كيف انبثقت الماركسية من قلب الفكر البرجوازي الثوري

-+=

في النصف الثاني من القرن العشرين، خيضت معركة أيديولوجية وفكرية حادة داخل الماركسية وخارجها، تمحورت حول التفريق بين ما سُمّي بـ “ماركس الشاب” و”ماركس الناضج”، وبخاصة حول كتاب «رأس المال».

وقد جاءت هذه المعركة في سياق تاريخي محدد، أعقب تراجع الستالينية في منتصف خمسينيات القرن العشرين، لا سيما بعد انقلاب خروتشوف، الذي فضح ممارسات ستالين، وجرائمه، واستبداده، وتعظيمه لشخصه فيما عُرف بـ عبادة الفرد cult of personality.

في هذا السياق، برزت تيارات داخل الماركسية، وأخرى في الفكر البرجوازي، حاولت أن تعيد قراءة ماركس بطريقة جديدة، لكنها في الواقع وقعت في مأزق قرائي مزدوج.

فهذه التيارات قرأت ماركس قراءة وضعية، ميكانيكية، علموية جافة، واعتبرت كتاب «رأس المال» مجرد كتاب اقتصادي تقني يخلو من الروح الإنسانية. والغريب أن هذا الكتاب، لمن يقرأه فعلياً، يجده نابضاً بالأدب، والروحانية، والخيال، والدهشة الفنية، وليس كتاباً اقتصادياً جافاً بالمطلق.

كثيرون قرأوا «رأس المال» دون أن يقرؤوه فعلاً، أو قرؤوا عنه لا فيه، فشعروا أنه يخنقهم، ويحرمهم من البعد الإنساني، واعتقدوا -خطأً- أن هذا البعد غائب عن كتابات ماركس المتأخرة. ومن هنا نشأت رغبة في التحرر من ثقل هذه النسخة من ماركس العلمي، الذي جرى تصويره بوصفه ميكانيكياً، وضعياً، ولا إنسانياً.

في المقابل، وجد هؤلاء في كتابات ماركس المبكرة، ولا سيما مخطوطات باريس الاقتصادية والفلسفية لعام 1844، متنفساً إنسانياً يحررهم من هذا الثقل. فرأوا في تلك النصوص تمجيداً للفرد، وتعظيماً للذات الإنسانية، وقيمة مطلقة للفرد، وهي قيم لم يروها -حسب فهمهم – في كتابات ماركس الناضجة.

لكن المشكلة هنا أن هؤلاء قرأوا الكتابات المبكرة قراءة مثالية، وجودية، وقرأوا الكتابات الناضجة قراءة ميكانيكية لا جدلية. لقد تأثروا بوضوح بالمدرسة الوجودية، وتعاملوا مع مخطوطات باريس بوصفها نصوصاً وجودية لا نصوصاً مادية نقدية. وهكذا سادت النزعة الإنسانوية داخل الماركسية، خصوصاً بعد اهتزاز أركان الستالينية، وكانت هذه الإنسانوية في جوهرها موجهة ضد الستالينية، لا ضد ماركس نفسه.

وبمعنى أدق، جرى تقديم ماركس “الإنساني” أو “الوجودي” بوصفه ماركس الحقيقي، في مقابل ماركس “العلمي” الذي رُبط بالمدرسة الستالينية. وكانت هذه الصراعات مرتبطة بالحركة الشيوعية ذاتها، وبمحاولة إعادة تعريف الماركسية بعد الأزمة التاريخية التي عاشتها.

على الجانب الآخر، ظهر تيار مضاد قاده لويس ألتوسير، منذ أواخر الخمسينيات والستينيات، شعر بخطورة هذه النزعة الإنسانوية.

وأنا هنا أرى أن ألتوسير من حيث يدري أو لا أدري، يتفق في نقده مع هذه التيارات الإنسانوية، لكنه أختلف معهم جذرياً في الطريقة التي عالج بها المسألة.

 في رأيي، كان ينبغي على ألتوسير أن يقول لهؤلاء: أنتم قرأتم ماركس المبكر قراءة خاطئة، وقرأتم ماركس الناضج قراءة خاطئة أيضاً. لكنه لم يفعل ذلك، بل قبل بفرضيتهم الأساسية، وانطلق منها، وذهب إلى القول بوجود قطيعة إبستمولوجية حدثت سنة 1845، قفز فيها ماركس من خطاب أيديولوجي هيغلي–فيورباخي إلى خطاب علمي خالص.

اعتبر ألتوسير أن إشكالية ماركس الشاب لم تكن علمية ولا مادية ولا جدلية، بل كانت إشكالية هيغلية، وأن ماديته في تلك المرحلة -المتأثرة بفيورباخ- ليست مادية بالمعنى الصحيح، بل ضرباً من المثالية المقنعة. وعلى هذا الأساس، رفض اعتبار تلك المرحلة جزءاً من الماركسية، وهاجم الإنسانوية الماركسية، كما فعل في كتابه «من أجل ماركس»، مخصصاً فصلاً كاملاً لهذه المسألة.

