قراءات حول كتاب “أطر الحرب” للكاتبة جوديث بتلر .. سياقنا السوداني كنموذج تحليلي 

-+=

في كتابها “أطر الحرب” تفتح الكاتبة جوديث بتلر نافذة أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الفكر المعاصر: كيف تنتج السلطة تصورنا لماهية الإنسان ولماذا تعد حياة بشرية تستحق الحماية أو التذكر وأي من الأجساد تترك للموت أو تمحى من الذاكرة العامة دون أثر. هذا هو السؤال الأخلاقي العميق. لا يتعلق الأمر بالحروب وحدها بل ببنية الوعي السياسي الذي يجعل من بعض الحياة مرئية ومأسوفاً عليها عاطفياً، ومن جهة أخرى غير مرئية وكأنها لم توجد قط. ترى بتلر أن الحرب ليست مرتبطة، فقط، بآلية القتل بل بإطار معرفي وأخلاقي يحدد من يستحق أن ينعى ويحزن عليه ويستباح، ومن تقدم معاناته بوصفها مأساة إنسانية ومن تعرض معاناته كأثر جانبي مشروع في طريق الأمن أو النظام أو الدين أو القومية. خلال هذا التحليل يصبح السؤال عن الحرب سؤالاً عن اللغة والإعلام والمخيال الجمعي تسوق الواقع لا عن الرصاص وحده، فالإطار المرسوم كما تصفه بتلر هو ما يجعل حياة البعض قابلة للرؤية وحياة أخرى خارج التمثيل. إن ما يعيد إنتاج القتل هو مستوى الخطاب الذي يخضع للخارطة السياسية ويحول الضحايا إلى أرقام وأضرار جانبية للحرب. ضمن هذا المنظور لا تعود الحرب كحدث من الأحداث الاستثنائية بل شكلاً دائماً من إنتاج اللامرئي وتكريس اللا تعاطف معه وتثبيت الهرمية الأخلاقية في بنيتها العامة. إذا اسقطنا هذا الإطار في السياق السوداني نجد أنفسنا أمام نموذج واضح لتجذر هذه الأطر في الجسد الاجتماعي والسياسي فالحرب في السودان لم تكن مجرد صراع مسلح بين أطراف متنازعة مشحونة بزيف القبيلة، بل نتاج بنيوي لقرون من هندسة الوعي واحتكار المعنى، مثال لذاك الخرائط الرمزية التي حكمت تصور الدولة والهوية في السودان بنيت على مركزية عرقية وثقافية أعادت تعريف من هو الإنسان السوداني ومن هو الآخر، وبالتالي حين اندلعت الحروب في مناطق الأطراف لم ترَ الضحايا بوصفهم ضحايا حرب غير عادلة بل وضعوا ضمن سرديات التمرد والتهديد للنظام العام …إلخ وهي سرديات تشرعن القتل من داخل اللغة ذاتها. ما تكشفه لنا بتلر عن أطر الحرب يتجلى بوضوح في طريقة تصوير الضحايا من السودانيين في الإعلام المحلي والدولي على حد سواء فالدم السوداني لا يثير بالضرورة التعاطف العالمي إلا في بعض المناطق وهو ما يعيد فكرة خطاب المركز والهامش الذي ظل تؤطر له كل قنوات السلطة، وبالتالي خلقت تمييزاً بين الضحايا على حسب الجغرافيا و…… الخ. وهنا تذكرنا بتلر بأن الحرب تبدأ حين يعاد ترتيب الحس العام بما يسمح بمرور العنف دون مساءلة وهذا ما حدث في السودان مراراً وتكراراً فقبل كل إبادة أو حملة عسكرية تكون هناك تهيئة لغوية وثقافية تسبق الفعل تشيطن الآخر وتجرده من صفة الإنسان، في هذا تتجلى ما تسميه بتلر باللا إنسانية الممأسسة أو الممنهجة حيث يصبح العنف مبرراً لأن الضحايا خارج الإطار غير مرئيين وغير معروفين في النظام وبالتالي غير جديرين بالحياة.

