سمير أمين: حين يُصبح الفكر ممارسة للتحرر الأفريقي

-+=

رحل سمير أمين، بعد ٨٦ عاماً من العطاء الفكري والنضالي. وما يلفتني، ويزعجني أحيانًا، في كثير من المنشورات التي تستعيد اسمه، أنها تحتفي بأفكاره أكثر مما تتوقف عند الممارسة التي جعلت من هذه الأفكار مشروعًا تاريخيًا. فقد كان أمين، في آنٍ واحد، مفكرًا وفاعلًا مؤسسيًا ومناضلًا سياسيًا، وربما هنا تحديدًا يكمن أحد أهم جوانب إرثه التي لا تحظى بما تستحقه من الانتباه. فقبل نظرياته حول التراكم على المستوى العالمي، والمركز والأطراف، والتبادل غير المتكافئ، كان هناك انشغال أعمق وأسبق: كيف تصبح أفريقيا ذاتًا لتاريخها، ومنتجة لمعرفة ذاتها، لا مجرد موضوع تنتج عنه المعرفة من خارجها؟ لقد سمعت أمين عام ٢٠١٢ يقول إنه كان بان- أفريقي Pan Africanist التوجه امتد منذ بداية مشروعه داخل أجهزة دولة ما بعد الاستقلال في مالي إلى انخراطه لعقود في بناء مؤسسات المعرفة والبحث في السنغال وفي أنحاء مختلفة من القارة، من  IDEP إلى  CODESRIA وENDA .

سمير أمين، بعد عودته إلى مصر عام ١٩٥٧، عمل في جهاز إدارة القطاع العام، حيث كان يتابع تمثيل الدولة في مجالس إدارات الشركات العامة وترجمة التوجهات الاقتصادية الكلية إلى قرارات على مستوى المؤسسات. ثم غادر مصر في يناير ١٩٦٠، وعمل لمدة ستة أشهر في Service des Études Économiques et Financières (SEEF)  في باريس. وهناك التقى بالاقتصادي الفرنسي جان بينار، الذي كان يعرف تجربته في التخطيط، وكان يعمل مع شارل بيتلهايم مستشارًا للحكومة الجديدة في السودان الفرنسي. وكان الاثنان يبحثان عن اقتصادي يمكنه أن يكون حلقة وصل دائمة في باماكو بين الخبراء والقيادة السياسية. ويذكر أمين صراحة أن اختيار اسمه مرّ عبر مادييرا كيتا  Madeira Keïta أحد أبرز رموز الجناح اليساري في الاتحاد السوداني–التجمع الديمقراطي الأفريقي US-RDA  وأن مادييرا وافق فورًا على ترشيحه. وكان «السودان الفرنسي» هو الاسم الاستعماري للإقليم الذي أصبح لاحقًا جمهورية مالي. وقد تبنت فرنسا هذه التسمية للإقليم الذي احتلته في غرب أفريقيا، فأصبح يعرف باسم «السودان الفرنسي». ثم تحول في عام ١٩٥٨ إلى «الجمهورية السودانية» ذات الحكم الذاتي داخل الجماعة الفرنسية، قبل أن يصبح دولة مستقلة باسم مالي عام ١٩٦٠. أما الاتحاد السوداني، فكان حزبًا سياسيًا مناهضًا للاستعمار تأسس في السودان الفرنسي، وأصبح الفرع المحلي للتجمع الديمقراطي الأفريقي، وهي حركة سياسية أفريقية واسعة نشأت في مستعمرات غرب أفريقيا الفرنسية. وفي تلك اللحظة كان الاتحاد السوداني، تحت قيادة موديبو كيتا، جزءاً من مشروع سياسي يسعى إلى تحويل الاستقلال السياسي إلى استقلال اقتصادي، من خلال التخطيط والتنمية وبناء مؤسسات الدولة الوطنية. ومن هنا جاءت أهمية وصول سمير أمين إلى باماكو في تلك اللحظة التأسيسية.

