
“سوفا ٥٣” .. ليست الأرض فقط.. وليست المياه فقط
واهم من يعتقد أن مستجدات دولية وإقليمية دفعت قادة الكيان الصهيوني إلى إخراج ملفات احتلال وقضم الأراضي العربية من خزائنهم، ومنها بطبيعة الحال مشروع “سوفا
في اليوم، الذي نحتفي فيه بخروج المناضل جورج إبراهيم عبد الله من السجون الفرنسية بعد 41 عاماً من الاعتقال، نتذكر الكثير من سجناء الرأي الذين تحدوا الإمبراطورية الأميركية وذيولها، وعلى رأسهم الصحفي والمناضل الأفرو- أميركي موميا أبو جمال، الذي لا يزال يقبع في السجون منذ أكثر من 35 عاماً، معظمها في الحجز الانفرادي، رغم تراكم الأدلة التي تُشير إلى براءته، وتكشف أن التهمة لفقت له ضمن ممارسات ممنهجة لقمع الأصوات الثورية الملونة في الولايات المتحدة الأميركية.
وُلد موميا في 24 أبريل 1954 بمدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا. ومنذ سنواته الأولى، انخرط في النضال ضد العنصرية الممنهجة والتمييز الذي يتعرض له الأميركيون من أصل أفريقي. انضم إلى حركة “الفهود السود” في عام 1968، وهي حركة يسارية ثورية نشطت بقوة في أوساط السود، وبلغت ذروتها عام 1970 بعد أن انتشرت في 68 مدينة. تولى موميا مسؤولية القسم الإعلامي للحركة في فيلادلفيا، وأصدر تحقيقات صحفية فضحت عنف الشرطة وانتهاكاتها earning him the title “Voice of the Voiceless” – “صوت من لا صوت لهم”.
في السبعينيات، أصبح رئيس رابطة الصحفيين السود في المدينة، في مرحلة كانت تشهد تصاعد نضال الأجيال الجديدة من الكوادر السوداء، إلى جانب تصاعد القمع من أجهزة الدولة، من اغتيالات واعتقالات ملفقة، وتفكيك منهجي للتنظيمات الثورية. كان موميا من بين المستهدفين الرئيسيين في هذه الحملة.
خلال تلك الفترة، بدأ بتغطية نشاط حركة MOVE الثورية، وهي جماعة سوداء أسسها جون أفريقيا عام 1972، تبنت أسلوب حياة مستقلة، يمزج بين الفكر الأسود التحرري والنزعة البيئية، وواجهت السلطة بعنف لفظي ووجودي.
في ديسمبر 1981، اعتُقل موميا بتهمة قتل شرطي أبيض، في محاكمة اتسمت بالانحياز السياسي والعرقي، وافتقرت إلى أي دليل مادي يربطه بالجريمة. الرصاصة القاتلة لم تتطابق مع البندقية التي كانت في منزله، ولم تجرِ السلطات الجنائية الفحوص اللازمة لإثبات إن كان قد أطلق السلاح أصلاً. هيئة المحلفين كانت بمعظمها من البيض، في محاكمة تأثرت بشكل واضح بالتحريض الإعلامي ضد “الفهود السود”، وضد موميا بشكل خاص.
محاكمة موميا وتحولها إلى قضية رأي عام
ورغم أنه أصيب برصاصة في الحادثة نفسها، فقد حُرم من العلاج الكافي، ومُنع من الدفاع عن نفسه أمام المحكمة. وشهادات النفي التي قُدمت لم يُسمح لها أن تُسمع.
تحولت المحاكمة إلى قضية رأي عام. رفضت قطاعات واسعة من السود والإعلاميين والحقوقيين الحكم، وطالبوا بإعادة المحاكمة، خصوصاً بعد ظهور قرائن تشير إلى أن القاتل الحقيقي قد يكون رجلاً آخر كان برفقة شقيق موميا، وتم الإفراج عنه بشكل مريب ثم مات لاحقاً في ظروف غامضة.
الخلفية السياسية لموميا، ومحاولاته المستمرة لإحياء روح المقاومة السوداء في الثمانينيات، جعلته هدفاً لأجهزة الدولة، خصوصاً في ظل تصريحات إدغار هوفر، مدير الـ FBI، الذي اعتبر أن “الفهود السود يمثلون أكبر تهديد داخلي للولايات المتحدة”، وأطلق برنامجاً سرياً لقمعهم تحت اسم COINTELPRO، تضمن المراقبة، الاختراق، الاعتقال، والتصفية الجسدية.
“من زنزانة الموت، معكم موميا أبو جمال”