لكن السؤال الجوهري هنا:

هل يمكن اختزال كل العملية النقدية العميقة التي قام بها ماركس في نقد فلسفة الحق لهيغل، وفي المسألة اليهودية، وفي مخطوطات باريس، باعتبارها مجرد ممارسة مثالية؟ أليست هذه العملية النقدية نفسها هي التي مهدت للوصول إلى المادية الجدلية والمادية التاريخية؟ وما هو هذا القطع الإبستمولوجي؟ هل هو مفهوم علمي فعلاً؟ هل تتطور المعرفة البشرية عبر قفزات فجائية، أم عبر تحولات جدلية تربط الجديد بالقديم؟

حتى في فلسفة العلم، سواء عند غاستون باشلار أو توماس كون، نجد هذا التصور عن القطع، بوصفه محواً تاماً لما سبق. قفزة كما القفزة الايمانية على طريقة كيركجور؟ أم أن هناك، على الدوام، علاقة جدلية تربط الجديد بما سبقه، بحيث لا يولد إلا من داخله ومن خلال تحّلله؟

ألتوسير رأى أن الماركسية الناضجة لا تتضح إلا في «رأس المال»، وقدم قراءة بنيوية لهذا الكتاب في «قراءة رأس المال»، قراءة تختلف جذرياً عن القراءة البرجوازية. لكن أحياناً، عندما نقرأ ماركس ونقرأ ألتوسير، نتساءل: هل يتحدثان عن الكتاب نفسه، أم عن كتابين مختلفين تماماً؟

لقد وقعنا في فخ مزدوج وخطير في آنٍ واحد؛ فخ القراءة الخاطئة لماركس الشاب، وفخ القراءة الخاطئة لماركس الناضج. من جهة أولى، جرى تضخيم البعد الإنساني في كتابات ماركس المبكرة وتحويله إلى إنسانوية مثالية، تُقرأ خارج سياقها المادي والتاريخي. ومن جهة ثانية، جرى التعامل مع كتابات ماركس الناضجة، ولا سيما «رأس المال»، بمنظور بنيوي ميكانيكي، جاف، منزوع الجدل، وكأنها نصوص تقنية مغلقة تخلو من الروح النقدية.

لكن الحقيقة أن هذا التقابل الحاد بين ماركس الشاب وماركس الناضج هو تقابل مصطنع. فلا وجود لقطيعة معرفية تفصل بين مرحلتين منفصلتين، بل هناك مسار واحد يتطور عبر تحول جدلي، تتحول فيه المفاهيم وتتعمق، دون أن تُمحى أو تُلغى جذورها الأولى. ماركس لم يبدأ من فراغ، ولم يقفز قفزة إيمانية خارج الفكر الذي سبقه، بل انطلق من داخل الفكر البرجوازي الثوري نفسه، ومن نقده الجذري. نقد هيغل، ونقد فيورباخ، لا بوصفهما محطات يتجاوزها بالإلغاء، بل بوصفهما لحظات ضرورية في تشكل مشروعه الفكري. لقد استخدم ماركس أدوات هيغل وفويرباخ، لكنه لم يتبنَّها كما هي، بل قلبها رأساً على عقب. نقد هيغل نقداً مادياً، فأنزل الجدل من سمائه المثالية إلى أرض الواقع الاجتماعي والتاريخي. وفي الوقت نفسه، نقد فيورباخ نقداً جدلياً، كاشفاً حدود ماديته الساكنة والتأملية، ودافعاً بها نحو مادية فاعلة وتاريخية. ومن خلال هذا التوتر الخلاق بين النقدين، ومن داخل هذه الحركة الجدلية نفسها، تبلورت المادية الجدلية بوصفها تجاوزاً حافظاً، لا قطيعة إقصائية.

هكذا تشكل مشروع ماركس؛ لا بقطعٍ مع الماضي، بل بتحويله، ولا بإلغاء الجدل، بل بتجسيده في الواقع المادي والتاريخي. استخدم ماركس مفاهيم مثل الاغتراب، لكنها لم تعد هيغلية ولا فيورباخية، بل أصبحت أدوات مادية لنقد الرأسمالية. بدأ بمادية منقوصة، ساذجة نسبياً، لكنه طورها عبر النقد إلى مادية تاريخية وجدلية.

 لذلك، فإن فكرة القطيعة الإبستمولوجية تُدخل الجدل نفسه في مأزق. فالجدل المادي لا يولد من الفراغ، ولا يمكن اجتثاث هيغل من الماركسية دون إفراغها من قوتها النقدية. ماركس نفسه قال إن الجدل الهيغلي، بعد قلبه على قدميه، أرعب البرجوازية والطبقات الحاكمة.

أما ألتوسير، فاستبدل الجدل بمفاهيم مثل “التحديد الفائق”، وقدم بنيوية تبتعد عن الجدل الحقيقي. لم يكن مشروع ألتوسير مجرد تطوير للماركسية، بل كان -في جوهره- محاولة لتغيير بنيتها العميقة، وربما تجاوزها.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال ألتوسير في هذا الطرح وحده؛ فقد كان عبقرياً فلسفياً، صحيح أنه تحول لاحقاً نحو مادية أبيقورية تحمل عناصر لا عقلانية، لكن في النهاية، فإن النقاش حول ماركس الشاب وماركس الناضج هو في جوهره نقاش حول: “كيف انبثقت الماركسية من قلب الفكر البرجوازي الثوري؟ وكيف تحول القديم إلى جديد؟

وهنا، يكون مفهوم التحول الجدلي هو المفتاح، لا مفهوم القطيعة. فالديالكتيك هو علم التحول، لا علم القفزات الإيمانية.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

الأساس المنهجي الوضعي لفصل الفلسفة واللغة عن الواقع المادي .. مقاربة مادية نقدية

حصر الوضعية المنطقية مهمة الفلسفة بالتحليل المنطقي للغة يعني أتها تئد الفلسفة، والعلم ،والإبداع، تقيد الفلسفة بمجال واحد تصادر فيه باقي مفاهيم الفلسفة ومهمتها المناقضة لها، وتمنع حرية اختيار مفاهيم أخرى لها.

اللغة العربية مرآة تعكس روح الأمة وحضارتها

اللغة هي الحاضنة الأولى للهوية، والوعاء الذي تنعكس فيه الحضارة، وأداة الشعوب في صياغة وعيها ومكانتها بين الأمم. وفي زمن العولمة المتسارعة، تتعرض اللغة العربية