من التحرر الوطني إلى بناء الاقتصاد المستقل: سمير أمين وتجربة مالي 

وصل أمين إلى باماكو في ٢٠ سبتمبر ١٩٦٠، أي قبل يومين فقط من إعلان استقلال مالي رسميًا في ٢٢ سبتمبر. عُيّن أمين مستشارًا/ خبيرًا في وزارة التخطيط في حكومة موديبو كيتا، وكان وزير الاقتصاد الريفي والتخطيط هو سيدو باديان كوياتي، بينما كان دجيم سيلا مدير ديوان التخطيط. وهؤلاء، إلى جانب ماديرا كيتا وإدريسا ديارا، كانوا الحلقة السياسية والفنية التي عمل معها أمين بصورة مباشرة. لكن العلاقة كانت أوسع من التسلسل الإداري؛ فقد كان أمين يقول دومًا إن الجناح اليساري في الاتحاد السوداني كان يستقبله «كرفيق». وهنا تحديدًا يجب الحذر من الصورة التي تجعل أمين «خبيرًا أجنبيًا جاء ليكتب خطة». فبحسب روايته، كان التخطيط نتاج نقاش مستمر بين مجموعة من الاقتصاديين الأجانب من القارة وخارجها، ومجموعة من القيادات اليسارية المالية. كان المحور الأساسي هو بناء جهاز تخطيط لدولة مستقلة تقريبًا من الصفر. خرجت مالي من الاستعمار باقتصاد زراعي شديد الضعف، مع قاعدة صناعية محدودة جدًا، ولذلك كان السؤال الذي واجه فريق التخطيط هو: كيف يمكن تحويل الاستقلال السياسي إلى استقلال اقتصادي؟ وكانت الخطة التي شارك أمين في إعدادها تستهدف تطوير الزراعة والإنتاج الغذائي، وإنشاء قاعدة صناعية وطنية، وتوسيع القطاع العام، وإنشاء مؤسسات في القطاعات الاستراتيجية، وتنظيم التعاونيات الزراعية، وتقليص سيطرة رأس المال والتجارة الأجنبية، وبناء نظام نقدي مستقل، وتدريب جهاز الدولة والكوادر الاقتصادية. قد أُعيدت صياغة الخطة الأولى في صورة خطة خماسية للفترة ١٩٦١–١٩٦٥، مع تركيز خاص على الزراعة والتصنيع والمؤسسات العامة. وكان البرنامج الاستثماري الأول الذي أعده فريق التخطيط يتضمن استثمارات تقارب ٦٤ مليار فرنك CFA خصص نحو ٤٩% منها للزراعة والصناعات التحويلية والطاقة والمناجم. ولم يكن التصنيع بالنسبة إلى أمين يعني إهمال الريف لصالح المدن فمالي كانت مجتمعًا زراعيًا، ولذلك كان التصور أن التنمية يجب أن تبدأ من إعادة تنظيم الإنتاج الريفي. ولهذا ارتبطت الخطة بسياسة إنشاء التعاونيات الزراعية، أو ما عُرف بـ Groupements ruraux de production et de secours mutuels  أي التجمعات الريفية للإنتاج والتكافل. وفي هذا السياق، كانت أفكار الوزير الماوي سيدو باديان حول القرية باعتبارها وحدة للإنتاج والتسويق تتقاطع مع تصور الخطة، بينما كان أمين جزءًا من الفريق الذي حاول تحويل هذه المبادئ إلى برنامج اقتصادي قابل للتنفيذ. وكان أحد أهم جوانب التجربة هو تقليص هيمنة رأس المال الأجنبي من خلال إنشاء مؤسسات عامة في القطاعات الرئيسية، بما في ذلك مؤسسات في الصناعات التحويلية، ومؤسسات مرتبطة بالمناجم والطاقة، وأخرى مرتبطة بالتوزيع والخدمات. ومن أكثر الأشياء التي تستحق التوقف عندها أن أمين كان مساهمًا في النقاشات المتعلقة بالانتقال إلى عملة وطنية. ففي عام ١٩٦٢، انسحبت مالي من الاتحاد النقدي لغرب أفريقيا ومن منطقة الفرنك، وأصدرت عملتها الوطنية، الفرنك المالي. وكانت منطقة الفرنك إطارًا نقديًا نشأ في ظل الاستعمار الفرنسي واستمر بعد استقلال عدد من المستعمرات السابقة، وقام على عملات مرتبطة بالفرنك الفرنسي، وترتيبات تضمن قابلية التحويل، ومؤسسات نقدية إقليمية، بما أبقى جانبًا مهمًا من السياسة النقدية والمالية مرتبطًا بالنظام الاقتصادي الفرنسي. لذلك لم يكن قرار مالي رفضاً للتعاون النقدي في حد ذاته، ولا مجرد قطيعة سياسية مع