اليوم، تعتبر قضية موميا أبو جمال تجسيداً للأزمة البنيوية في جهاز العدالة الأميركي. الشرطة التي اعتقلته تورطت لاحقاً في قضايا فساد وتزوير أدلة ورشى، كما أن نسبة السجناء من الأقليات العرقية ارتفعت بشكل غير مسبوق نتيجة لسياسات الإدانة بأي ثمن، خصوصاً في مدن مثل فيلادلفيا.
وكان من أبرز الجرائم التي غطاها موميا قبل اعتقاله: قصف منزل حركة MOVE عام 1985 من قبل شرطة فيلادلفيا باستخدام طائرة هليكوبتر تحمل متفجرات C-4 وTovex مما أسفر عن مقتل 11 شخصاً، بينهم خمسة أطفال، وتدمير أكثر من 60 منزلاً، وترك مئات السكان بلا مأوى. وقد اعتُبرت هذه الجريمة لحظة فاصلة في كشف طبيعة الدولة الأميركية الأمنية، إلا أن أحدًا لم يُحاسب.
صدى الحكم على موميا أشعل موجات احتجاج واسعة، وتأسست حركات للدفاع عنه، تطالب بإعادة المحاكمة والإفراج عنه. وبفضل هذه الضغوط، تم تأجيل تنفيذ حكم الإعدام ثلاث مرات. رغم استنفاد مراحل الاستئناف القانونية، يواصل محاموه المعركة بعد ظهور أدلة جديدة، فيما يدعو كثير من اليساريين إلى توسيع النضال خارج قاعات المحاكم نحو تعبئة جماهيرية واسعة.
تدهورت صحة موميا خلال السنوات الأخيرة بعد إصابته بالتهاب الكبد الوبائي، في وقت رفضت فيه إدارة السجون تقديم العلاج اللازم، بل لجأت إلى تزوير تقارير طبية لتبرير هذا الإهمال. ومع ذلك، لم يستسلم؛ ألّف خمسة كتب، ولا يزال يصدر تسجيلات صوتية من داخل زنزانته يعلق فيها على قضايا الولايات المتحدة والعالم، ويربط بين النضال المحلي والنضال الأممي.
وقد شملت تعليقاته الصوتية الأسبوعية قضايا مثل نضالات أميركا اللاتينية، الثورة الفلسطينية، وقضية جورج فلويد، وحركة Black Lives Matter وتُبث أحياناً على إذاعات بديلة عبر منصة Prison Radio، دائماً بتوقيعه الصوتي الشهير: “من زنزانة الموت، معكم موميا أبو جمال”.
في مقابلة أجراها عام 2005 بعد غزو العراق، سُئل: “هل سيبقى الشعب الأميركي صامتاً تجاه السياسات التي تنهك موارده؟”
فأجاب:
“الناس يزعمون أنهم غير معنيين بالسياسة، لكنهم يشاركون فيها عبر صمتهم. ما يدعم النظام القائم هو الإذعان الجماعي. يتحدثون عن النظام والقانون، لكن ما نراه هو الفوضى. الدستور الأميركي مجرد وهم، قائم على قرون من العبودية والتمييز والمجازر. يقولون إن مقاومة هذا النظام جنون، لكن الجنون الحقيقي هو أن لا نقاوم”.
ونحن نُحيي حرية المناضل جورج إبراهيم عبد الله، لا يجوز أن ننسى أن موميا أبو جمال لا يزال يرزح في السجون، شاهداً على عدالة عمياء، وعنصرية ممنهجة، وقمع لا يرحم.
قضيته ليست فردية، بل هي جزء من نضال أشمل ضد النظام الإمبريالي وقمعه العالمي.
مترجم وباحث في العلوم السياسية المتعلقة بالشأن الأفريقي. كاتب في العديد من المجلات والصحف الأفريقية. شارك في طبعات مترجمة باللغة العربية والإنجليزية في عدة مراكز بحثية بأفريقيا

واهم من يعتقد أن مستجدات دولية وإقليمية دفعت قادة الكيان الصهيوني إلى إخراج ملفات احتلال وقضم الأراضي العربية من خزائنهم، ومنها بطبيعة الحال مشروع “سوفا

الدعوات إلى التحرك التي لم تقابل بالهدوء والتفهّم؛ بل، على العكس من ذلك، كان رد الحكومة على مطالبتها بوضع حد للتقصير أن عمدت إلى قمع الإضراب والتظاهرات بعنف لم يسبق له مثيل

ربما سيفترض كثيرون أن الحديث عن تفكيك البرجوازية الكويتية وإعادة تركيبها وتعزيز رأسمالية الدولة هو موضوع نظري نخبوي أقرب ما يكون إلى الترف الفكري، ولكن

من جوف المآسي يوجد اﻷمل” فإننا نجد بصيص النور في تحرك ضمير البشرية في وجه الظلم والطغيان الصهيوني ما يؤصل قيم الكرامة والعدالة والمساواة الإنسانية ويؤكد أن القضايا العادلة ﻻ تسقط بالتقادم



