
جريمة دفن الآثار.. محو ذاكرة بيروت
تدمير وطمس آثار بيروت ومحو ذاكرة شعبها وتهجيره وتحويل هذه القلعة الأثرية إلى شركة خاصة تعتبر جريمة العصر. هذا ما يسميه باحثو التراث والآثار بـ “الهندسة السياسية للذاكرة”.
ما إن صعدت روح زياد إلى بارئها وتم إعلان مغادرته للحياة الدنيا، حتى بدأت حملات التفتيش والتشويه في سجل الرّاحل بحثاً عن هفوات وسقطات وزلات خرجت منه في لقاءات وبرامج وأحاديث صحفية.
فهناك مَن يزعجه إجماع الشارع اللبناني والعربي على حب زياد الرحباني واحترام ما قدمه من أعمال فنية موسيقية ومسرحيات ونصوص شعرية وأدبية وسياسية ستبقى شاهدة على نبوغ هذا الفنان الملتزم ونبله.
فبعضهم يقتطع كلاماً لزياد من سياق معين يمتدح فيه النظام السّابق في سورية ليضع زياد في صورة “العدو للشعب السوري والمشارك بسفك دمه في الفتنة العمياء الممتدة منذ 2011 إلى يومنا هذا.
وآخر يريد أن يضع زياد بخانة “عدو للمقاومة؛ لأنه شكك بحركة المقاومة الإسلامية حماس”.
وثالث يريد أن يجعل من زياد كفنان تابع لتيار معين وبيئة عُرفت بالانعزالية والطائفية وهكذا لأنه صرح ذات يوم برغبته في بداية مراهقته السياسية بالانضمام لحزبهم، لكن والده المرحوم عاصي الرحباني منعه وقمع رغبته، ومع ذلك مات زياد رفيقاً وصديقاً قريباً للحزب الشيوعي اللبناني والحركة الوطنية اللبنانية وتيار المقاومة وانتمائه إلى الخط السياسي الوطني التحرري.
وآخرون يجتهدون في البحث عن مشاكله الأسرية وشؤونه الخاصة لتشويه صورته كفنان نبيل وصاحب قضية اجتماعية وسياسية ورسالة فنية ضد الطائفية والظلم الطبقي والاستعمار والاحتلال واستغلال حاجات الناس لأغراض سياسية رخيصة.
في العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان 2024 تمت دعوة زياد لتكريمه في القاهرة، فرفض زياد مغادرة لبنان وهو تحت نيران العدوان الإسرائيلي، وكلّف صديقه حازم شاهين بمصر لتمثيله بالتكريم وهذا دليل أن زياد فنان وطني لا يبحث عن الشهرة والمال والجوائز.
يقول عبيدو باشا:
أن زياد كان يتقاضى أقل الأجور في حفلاته، ورحل عن الدنيا وهو لا يملك ثروة في البنوك، وثروته الحقيقية كانت محبة الناس له، فقد احتشد في تشييع زياد الآلاف من اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم منذ الصباح الباكر لتوديع جثمان زياد من أمام مستشفى خوري في الحمراء .
لذلك كل هذه الحملات المشبوهة للنيل منه لن تمحو الصورة الجميلة لزياد الفنان الملحن الشاعر والكاتب والناقد والمسرحي والمفكر السياسي الملتزم بقضايا التحرر والعدالة الاجتماعية، ولزياد كلمة خالدة للمتصيدين في المياه العكرة ( مَن لا يعمل لا يُخطئ ).
فالخطأ والزلل وارد عند كل إنسان يفكر ويعمل وينتج ويجتهد ويحلل ويكتب.
فمَن كتب “فيلم أميركي طويل” ولحن “سألوني الناس”، و”على هدير البوسطة”، و”جايبلي سلام”، و”كيفك أنتَ”، و”أنا مش كافر”، و”شو هالايام”، و”أميركا مين”، و”يا زمان الطائفية”، لم يمت بل سيبقى حياً بوجداننا وسيعيش أجيالاً وأجيالاً.
أخيراً أنحني إجلالاً لحزن السيدة العظيمة أم زياد (الفنانة فيروز) ونسأل الله أن يلهمها الصبر والسلوان على تحملها لفقدان قامة فنية عظيمة مثل زياد الرحباني .

تدمير وطمس آثار بيروت ومحو ذاكرة شعبها وتهجيره وتحويل هذه القلعة الأثرية إلى شركة خاصة تعتبر جريمة العصر. هذا ما يسميه باحثو التراث والآثار بـ “الهندسة السياسية للذاكرة”.

لم يعد النضال الفلسطيني اليوم محصوراً في الجغرافيا، ولا مقيداً بحدود المكان أو أدوات المواجهة التقليدية. لقد أفرزت التحولات الرقمية جيلاً جديداً من الفاعلين السياسيين،

القوة الاقتصادية والسياسية المتنامية لدول الجنوب العالمي تجعل الفضاء الإعلامي العالمي متعدد الأوجه بشكل متزايد. لقد ولّى عهد الدول الغربية التي كانت قادرة على تضليل الرأي العام العالمي دون عقاب

مواجهة محاولات القوى الأجنبية لإضعاف الهوية الوطنية تتطلب تكامل جميع الأدوات الوطنية، بدءاً من التوعية والتعليم، مروراً بالحفاظ على الثقافة والاستقلال الاقتصادي، وصولاً إلى صيانة القرار السياسي