فرنسا، بقدر ما كان محاولة لامتلاك أدوات نقدية وائتمانية تستطيع الدولة استخدامها لخدمة مشروعها الاقتصادي الوطني. وقد شارك أمين، إلى جانب فريق التخطيط، في النقاشات والإجراءات المرتبطة بإصدار العملة الجديدة، ومنها إعداد التعليمات التي كان يفترض أن تشرح للموظفين والجمارك كيفية التعامل معها. وبعد سنوات، كتب أمين عن تجربته في مالي، ولم يقدم هذه المرحلة باعتبارها نجاحًا كاملًا. على العكس، قال إن المرحلة، بخططها، كانت جيدة وتقدمية وقابلة للتنفيذ، وإن تنفيذها حقق نتائج إيجابية كان يمكن أن تشكل أساسًا لتقدم لاحق. لكنه رأى أن المشكلة بدأت في عملية التنفيذ وفي الخيارات السياسية والاقتصادية التي أضيفت لاحقًا إلى الخطة، وكان نقده شديدًا في عدة نقاط. أولًا، هوس «اللحاق» بالدول المتقدمة؛ فقد لاحظ أمين أن الخطاب المالي بدأ يتجه إلى فكرة rattrapage  أي اللحاق بالآخرين. وكان اعتراضه النظري يتمحور حول أنه لا يمكن لدولة طرفية أن «تلحق» ببساطة بالمركز الرأسمالي إذا ظلت تعمل داخل النظام نفسه الذي ينتج التبعية. ومن هنا بدأ يتشكل السؤال الذي سيصبح لاحقًا مركزيًا في نظريته: التنمية لمن؟ والتنمية من أجل ماذا؟ ثانيًا، انتقد أيضًا إنفاق الموارد المحدودة على مشروعات ذات قيمة رمزية سياسية، ولكن عائدها الاقتصادي والاجتماعي ضعيف، مثل المنشآت الضخمة ومشروعات البنية التحتية المكلفة ومظاهر «الحداثة» السريعة. ثالثًا، كان يرى أن بعض الوزراء والتكنوقراط كانوا يميلون إلى اعتبار المشروعات التي تقع تحت مسؤوليتهم أولوية، بغض النظر عن ترتيبها داخل الخطة الشاملة. وضرب مثالًا بمشروع تحويل كاي  Kayes إلى ميناء نهري/بحري عبر منشآت نهر السنغال وسد مانانتالي، باعتباره مشروعًا قد يكون منطقيًا على المدى الطويل، لكنه لم يكن بالضرورة الأولوية التي يحتاج إليها اقتصاد مالي الفقير في تلك اللحظة. رابعًا، التجار والسوق السوداء؛ فقد أدرك أمين أن محاولة تقليص نفوذ التجار من خلال مؤسسات الدولة لا تنجح إذا فشلت الدولة نفسها في توفير السلع، لأن نقص السلع والتضخم سيخلقان سوقًا سوداء يستفيد منها التجار. لذلك كان يرى أن إدارة القطاع العام بكفاءة شرط لمحاصرة السوق السوداء، وليس مجرد اللجوء إلى القمع. خامسًا، نقص الكوادر، وهي نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى أمين لاحقًا؛ فقد اكتشف أن الدولة يمكن أن تمتلك خطة ممتازة ووزراء ذوي كفاءة، لكن إذا لم يكن هناك موظفون مدربون في المستويات الدنيا لتنفيذ القرارات، فإن الخطة تنهار. وكانت تجربة العملة الوطنية مثالاً صارخًا بالنسبة إليه. وكان نقده لموديبو كيتا نفسه واضحًا في مذكراته إذ رأى أنه كان أحيانًا يعطي الأولوية للقرار السياسي والرمزي على الحساب الاقتصادي، وأن بعض المقربين منه كانوا يشجعون ذلك. وهذا مهم جدًا؛ لأنه يوضح أن أمين لم يكن موظفًا تابعًا للنظام، بل كان جزءًا من مشروعه الاقتصادي، مع احتفاظه باستقلاله النقدي تجاهه. وفي أكتوبر ١٩٦٣، غادر باماكو وانتقل إلى داكار للعمل في IDEP  لكن الرحيل لم يكن قطيعة؛ فأمين نفسه يقول إنه ظل مرتبطًا بمالي، وإنه عاد إليها في ثلاث بعثات بين ١٩٦٣ و١٩٦٦. وكانت مهمته في هذه البعثات محددة جدًا: فحص حسابات الخزانة العامة واقتراح حلول قصيرة ومتوسطة المدى للأزمة المالية. واللافت أن أمين عاد إلى مالي بعد خمسين عامًا، في ٢٠١٠، بدعوة من قوى سياسية ومجتمعية مالية للمشاركة في احتفالات الذكرى الخمسين للاستقلال، وقدم عرضًا عن الخطة المالية وإنجازات ١٩٦٠–١٩٦٥. 

