عيون نسوية على كأس العالم: كيف تصنع كرة القدم أدوارنا الجندرية؟

-+=

عندما تنطلق بطولة كأس العالم، لا يعود المستطيل الأخضر مجرد مساحة لحدث رياضي ضخم، بل يتحول إلى واحدة من أبرز تجليات النظام الرأسمالي العالمي، الذي لم يكتفِ بتحويل كرة القدم إلى صناعة تدر المليارات، بل أعاد أيضاً إنتاج الأدوار الجندرية وتسخيرها لخدمة السوق. فاللعبة التي ارتبطت تاريخياً بالأحياء الشعبية والطبقات العاملة لم تعد بمنأى عن منطق الاحتكار والتسليع مع تصاعد حقوق البث الحصرية وارتفاع أسعار التذاكر والاشتراكات، حتى أصبحت متعة متابعة كرة القدم نفسها امتيازاً طبقياً أكثر من كونها حقاً جماهيرياً مشتركاً. وفي هذا السياق، لا يقتصر الطابع الانتهازي لرأس المال العالمي على تسليع اللعبة نفسها، بل يُعاد أيضاً إنتاج الصور النمطية ومواقع القوة داخل الفضاء الرياضي بما يخدم منطق الربح، فيُوضع الرجل في مركز البطولة والفاعلية والسيادة، بينما يُختزل حضور النساء في أدوار هامشية، سواء كعمل غير مرئي أو كوجود يُقاس بقيمته الاستهلاكية.

غير أن هذه الصورة ليست بهذه البساطة. فخلف الأعلام والهتافات والأجواء الاحتفالية، تبرز أسئلة أخرى أقل صخباً تتعلق بمكانة النساء داخل عالم كرة القدم وحدود حضورهن فيه. لماذا لا يزال شغف المرأة باللعبة موضع تشكيك وسخرية أحياناً؟ ولماذا يتحول وجودها في أحيان أخرى إلى صورة استهلاكية أو إلى تجربة غير آمنة؟ وهل تكتفي اللعبة الأكثر شعبية في العالم بعكس الأدوار الجندرية السائدة، أم أن النظام الرأسمالي الذي ينظمها ويحيط بها يساهم أيضاً في إنتاجها وإعادة ترسيخها؟

من نكتة «التسلل» إلى المدرجات الافتراضية: صراع الأهلية والتسليع

لم تكن نكتة «شرح قانون التسلل – offside للمرأة» مجرد مزحة عابرة في الثقافة الكروية، بل تحولت مع الوقت إلى واحدة من أكثر الأدوات شيوعاً لإعادة إنتاج تراتبية وهمية، تُصوّر المرأة ككائن عاجز عن استيعاب تكتيك كرة القدم، ومجرد زائر غريب على مساحة يُفترض أنها حكر على الرجال. وفي عمقها، لا تعكس هذه النكتة سوى محاولة مستمرة لحماية احتكار المعرفة الكروية وإبقاء شرعية الحديث عن اللعبة امتيازاً ذكورياً.

وخلال أسابيع كأس العالم، يترجم هذا الإقصاء الثقافي إلى ممارسات تجارية تحصر دور المرأة في النطاق الاستهلاكي والمنزلي البحت. إذ تعيد الإعلانات “المونديالية” إنتاج الأدوار التقليدية عبر تصوير المرأة، دائماً، كمسؤولة عن تنظيف الفوضى بعد سهرات المشاهدة، أو إعداد الوجبات الخفيفة التي تسهّل متعة الرجال.

أما عندما تقرر المرأة مغادرة هذا النطاق المنزلي واحتلال المدرجات، فإن المنظومة الإعلامية تعيد إنتاج دورها عبر اختزالها في بُعد بصري بحت. إذ تتحول المدرجات “المونديالية” إلى ساحة للتسليع من خلال تركيز عدسات البث التلفزيوني والمخرجين على فئات محددة من المشجعات اللواتي يمتلكن مواصفات نمطية تشبه «ملكات الجمال». ولا تنقل هذه الاختيارات الإخراجية الشغف الكروي أو الانتماء الحقيقي بقدر ما تحول المرأة إلى عنصر جذب بصري ملحق بالبطولة. ولا يقتصر الأمر على الصورة وحدها، بل يمتد أحياناً إلى الخطاب الإعلامي نفسه، حين تتحول بعض التعليقات والتغطيات إلى مساحة للتغزل بالمشجعات والتعليق على مظهرهن وجاذبيتهن، بما ينقل الاهتمام من حضورهن بوصفهن مشجعات إلى أجسادهن بوصفها موضوعاً للنظر والتشييء. وهكذا، يترسخ في الوعي الجمعي أن وجود المرأة في الملعب يظل مشروطاً بمدى ملاءمتها للصورة النمطية التي تختزلها في جسد قابل للتشييء الجنسي وعنصر قابل للتسليع، بما يجعل حضورها خاضعاً للنظرة الذكورية أكثر من كونه تعبيراً عن شغف كروي أصيل.