السياق السوداني يقدم نموذجاً واضحاً على تفكك الإطار الإنساني المشترك إذ لم تفلح الدولة ولا النخب المثقفة في إنتاج تصور متكافئ للحياة فظل مفهوم الإنسان السوداني نفسه محكوماً بمقاييس الانتماء الإثني واللغوي والديني والجغرافي. ما تطرحه بتلر عن قابلية الحياة والاعتراف يفتح أمامنا السؤال المؤلم التالي: من الذي يمتلك سلطة الاعتراف بالآخر في السودان؟ ومن الذي يقرر من يرى ومن يمحى من ذاكرة العامة؟ تلك السلطة الرمزية التي تديرها النخب والمؤسسات السياسية هي من جعلت الحرب ممكنة لا كوقائع طارئة تشرعن مصالحها، بل كنتيجة منطقية لمسار طويل لإعادة إنتاج اللامساواة في القيمة الإنسانية، ومن الجانب الآخر تستوضح قراءة بتلر لنا فهم الحرب السودانية لا كصراع داخلي فقط بل كنتاج لإطار أوسع تشكل تاريخياً بفعل الاستعمار وما بعده فالإطار الاستعماري ذاته هو الذي صاغ مفهوم المركز الحضاري مقابل الهامش البدائي وهي الثنائية التي تبنتها النخب السودانية بعد الاستقلال دون تفكيك، فبهذا المعنى فإن الحرب ليست سوى استمرار رمزي لتلك البنية التي أعادت تعريف من يستحق الحياة ومن يمكن التضحية به مقابل الحفاظ على طبيعة الدولة.

من خلال فكرة بتلر يمكن القول إن مهمة التفكير النقدي في السودان اليوم ليست فقط إدانة العنف بل تفكيك الأطر التي جعلت من هذا العنف ممكناً ومقبولاً فكل خطاب إعلامي على شتى مستوياته وكل السياسات التعليمية وكل رؤية دينية أو ثقافية تكرس الاختلاف الوجودي بين الناس تسهم في تثبيت إطار حرب دائم يجعل من الحياة ذاتها أداة تفاوض. والسؤال الجوهري الذي تطرحه بتلر ويجب أن يطرح في السودان هو كيف يمكننا إعادة صياغة الإطار بحيث ترى كل حياة كحياة مستحقة، وكل موت كخسارة مشتركة؟

كتاب “أطر الحرب” يمثل مرآة عاكسة لفهم سياقنا السوداني بوصفه ساحة إختبار لأخلاقيات الرؤية والاعتراف بحيث تصبح مهمة الفكر والمجتمع هي كسر الإطار القديم وبناء لغة جديدة تعيد للإنسان السوداني مكانته في فضاء الوجود الإنساني المشترك، لهذا نحتاج أن نعيد النظر في السياسة والإعلام والقانون والتعليم السوداني ليس فقط لإنهاء الصراعات المسلحة بل لإعادة الاعتراف بالإنسانية المشتركة، وفك الإطار الذي جعل الحرب ممكنة وجعل من حياة بعض من المجتمع السوداني أقل جدارة بالحزن، وأقل استحقاقاً للحماية والمساءلة. السودان بتاريخه المعقد يظهر بوضوح أن إعادة الاعتراف وإعادة الإطار هما مفتاحان لا غنى عنهما لأي مشروع سلام دائم ومستدام.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

“حارس سطح العالم”

صدر عن منشورات تكوين والدار العربية للعلوم – ناشرون رواية “حارس سطح العالم” للروائية بثينة العيسى، رسوم: محمد المهنا. الطبعة الـ ١١. فازت الرواية بجائزة

جائزة الشيخ يوسف بن عيسى الثقافية تُعلِن بمؤتمر صحفي تفاصيل دورتها الثانية بمشاركة ٤٦٥ عملاً من ٢٦ دولة

عقدت جائزة الشيخ يوسف بن عيسى الثقافية مؤتمرها الصحفي للإعلان عن تفاصيل دورتها الثانية (٢٠٢٦-٢٠٢٧)، مساء الثلاثاء ١٣ أكتوبر، على مسرح المركز الأمريكاني الثقافي في