مساهمة سمير أمين المعرفية في القارة الأفريقية

في عام ١٩٦٣، انتقل إلى داكار، عاصمة السنغال، والتحق بالمعهد الأفريقي للتنمية الاقتصادية والتخطيط    IDEPالتابع لمنظومة الأمم المتحدة. عمل هناك حتى عام ١٩٧٠، بالتوازي مع التدريس في جامعات داكار وبواتييه وباريس، قبل أن يصبح مديرًا للمعهد عام ١٩٧٠ ويقوده حتى عام ١٩٨٠. هنا ربما يظهر أحد أهم أوجه مساهمته المعرفية داخل القارة الأفريقية. فقد حاول سمير أمين، خلال إدارته للمعهد الأفريقي للتنمية الاقتصادية والتخطيط IDEP في داكار بين عامي ١٩٧٠ و ١٩٨٠، تحويل المؤسسة من مجرد مركز لتدريب المخططين والموظفين الحكوميين إلى مساحة حرة لإنتاج معرفة نقدية تنطلق من المشكلات التاريخية والاقتصادية الفعلية للدول الأفريقية الخارجة من الاستعمار. وتؤكد لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا أن قيادته تركت أثرًا عميقًا في تاريخ المعهد، خصوصًا في مجالات التدريب وبناء القدرات والبحث في التخطيط للتنمية وإدارة الاقتصادات الأفريقية. لكن أهمية تجربته تجاوزت التدريب التقني ففي عهده انتقل النقاش من سؤال «كيف نخطط للتنمية؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: «لماذا تتخلف أفريقيا؟». واحتضن IDEP شبكة من الاقتصاديين والباحثين الأفارقة والدوليين، من غانا والسنغال ومصر والكاميرون والكونغو إلى جامايكا والأرجنتين وفنزويلا والهند، الأمر الذي جعل داكار نقطة التقاء بين الاقتصاد السياسي الأفريقي ومدرسة التبعية في أميركا اللاتينية والفكر المناهض للاستعمار في آسيا وأفريقيا. وفي عام ١٩٧٢، نظم المعهد مؤتمرًا مهمًا حول استراتيجيات التنمية في أفريقيا وأميركا اللاتينية. وهكذا أصبح IDEP في عهده أكثر من مؤسسة تدريب تابعة لمنظومة الأمم المتحدة؛ إذ تحول إلى مركز لإنتاج المعرفة النقدية حول التنمية، ولطرح سؤال انتقال أفريقيا من كونها مستهلكًا لنظريات التنمية التي تنتجها مراكز المعرفة في الشمال إلى أن تصبح منتجًا لنظرياتها وأسئلتها الخاصة حول الاقتصاد والتاريخ والتحرر. وهذا ما أثار قلق بعض الدوائر الدولية؛ فقد وصفت وثائق دبلوماسية أميركية في منتصف السبعينيات المعهد بأنه أصبح مؤسسة «مثيرة للمشاكل» بسبب مديرها الماركسي.

