الدولة التي لم تؤسس وهشاشة المعنى السياسي في أفريقيا ما بعد الاستعمار

-+=

أزمة الدولة كمفهوم في أفريقيا هي ليست أزمة مؤسسات بالمعنى التقني أو كما أطرت لها السرديات وليست مجرد فشل إداري إذا افترضنا وجود مؤسسات يمكن معالجته بإصلاحات تكنوقراطية أو هندسة قانونية أكثر كفاءة، لكن جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير فهو يكمن في مستويات المعنى فالدولة في كثير من السياقات الأفريقية لم تحقق كفكرة داخل الوعي الجمعي ولم تتحول إلى تمثيل رمزي مشترك يؤسس لانتماء سياسي مستقر ، بل أخذت كموروث من مرحلة ما قبل الاستقلال والتي كانت الدولة كهيكل لضبط المجتمع في يد المستعمر، وبالتالي فإن ما يبدو ظاهرياً كضعف واختلال في مفاصل الدولة هو في حقيقته تعبير عن غياب الترسيخ الرمزي للدولة داخل المخيال الاجتماعي، فمن خلال زاوية النظر هذه نستطيع ان نزيل الضباب عن الثنائية المضللة التي هيمنت على أغلب سرديات تحليل التخلف السياسي في أفريقيا وهو هل السبب هو الاستعمار أم النخب الحاكمة؟ من خلال هذا نكتشف قصر السؤال نفسه لأنه سؤال افترض وجود دولة مكتملة المفاصل ثم يبحث عن أسباب تعثرها بينما الواقع يشير إلى أن الدولة كبناء حديث لم يستوعب كإطار جامع، بل بقيت ككيان معلق بين الشكل والهيكل المستورد بدون مضمون. في هذا السياق نستطيع من خلال الأنثروبولوجيا السياسية وأدوات تحليلها المختلفة التي تنظر إلى الدولة ليست كجهاز قانوني بل كتمثيل رمزي للسلطة داخل المخيال الاجتماعي فالدولة من خلال هذا المعنى لا تقوم على الدساتير والقوانين فحسب، بل على قدرتها على أن تفهم كحقيقة مشتركة وعند فشل هذا التمثيل تصبح الدولة مجرد سطح إداري هش لا عمق له في التجربة اليومية للمجتمع، والواقع الأفريقي شاهد على ذلك. 

