ليس كل من مسك المغرفة “الملاس” صار طباخاً، ولا كل من أمسك بريشة الألوان صار فناناً، في بعض المجالات الوسيلة بذاتها لا تؤدي بالضرورة إلى الغاية، وكذلك في الإعلام ليس كل من برز في وسائل الإعلام أو تقلد منصباً فيه صار إعلاميا ًفذاً ومؤهلاً.
أظهرت الحرب الدائرة حالياً في منطقة الخليج الهوّة المهنية في وسائل الإعلام إلا ما ندر، لا سيما في مجال صناعة الأخبار، وتوجيه الرأي العام، وإيجاد حالة من الطمأنينة والتشويش على الطرف الآخر، كما ينبغي أن يكون عليه الإعلام في الظروف العسكرية. إلا أن ما نعانيه في الإعلام الآن هو ثمرة سنوات من معاملته على أنه «البطة البغيضة»، أو محاولة تحويله إلى مسرح للدمى، يديره من يده تجمع الخيوط في الأعلى.
هناك منظوران في الإعلام حسب رأيي يكفلان نجاحه وتطوره هما: المنظور العام أي بيئة العمل الإعلامي بما تحتويها من قوانين وحريات، وسهولة الوصول إلى المعلومة، وطبيعة المؤسسات الإعلامية، والتكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي وغيرها؛ والمنظور الشخصي الذي يشتمل على الموهبة والحس الصحافي، وسعة الاطلاع والمتابعة، والتطوير الذاتي، والسعي الحثيث وراء المعلومة، مصحوبة بمنظومة القيم الأخلاقية المتعلقة بالعمل الإعلامي.
رئتا الإعلام هما الحرية والإبداع، فالحرية هي الإطار العام، لكنها ليست المطلق، إذ لا بد أن تخضع للإشراف والمتابعة، كما أنها، أي الحرية، الأرض الخصبة التي تنبت إعلاماً رصيناً يلامس همومنا، ويطرح قضايانا، ويناقش مشاكلنا، ويشكل آراءنا، ويحدد لنا خياراتنا المستقبلية ويستشرفها؛ أما الإبداع فهو تلك الملكة الشخصية التي تجسد هذه الحرية بصورة مبتكرة وسهلة على الاستيعاب لتكتمل صورة الإعلام بشقيه الشامل والشخصي.
الإعلام الكويتي بالكاد يتنفس مع وجود هذا الكم من القوانين، كما أن ساحة الإعلام الكويتي قد استبيحت من قبل إعلاميين، معظمهم طارئون، يسرحون في الساحة الإعلامية ويمرحون فيها. وفي المقابل تم تهميش وتعطيل عمل العديد من النخب الإعلامية، والحد من إمكاناتها، وذلك أنتج نتاجاً إعلامياً هابطاً استغله البعض للدعوة إلى المزيد من التشدد والرقابة. في حين أن العلاج يكمن في إيجاد بيئة إعلامية إبداعية بهامش حرية كبير، هذا بالذات ما سيطلق العنان لإبداعات ومواهب إعلامية حقيقية ستجعل من الإعلام أحد أهم الوسائل لتطوير المجتمع وتأهيله.
أما الخطر الداهم الذي يواجه الإعلام في الكويت، فهو تلك الآلة الإعلامية الجهنمية الخارجية التي تتغلغل شيئاً فشيئاً في الوعي الجمعي للكويتيين، وتغرس أفكارها وتصوراتها، وذلك من شأنه هدم المكونات الاجتماعية الكويتية، وإيجاد حالة من الاغتراب الفكري، وخلخلة الصالح من القيم في المجتمع الكويتي.
ومن يجلس متكئاً غير مدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الإعلاميين في الكويت للتصدي لهذه الهجمة الشرسة -وهي ليست مسؤوليتهم المطلقة، بالمناسبة، ولكنهم يضطلعون بقدر كبير منها- وهي مسؤولية أخلاقية ومهنية في المقام الأول، تعمل على غرس القيم الإنسانية، ومبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة، والمحافظة، في ذات الوقت، على المفيد من العادات في المجتمع الكويتي لاسيما الداعية إلى التضامن والتكافل وتطويرها، ونقل الصالح من الموروث الاجتماعي لإيجاد أجيال تشعر بانتمائها وتفتخر به.