في عام ١٩٧٣، أصبح سمير أمين أول أمين تنفيذي لمجلس تنمية البحث في العلوم الاجتماعية في أفريقيا CODESRIA  وهو الدور الذي شغله حتى عام ١٩٧٥. شارك أمين، مع عبد الله بوجرا وأديبولا أونيتيري، في تنظيم الجمعية العامة الأولى للمجلس عام ١٩٧٣، التي أسست الإطار المؤسسي للمجلس، وأصبح أمين، بصفته أول أمين تنفيذي، أحد المسؤولين عن الانتقال به من شبكة أولية لمديري مؤسسات البحث الاقتصادي والاجتماعي إلى منظمة بحثية بان – أفريقية قائمة بذاتها. وضم الاجتماع التأسيسي ٦٢ مندوبًا يمثلون مؤسسات بحث وتدريب أفريقية، إلى جانب مؤسسات من أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية وأميركا اللاتينية، وكان الهدف المعلن هو تعزيز البحث والتدريب في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا من خلال التعاون بين المؤسسات والجمعيات المهنية الأفريقية ونظيراتها خارج القارة. وكان هذا المشروع متصلًا مباشرة برؤية أمين للاستقلال المعرفي؛ فالمجلس نشأ وسعى منذ البداية إلى بناء حركة علمية أفريقية قادرة على تفسير واقع القارة من داخلها، والمشاركة في صياغة النقاشات الأكاديمية والعامة والسياساتية حول مستقبلها. ولذلك، كان إسهام أمين في السنوات الأولى يتجاوز الإدارة إلى تحديد طبيعة المؤسسة نفسها: الدفاع عن استقلال الباحثين، وتشجيع البحث المقارن بين البلدان الأفريقية، وتجاوز التجزئة اللغوية والجغرافية بين الباحثين، وربط الجامعات ومراكز البحث وشبكات الباحثين ببعضها، بحيث لا تصبح العلوم الاجتماعية الأفريقية مجرد فروع محلية للمدارس الأوروبية والأميركية. وهي المبادئ التي أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من هوية CODESRIA  وبرامجها. ولم يغادر أمين المجلس بعد انتهاء ولايته، بل ظل منخرطًا في أنشطته لعقود، وشارك لاحقًا في لجانه العلمية، بما في ذلك عضويته في اللجنة العلمية خلال فترات ١٩٩٩–٢٠٠٢ و٢٠٠٢–٢٠٠٥ و ٢٠٠٥–٢٠٠٨. وهذا أحد الأشياء التي كانت تميز أمين؛ فلم يكن يتعامل مع العمل الأكاديمي بصورة وظيفية أو مرحلية، وإنما بوصفه نهجًا نضاليًا طويل الأمد. فقد ظل، كتفًا إلى كتف، إلى جانب عبد الله بوجرا عندما تولى الأخير الأمانة التنفيذية بين عامي ١٩٧٥ و ١٩٨٥. وخلال هذه الفترة، ترسخت المؤسسة واكتسبت قوتها المؤسسية وشرعيتها بين الأكاديميين وصناع السياسات في أفريقيا، كما شهدت تنظيم أكثر من خمسين مؤتمرًا وندوة وورشة في أنحاء القارة حول قضايا مثل التصنيع والتنمية الريفية والتكامل الاقتصادي والتكنولوجيا والسكان والديمقراطية. ثم واصلت المؤسسة، في العقود التالية، استقطاب أسماء بارزة مثل ثانديكا مكاواير، وأشيلي مبيمبي، وأديبايو أولكوشي وغيرهم ضمن قياداتها التنفيذية، بينما أصبحت مؤتمراتها ومجلاتها وبرامجها البحثية والتدريبية فضاءً مركزيًا للنقاش حول الدولة والتنمية والتبعية والديمقراطية والجندر والتحولات الاجتماعية في القارة. وتُظهر برامج المجلس لاحقًا مدى اتساع هذا الإرث، الذي لم يستمر طويلًا؛ ففي عام ٢٠١٨، عندما توفي سمير أمين، كان CODESRIA  قد أصبحت مؤسسة عمرها ٤٥ عامًا، لكن توجه المجلس ونشاطه كانا قد اختلفا تمامًا، نتيجة الاعتماد الكبير على المانحين الدوليين وتفريغها من كوادرها الراديكالية.

