا الفيصل بين ناصر ومن يرغب بشيطنته، إذ قدم ناصر صيغة تحررية معادية للرجعية والاستعمار مدعومة بإيمان جماهيري حقيقي يعكس من خلاله رغبة الجماهير بالانعتاق من السيطرة الاستعمارية ويمثل حلم السيادة الوطنية والاقتصادية. على الطرف الآخر قدم مناوئو ناصر صيغاً ما بين نخبوية و سطحية و انعزالية لا ترتقي للظرف التاريخي الذي نشأت به تجربة عبد الناصر الوطنية والتحررية

كلب أوديسيوس.. العِبرة لمن اعتبر

أوديسيوس وآرجوس تابع الجميع فيلم “الأوديسة” من ناحية التقييم فلا بأس به إلا أنه لم يتجاوز مستوى كتابات هوميروس (الالياذة والأوديسة). أوديسيوس ملك إيثاكا -إحدى

هل نعيش التناقض أم نحلّه؟ .. التنافر المعرفي في المجتمعات العربية

التنافر المعرفي ليس المشكلة بحد ذاته… التناقض جزء طبيعي من كوننا بشراً. المشكلة تبدأ عندما يتحول التناقض إلى نظام دائم، وتصبح مهمتنا الأساسية ليست إصلاح الواقع، بل اختراع تفسير يسمح لنا بالاستمرار داخله دون شعور بعدم الراحة.