ولا ينتهي هذا الحصار عند حدود المدرج الواقعي، بل يمتد اليوم إلى «المدرجات الافتراضية» التي صنعتها منصات التواصل الاجتماعي. فبمجرد أن تعبر المرأة عن رأي تكتيكي، أو تقدم قراءة لمباراة، أو تحتفي بفريقها المفضل، تجد نفسها في مواجهة سيل من السخرية والتشكيك والتنمر الإلكتروني، وكأن نكتة «التسلل» القديمة قررت أن تولد من جديد بصيغة رقمية. وما يبدو أحياناً مزاحاً عابراً يخفي محاولة مستمرة لرسم حدود غير مرئية تحدد من يحق له الكلام، ومن يُمنح شرعية تفسير اللعبة، ومن يُعترف به بوصفه مشجعاً «حقيقياً». وهكذا، تتحول المنصات الرقمية إلى امتداد جديد للمدرج الواقعي، وتنتقل إليها المعركة القديمة نفسها حول احتكار المعرفة الكروية وشرعية الانتماء إلى عالم كرة القدم.

غير أن هذا الاختزال متعدد الطبقات يواجه اليوم واقعاً مغايراً تفرضه ملايين النساء اللواتي يتابعن كرة القدم ويفهمن تفاصيلها التكتيكية ويرتبطن بفرقهن بالشغف والانتماء نفسه. وهذا الحضور المتزايد يشكل تفكيكاً عملياً للنظرة التي طالما تعاملت مع كرة القدم بوصفها مساحة ذكورية مغلقة، ويؤكد أن النساء لا يقفن على هامش اللعبة، بل في قلبها.

من يملك المدرجات؟ الجندر والأمان في الفضاء الرياضي

خلف الأجواء الاحتفالية لبطولات كأس العالم، يتكشف نمط بنيوي متكرر وشبه ثابت عبر مختلف النسخ والقارات، حيث يترابط التدفق الجماهيري الضخم واستهلاك الكحول المفرط مع الانتعاش الموسمي لشبكات الاستغلال الجنسي التجاري وسوق الدعارة، بما يرسخ النظرة إلى المرأة بوصفها جسداً قابلاً للتشييء وعنصراً ملحقاً باقتصاد الاستغلال الذي يزدهر على هامش البطولة.

وتقدم بعض نسخ البطولة أمثلة واضحة على هذا النمط. ففي أوروبا، وتحديداً في مونديال ألمانيا 2006، أثار التنظيم جدلاً واسعاً بعد تقنين بناء ما سُمي بـ«المجمعات الخدمية» المؤقتة بالقرب من الملاعب، مثل مجمع مانهاتن في برلين، واستقطاب عشرات الآلاف من النساء، خصوصاً من دول شرق أوروبا، اللواتي كن يعانين أوضاعاً اقتصادية هشة، لتغذية شبكات الدعارة والاستغلال الجنسي التجاري التي انتعشت بالتزامن مع الحدث. ولم يتغير هذا النمط عند الانتقال إلى القارة الأفريقية في مونديال جنوب أفريقيا 2010، حيث تكررت التحذيرات الحقوقية من نشاط شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي تستهدف النساء محلياً وإقليمياً بالتزامن مع البطولة. وفي أميركا اللاتينية خلال مونديال البرازيل 2014، برزت المعضلة ذاتها عبر استغلال الشبكات التجارية للأوضاع الاقتصادية الصعبة للنساء في الأحياء الهامشية لإقحامهن في هذه التجارة الاستغلالية.

ويضاف إلى هذا البعد التجاري تحول المساحات المحيطة بالملاعب في تلك النسخ، تاريخياً، إلى بيئات عالية المخاطر بسبب نسب التحرش المرتفعة والمضايقات، مما كان يدفع بقطاع من المشجعات إلى الانكفاء في النطاق المنزلي أو التعامل بحذر مع التجربة الجماهيرية تجنباً للتهديد اللفظي أو البدني. ولم يكن هذا الانكفاء انعكاساً لغياب الشغف الكروي بقدر ما كان نتيجة تفاوت الإحساس بالأمان داخل الفضاء العام.