في عام ١٩٨٠، انتقل سمير أمين إلى مرحلة جديدة من عمله في داكار، فأصبح مديرًا للمكتب الأفريقي لمنتدى العالم الثالث Third World Forum / Forum du Tiers Monde وهو موقع ظل مرتبطًا به حتى وفاته عام ٢٠١٨. لكن علاقة أمين بالمنتدى بدأت قبل ذلك؛ فقد كان المكتب الأفريقي للمنتدى يعمل داخل IDEP  منذ عام ١٩٧٥، ثم، مع مغادرته المعهد، جرى تنظيم الجمعية الأفريقية للمنتدى في داكار في ديسمبر ١٩٨٠، واعتماد نظامها الإقليمي، وانتقل المكتب إلى مباني CODESRIA  قبل أن يستقر في مقر مستقل عام ١٩٨٣. وكان إنشاء المنتدى وتوسعه من أنجح تجارب سمير أمين المؤسسية؛ لأنه استطاع أن يتحول إلى شبكة دائمة تتجاوز الحدود الوطنية والقارية. ومن خلال المنتدى، اتسع مشروعه من بناء المؤسسات البحثية الأفريقية إلى بناء شبكة فكرية للجنوب العالمي تربط الاقتصاديين والمفكرين والباحثين والنشطاء في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وتوفر لهم فضاءً مستقلًا لمناقشة قضايا لم تكن المؤسسات التنموية الدولية مستعدة لطرحها من منظور نقدي، مثل التبعية، والإمبريالية، والاستعمار الجديد، وأزمة النظام الرأسمالي العالمي، وعلاقات الشمال والجنوب، والتكامل بين بلدان الجنوب. وكان هذا امتدادًا طبيعيًا لما بدأه في IDEP و CODESRIA؛ فإذا كان هدف CODESRIA  هو بناء قدرة أفريقيا على إنتاج المعرفة حول نفسها، فإن منتدى العالم الثالث وسّع الدائرة إلى إنتاج معرفة مشتركة بين شعوب الجنوب. وتكشف كتابات أمين في بداية الثمانينيات هذا التحول بوضوح؛ ففي عام ١٩٨٢، كان يكتب عن أزمة النظام الاقتصادي العالمي ومستقبل «النظام الاقتصادي الدولي الجديد»، منتقدًا حدود مفاوضات الشمال والجنوب، ومؤكدًا ضرورة إعادة النظر في النظام العالمي نفسه، لا الاكتفاء بإصلاح شروط التبادل داخله. وفي هذا الإطار، أصبح مكتب داكار تحت قيادته مركزًا للتنسيق بين مختلف مناطق المنتدى، ولم يكن نشاطه أكاديميًا بالمعنى الضيق، انطلاقًا من اعتقاده بأن إنتاج البدائل لا يمكن أن يقتصر على الجامعات ومراكز البحث، وإنما يحتاج إلى تفاعل مع القوى الاجتماعية التي تصنع التغيير. ولذلك ظل المنتدى منصة رئيسية لأفكار أمين حول الاعتماد على الذات، والاستقلال الاقتصادي، والتعاون جنوب – جنوب، وفك الارتباط عن آليات الهيمنة الرأسمالية العالمية. وفي التسعينيات، اتسع هذا المسار أكثر؛ فكان المنتدى الأفريقي في داكار إحدى القواعد التي انطلقت منها شبكات دولية جديدة، وصولًا إلى تأسيس منتدى البدائل العالمي World Forum for Alternatives عام ١٩٩٧، الذي أصبح محاولة لبناء إطار عالمي يجمع مفكرين وحركات اجتماعية من الجنوب والشمال لمواجهة النيوليبرالية والبحث عن بدائل لها. وكان هذا الانتقال استمرارًا منطقيًا لمشروعه: من الاقتصاد السياسي للتنمية، إلى نقد النظام العالمي، ثم إلى محاولة بناء شبكة عالمية للقوى التي تبحث عن بديل له.