هذه ليست دعوة إلى الانكفاء والتمسك بتلابيب الماضي، بل دعوة شجاعة إلى الانفتاح وتداول الأفكار بمختلف أطيافها ومناقشتها بمختلف الصور والمستويات، ودعوة كذلك إلى التصدي للضار من الأفكار وتنمية الصالح منها ومزجها مع الخصوصية الكويتية والاستفادة منها لتنمية المجتمع الكويتي.
لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال دور ما يسمى بالقوى الناعمة في تشكيل الرأي العام، وإبراز الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع وتعريفها داخلياً وخارجياً، وكلما كانت عدسة الإعلام واضحة وصادقة صارت نافذة ومؤثرة، ومن يعتقد أنه قادر، حالياً، على السيطرة والتحكم بالإعلام من خلال الحجب والتعتيم أو حتى القمع والترهيب فهو يخوض معركة خاسرة، إذ صار بالإمكان، حالياً، حمل العالم بأسره في الجيب الصغير لسترتك وسبر أغوار أي حدث في أي مكان من العالم بلمح البصر، وبضغطة زر فقط.
مستقبل الإعلام سيشهد انقلاباً حتمياً مصاحباً للذكاء الاصطناعي وتوغله في صناعته، لذا من الضروري المبادرة بأخذ زمام الأمور، وتوجيه تلك المتغيرات العميقة التي سيحدثها في مجتمعنا الوجهة الصحيحة، وإلا فإننا سنسلّم مقاليد حياتنا إلى من يمتلك تلك التكنولوجيا ليديرها كيفما شاء، ووفقاً لما يراه هو، وليس ما نريده نحن.
من الضروري جداً إنشاء مؤسسات إعلامية قادرة على تخريج كوادر إعلامية، الشارع الإعلامي في أمس الحاجة لها على أن تستطيع المواءمة بين المتطلبات الإعلامية المهنية والتكنولوجية، وأن تواكب القفزات التكنولوجية الشاسعة في مجال الإعلام ككل.
ويجب الانتباه إلى أنه صار هناك كم كبير من الوسائل الإعلامية، وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم بالإلهاء والتشتيت لطمس واقع الحياة ومتغيراتها، وتوجيهها وتجييرها، وإخراجها من سياقها العام، سواء على المستويات المحلية أو الإقليمية أو العالمية. كما شهدت بعض وسائل الإعلام ظاهرة خطيرة، وهي حجب وحظر محتوى معين، ليس لضرره أو سوء محتواه، ولكن لمخالفته السردية التي تتبناها هذه الوسيلة، أو محاولة للحد من تأثيره. ومع سطوة الذكاء الاصطناعي، هناك مخاوف حقيقية من ازدياد هذا الأمر، لذا فإن وجود وسائل إعلام رصينة وذات صدقية تطرح قضايا مهمة للمجتمع، والمحافظة على العدد اليسير منها وتطويره، لم يعد ترفاً بل صار ضرورة ملحة لبناء مجتمع واعٍ ومستقر.
في هذا البحر المتلاطم من وسائل الإعلام والغزو الفكري المصاحب له، نحن في أمس الحاجة إلى الإعلام المهني الجاد، ولا نعني أن تتحول وسيلة الإعلام إلى منشور سياسي، بل لا بد لها أن تحمل قدراً من التسلية والترفيه، وكذلك من الضروري ابتكار الوسائل التي تحاكي عقيلة الجيل الجديد من القراء، وإيجاد آليات النشر القادرة على الوصول إلى شرائحهم المختلفة.
في المقابل، يتطلب الانفتاح الإعلامي قناعة راسخة، وشجاعة سياسية، وقدر كبير من تحمل المسؤولية لدى متخذي القرار، وحنكة في إدارة الساحة الإعلامية حتى لا تحيد عن غايتها وتأتي بثمارها المرجوة.
-
باحث كويتي في الشؤون السياسية، ومدير تحرير سابق في وكالة الأنباء الكويتية "كونا"
View all posts