وفي مقابل هذا النمط المتجذر، جاءت تجربة مونديال قطر 2022 بوصفها مثالاً إجرائياً يثبت أن هندسة الفضاء العام قابلة للتغيير. فقد أدَّى تبني سياسات تنظيمية صارمة، وفي مقدمتها منع بيع وتداول وشرب الكحول في محيط الملاعب ومساحات المشجعين، إلى الحد من المناخ التقليدي الذي كثيراً ما ارتبط بالمضايقات والعنف الجماهيري. كما أسهم نظام الرقابة الأمنية الدقيق في خلق بيئة أكثر استقراراً وأماناً، وهو ما انعكس على تجربة العديد من المشجعات اللواتي وصفن البطولة بأنها واحدة من أكثر نسخ كأس العالم راحةً وأماناً بالنسبة لهن. وقد أتاح هذا النموذج التنظيمي للمشجعات التواجد بحرية وأمان داخل الفضاء الرياضي، بما يوضح أن شعور النساء بالأمان لا يرتبط بالصدفة أو بالسلوك الفردي وحده، بل يتأثر أيضاً بالسياسات الهيكلية والخيارات التنظيمية التي تتبناها الدولة المستضيفة.

وهكذا، تكشف تجربة كأس العالم أن حق النساء في احتلال المدرجات لا يتحدد بمدى شجاعتهن الفردية أو قوة تحمّلهن، بل بالكيفية التي يُهندس بها الفضاء العام ومن يُصمم هذا الفضاء من أجله. فالمدرجات، مثلها مثل بقية الفضاءات العامة، ليست مساحات محايدة، بل تحدد من يشعر بالأمان ومن يضطر إلى الانكفاء. ومن ثم، لا تنفصل معركة النساء من أجل الاعتراف بهن كمشجعات كاملات الأهلية عن حقهن في الوجود الحر والآمن داخل الفضاء الرياضي نفسه.

عالم كرة القدم وعلاقات الطبقة والعمل والهجرة

وبينما تتجه أنظار العالم إلى النجوم والمباريات واللحظات التاريخية، يبقى جزء كبير من العمل الذي يجعل كأس العالم ممكناً بعيداً عن الأضواء. فخلف المشهد الاحتفالي، تعمل آلاف النساء في قطاعات الضيافة والخدمات والتنظيف والرعاية، وكثير منهن مهاجرات أو عاملات وافدات من دول الجنوب العالمي. في هذا المستوى، لا تتقاطع الأدوار الجندرية مع كرة القدم فحسب، بل مع التفاوتات الطبقية والاقتصادية العالمية التي تجعل النساء أكثر حضوراً في الأعمال الأقل أجراً والأقل ظهوراً والأضعف اعترافاً.

وربما تكشف هذه المفارقة أن عالم كرة القدم، شأنه شأن بقية المجالات، لا يتشكل فقط عبر علاقات الجندر، بل أيضاً عبر علاقات الطبقة والعمل والهجرة. فبينما يحتل اللاعبون والنجوم والمدرجات واجهة المشهد، يبقى جزء كبير من العمل الذي يضمن استمرار هذا الحدث العالمي قائماً على جهود غير مرئية لا تحظى بالاهتمام نفسه. ومن ثم، فإن النظر إلى كأس العالم بعيون نسوية لا يقتصر على مساءلة موقع النساء في المدرجات أو أمام الكاميرات، بل يمتد أيضاً إلى التساؤل حول من يعمل في الخلفية، ومن يحظى بالاعتراف، ومن يبقى حضوره ضرورياً وإن ظل أقل ظهوراً.

Author

اقرأ المزيد من المقالات ذات الصلة

سلاسل الرعاية المهاجرة: حين يُباع “حنان الفقيرات” في السوق الخليجي

النسوية الحقيقية في منطقتنا هي التي تبدأ من حقوق العاملة المهاجرة، وتطالب بتفكيك نظام الكفالة، وبناء مجتمع يقدر “الإنسان” فوق “السلعة”، ويكشف زيف المناصب حين تُبنى على حساب كرامة العاملات.

تمرد رابعة العدوية: “الحب الإلهي” .. ابن عربي: أهلية المرأة للقطبية

لمعات رابعة العدوية في “الحب الإلهي” وبعض مواقف ابن عربي المتعلقة بالمساواة بين المرأة والرجل، لا تعني أن الفكر الصوفي يمثل ثورة جذرية على الواقع أو أنه البديل الثوري عنه، بل يمثل، ثورة سلبية على الواقع وأيديولوجيته

الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي يحتفل بثمانين عاماً من النضال ويكرّم رموزاً نسائية عربية

جاء احتفال الذكرى الثمانين ليعيد التأكيد على مكانة اتحاد النساء الديمقراطي العالمي كقوة نضالية عالمية داعمة للنساء، ومساندة لقضايا الحرية والعدالة والمساواة والسلام.