أساس التحرر من التبعية

النقطة الأهم التي يجب أن تذكر في نتاج الراحل سمير أمين أن العمق الأفريقي لمصر بالنسبة له لم يكن مجرد مسألة جغرافية أو دبلوماسية أو أمنية، ولم تكن أفريقيا بالنسبة إليه مجالًا لنفوذ القاهرة؛ كانت مصر نفسها جزءًا من أفريقيا، وكان مستقبلها الاقتصادي والسياسي مرتبطًا بمستقبل القارة. وكان ذلك جزءًا من تصور أوسع لمصير مشترك لبلدان الجنوب: فالتحرر السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي، والاستقلال الاقتصادي لا يكتمل دون استقلال معرفي، ولا يستطيع أي بلد أفريقي أن يحقق ذلك منفردًا في مواجهة نظام عالمي غير متكافئ. ومن هنا جاءت مساهمته في بناء الجسور بين القاهرة وداكار، وهو ما يظهر بصورة شديدة الدلالة في الكتاب الذي جمع بينه وبين الراحل حلمي شعراوي، Political and Social Thought in Africa . ففي مقدمة الكتاب، يُشار إلى أن إحدى المشكلات التاريخية للعلاقة المصرية بقارتها الأفريقية هي اختزالها طويلًا في نهر النيل، وكأن الصلة المصرية ببقية القارة تنحصر في النهر، بينما كان المشروع الذي جمع أمين وشعراوي يسعى إلى استعادة العلاقات السياسية والثقافية والفكرية الأوسع بين مصر وقارتها. وهنا يمكن القول إن أمين ساهم في نقل فكرة أفريقيا بالنسبة إلى مصر من «الجغرافيا» إلى «التاريخ والمصير المشترك». فالنيل مهم، لكنه ليس أساس العلاقة الوحيد؛ فهناك الاستعمار، وحركات التحرر الوطني، والتجارة، والهجرة، والثقافة، والاقتصاد، ومصالح الشعوب في بناء نظام دولي أكثر استقلالًا عن الهيمنة الغربية. ولم يتبنَّ تصورًا يضع «العروبة» في مقابل «الأفريقية»، وإنما كان يرى إمكان بناء علاقة تاريخية وسياسية بين المجالين على أساس التحرر من التبعية. ولهذا اهتم بقضايا العالم العربي بالتوازي مع أفريقيا، وكتب L’Égypte nassérienne وL’économie du Maghreb وبموازاة بنائه للمؤسسات البحثية في داكار، حافظ سمير أمين على صلة وثيقة بالقاهرة، وخصوصًا بمشروع مركز البحوث العربية والأفريقية، الذي تأسس عام ١٩٨٧ بمبادرة من مجموعة من الباحثين والنشطاء المصريين والأفارقة، كان في مقدمتهم المفكر البان – أفريقي حلمي شعراوي. وكان أمين بالنسبة إلى شعراوي ورفاقه نموذجًا مهمًا؛ فقد استلهموا في تأسيس المركز تجربته المتراكمة في IDEP و CODESRIA  ومنتدى العالم الثالث. ولم تكن العلاقة بين أمين والمركز علاقة رمزية؛ فقد أصبح أمين رئيس مجلس إدارة مركز البحوث العربية والأفريقية، وظل مرتبطًا به حتى وفاته، كما شارك المركز في إنتاج ونشر أعمال وأبحاث مرتبطة بمشروعه الفكري. ومن الأمثلة الدالة على ذلك صدور أعمال عربية تحت إشراف أمين أو بتقديمه، ووجود منشورات مشتركة بين منتدى العالم الثالث في داكار ومركز البحوث العربية والأفريقية في القاهرة، كما تعاون المركز مع CODESRIA  في إصدار النسخة العربية من دورية المجلس، بما وفر قناة مهمة لنقل الإنتاج الفكري والبحثي الأفريقي إلى المجال العربي. ويعكس ذلك أحد المبادئ التي ظل أمين متمسكًا بها طوال حياته: ضرورة بناء جسور معرفية مباشرة بعيدًا عن الوساطة الأكاديمية.