ما حدث في تجارب ما بعد الاستعمار في أفريقيا هو أن الدولة ولدت كحدود جغرافية قبل أن تكون سردية تاريخية، فالمجتمعات التي وجدت نفسها داخل هذه الحدود لم تقد تجربة تاريخية مشتركة تنتج شعوراً جماعياً بالانتماء السياسي.  وبدل أن تكون الدولة نتيجة لمسار اجتماعي أصبحت شرطاً مفروضاً عليه لذلك نجد وبكل وضوح ان الانفصال بين الدولة والمجتمع الذي أوصل الى التخلف السياسي قد تحول إلى بنية دائمة الاستمرار، فالدولة بدل أن تذيب التعدد داخل إطار عقد جامع ومن ثم المواطنة أعادت إنتاجه داخل (القبيلة أو الجسم السياسي أو الطائفة أو.. الخ). وهكذا لم تعد الدولة مجرد وسيط محايد بل ساحة تتصارع فيها الولاءات. وفي هذا السياق المؤسسات لم تفهم كآليات للعدالة بل كقنوات لتوزيع الامتيازات وهذا ما ألغت وجودها. الأخطر من ذلك أن هذا الوضع قد تسرب إلى الوعي ذاته فالمواطن لم يعد يرى في الدولة كمصدر للحقوق ولا القانون كمرجعية بل كعائق يمكن تجاوزه عبر العلاقات وهنا يحدث التحول الحاسم لانهيار الدولة بفقدان معناها في وعي من يفترض أن يعيشوا داخلها (المجتمع). كما أشار اندرسون في هذا الإطار الى فكرة (الجماعات المتخيلة) بحيث يفهم المجتمع كنتاج تخيل مشترك لا كمعطى طبيعي فإذا كانت الدولة تحتاج إلى هذا التخيل كي تستقر فإن غيابه يفسر هشاشتها ففي غياب (نحن) تبقى الانتماءات الجزئية هي الأكثر فاعلية وتتحول الدولة إلى إطار شكلي يجمع ما لا يجتمع، فالمجتمع في ظل هذه الظروف هو ليس مجرد ضحية لبنية مفروضة بل فاعل يساهم بوعي أو بدونه في إعادة إنتاجها، أي عندما يفضل الولاء على الكفاءة فذلك لا يعكس بالضرورة ضعف الدولة بل يعكس أزمة في أخلاق المجال العام وهنا تتعمق المعضلة. الدولة لا تتجذر لأنها لا تمارس كقيمة والمجتمع لا يتغير ولا يقبل التغيير لأنه لم يعد تعريف نفسه خارج شبكات الانتماءات الأولية. اذاً من هذا المنظور الدولة لن تبنى فعلياً ما لم تكن متخيلة أي ما لم تتحول من جهاز يدار إلى معنى مفهوم ومعاش فالتحدي الحقيقي في أفريقيا ما بعد الاستعمار ليس فقط في بناء مؤسسات قوية بل في إعادة إنتاج فكرة الدولة ذاتها كأفق جماعي وكمساحة للعدالة وكإطار يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع على أساس المواطنة وليس على أساس الانتماء الضيق، دون هذا التحول ستظل الدولة عبارة عن نمط مستقر من اللادولة مزخرفة في شكل يسمى دولة قائمة كحدود جغرافية ومرسومة في خرائط حضور قانوني وغياب فعلي.

لهذا سيظل السؤال قائماً: هل يمكن تخيل دولة حديثة تنبثق من داخل هذه البنية المعقدة أم أن المطلوب هو شكل مختلف من التنظيم السياسي يتجاوز النموذج المستورد؟

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

عبد الناصر… بين التشويه ورد الاعتبار

تعددت الأساليب والأسباب والدوافع وبقي الهدف هو إسقاط رمزية ومشروع عبد الناصر في نفوس الجماهير بشكل أساسي. هذا الفيصل بين ناصر ومن يرغب بشيطنته، إذ قدم ناصر صيغة تحررية معادية للرجعية والاستعمار مدعومة بإيمان جماهيري حقيقي يعكس من خلاله رغبة الجماهير بالانعتاق من السيطرة الاستعمارية ويمثل حلم السيادة الوطنية والاقتصادية. على الطرف الآخر قدم مناوئو ناصر صيغاً ما بين نخبوية و سطحية و انعزالية لا ترتقي للظرف التاريخي الذي نشأت به تجربة عبد الناصر الوطنية والتحررية

كلب أوديسيوس.. العِبرة لمن اعتبر

أوديسيوس وآرجوس تابع الجميع فيلم “الأوديسة” من ناحية التقييم فلا بأس به إلا أنه لم يتجاوز مستوى كتابات هوميروس (الالياذة والأوديسة). أوديسيوس ملك إيثاكا -إحدى

هل نعيش التناقض أم نحلّه؟ .. التنافر المعرفي في المجتمعات العربية

التنافر المعرفي ليس المشكلة بحد ذاته… التناقض جزء طبيعي من كوننا بشراً. المشكلة تبدأ عندما يتحول التناقض إلى نظام دائم، وتصبح مهمتنا الأساسية ليست إصلاح الواقع، بل اختراع تفسير يسمح لنا بالاستمرار داخله دون شعور بعدم الراحة.

هايتي: مختبر العقاب الإمبراطوري الحديث

جزيرة هايتي تعتبر المثال الأبرز لمصطلح ”الفناء الخلفي لواشنطن“، لأنها تاريخياً كانت تشكل تهديداً وجودياً منذ عام 1804، حين تأسس أول كيان جمهوري في أميركا