لم يكن سمير أمين مجرد مراقب خارجي لأفريقيا يكتب عنها من باريس، وإنما عاش في داكار أكثر من أربعة عقود، واختار أن يجعل من القارة مركزاً لعمله الفكري والسياسي والمؤسسي. وحتى في نهاية حياته، ظل منخرطًا في المؤسسات والنقاشات والمجتمعات الأفريقية فقبل رحيله بأسابيع، شارك في داكار في إطلاق التقرير البديل حول أفريقيا، وهو مشروع نقدي للسياسات التنموية السائدة، شارك بنشاط في بلورته. كان أمين يتطلع إلى أفريقيا أكثر استقلالًا في خياراتها الاقتصادية والسياسية، وإلى مؤسسات معرفية أفريقية قادرة على إنتاج أدواتها النظرية وتحليل واقعها من داخل تجاربها التاريخية والاجتماعية. لكنه كان يدرك في الوقت نفسه أن الاستقلال المعرفي لا ينفصل عن الصراع السياسي والاجتماعي، وأن مواجهة الإمبريالية والرأسمالية لا يمكن اختزالها في الخطب والشعارات، وإنما تتطلب عملًا طويل الأمد لبناء المؤسسات والشبكات وتكوين الكوادر وإنتاج الأفكار المرتبطة بالاحتياجات المادية الفعلية للشعوب. وربما هنا تكمن أهمية تجربته فقد تعامل مع القارة مجالًا للممارسة وبناء المؤسسات وإنتاج المعرفة وصياغة البدائل.

Author

  • كريبسو ديالو

    مترجم وباحث في العلوم السياسية المتعلقة بالشأن الأفريقي. كاتب في العديد من المجلات والصحف الأفريقية. شارك في طبعات مترجمة باللغة العربية والإنجليزية في عدة مراكز بحثية بأفريقيا

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

تفكيك “أيديولوجيا البرجوازية” وفضح خطاب السخرية والتسخيف

المعركة، في جوهرها، ليست بين قديم وجديد، ولا بين أيديولوجيا وعقلانية، وإنما بين فكر يكشف الطابع التاريخي للعالم القائم ويفتح أفق تجاوزه، وفكر يسعى إلى تأبيده بإخفاء تناقضاته وتزييف الوعي بها

“حارس سطح العالم”

صدر عن منشورات تكوين والدار العربية للعلوم – ناشرون رواية “حارس سطح العالم” للروائية بثينة العيسى، رسوم: محمد المهنا. الطبعة الـ ١١. فازت الرواية بجائزة